الفصل 16 / 25

أحلام الحب

إشاعةٌ كالسمِ في العروق

بقلم مريم الحسن

عادتْ عقاربُ الساعةِ في قصرِ الحاج محمودَ تدقُّ ببطءٍ، كأنها تُقاومُ مرورَ الزمنِ. كانتْ ليلى تقفُ في المطبخِ، تُعدُّ كوبَ شايٍ لوالدتِها، لكنَّ يديها كانتا ترتجفانِ. منذُ عودةِ أحمدَ، بدا كلُّ شيءٍ مختلفًا. لمْ يكنْ يزورُها كثيرًا، وإذا زارَ، كانَ حديثُهُ قصيرًا، وعيناهُ تحملانِ نظرةً بعيدةً، كأنما يُبحرُ في عالمٍ آخرَ. كانتْ تحاولُ أنْ تفهمَ، أنْ تُدركَ سببَ هذا البُعدِ المفاجئِ، لكنَّ الحيرةَ كانتْ تزيدُها قلقًا.

"هلْ حدثَ شيءٌ بينَكَ وبينَ والدِكَ يا أحمدُ؟" سألتْهُ ذاتَ يومٍ، في محاولةٍ يائسةٍ لكشفِ ما يُخفيهِ. نظرَ إليها أحمدُ، وكانَ في عينيهِ مزيجٌ منَ الحزنِ والترددِ. "الأمرُ معقدٌ يا ليلى. لا أستطيعُ أنْ أشرحَ لكِ كلَّ شيءٍ الآنَ. لكنْ أريدُكِ أنْ تثقي بي. وأنْ تعلمي أنَّ حبي لكِ لمْ ولنْ يتغيرَ."

كلماتُهُ لمْ تُهدئِ منْ روعِها، بلْ زادتْ منْ ارتيابِها. كيفَ يمكنُها أنْ تثقَ بهِ وهيَ لا تعرفُ شيئًا؟ كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ جدارًا يرتفعُ بينَهُما، جدارًا منَ الأسرارِ والهمومِ.

في مكانٍ آخرَ منَ المدينةِ، كانَ سليمانُ يتحركُ كالأفعى، يُلقي بسمومِهِ في كلِّ اتجاهٍ. لقدْ أدركَ أنَّ أحمدَ قدْ أصبحَ عقبةً في طريقِهِ، وأنَّهُ بدأَ يُشكُّ في حقيقتِهِ. لمْ يكنْ سليمانُ ليسمحَ لشابٍّ صغيرٍ بأنْ يُفسدَ خططَهُ التي استغرقَ سنواتٍ في نسجِها.

"أحمدُ بنُ الحاجِ محمودٍ... شابٌّ طموحٌ، لكنهُ ساذجٌ. يجبُ أنْ نُعلِّمَهُ درسًا لنْ ينساهُ." قالَ سليمانُ لأحدِ رجالهِ المخلصينَ، وهوَ رجلٌ يُدعى "فؤادٌ"، اشتهرَ بوقاحتِهِ وسوءِ أخلاقِهِ. ابتسمَ فؤادٌ ابتسامةً خبيثةً: "الأمرُ سهلٌ يا سيدي. الإشاعاتُ أسرعُ منَ البرقِ، وهيَ تُدمّرُ أقوى الرجالِ."

بدأَ فؤادٌ بنشرِ إشاعاتٍ كاذبةٍ عنْ أحمدَ. تحدثَ عنْ علاقاتٍ مشبوهةٍ لهُ، عنْ ديونٍ متراكمةٍ، وعنْ سلوكٍ لا يليقُ برجلٍ منْ عائلةٍ محترمةٍ. لمْ تكنْ الإشاعاتُ تستندُ إلى أيِّ دليلٍ، لكنَّها انتشرتْ كالنارِ في الهشيمِ، تصلُ إلى آذانِ الناسِ، وتُزرعُ الشكَّ في قلوبِهمْ.

وصلتْ همساتُ هذهِ الإشاعاتِ إلى بيتِ الحاج محمودَ. بدأتْ بعضُ النساءِ في الحيِّ يتحدثنَ عنْ أحمدَ، وعنْ سلوكِهِ الذي وصفنَهُ بـ"المنحرفِ". لمْ يكنْ الحاجُ محمودُ يؤمنُ بهذهِ الأقاويلِ، لكنَّ تكرارَها جعلَهُ يشعرُ بقلقٍ متزايدٍ. كانَ يرى أحمدَ شابًا صالحًا، ملتزمًا بتعاليمِ دينِهِ، وحريصًا على سمعةِ عائلتِهِ.

"ما هذا الكلامُ الذي أسمعُهُ عنْ أحمدَ؟" سألَ الحاجُ محمودُ زوجتَهُ أمينةَ، وكانَ وجهُهُ يُنذرُ بالغضبِ. نظرتْ إليهِ أمينةُ بحزنٍ: "يا سيدي، لا تُصدقْ كلَّ ما يُقالُ. الناسُ يتحدثونَ بما لا يعلمونَ. أحمدُ ولدي، وهوَ أعرفُ بهِ. لنْ يفعلَ شيئًا يُغضبُ اللهَ أوْ يُخجلُنا."

لكنَّ الشكَّ بدأَ يتسربُ إلى قلبِ الحاجِ محمودَ. فقدْ كانَ يعلمُ أنَّ سليمانَ كانَ يُكنُّ لهُ ولعائلتِهِ ضغينةً قديمةً. ولمْ يكنْ مستبعدًا أنْ يلجأَ سليمانُ إلى مثلِ هذهِ الأساليبِ الدنيئةِ.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ ليلى تشعرُ بأنَّ الأرضَ تنشقُ لتبتلعَها. بدأتْ تسمعُ همساتٍ عنْ أحمدَ، عنْ أحاديثَ مُخجلةٍ تُقالُ عنْهُ في الأوساطِ التي كانتْ تُشيدُ بهِ يومًا. شعرتْ بالدوارِ، وبالغثيانِ. لمْ تستطعْ أنْ تُصدقَ أنَّ أحمدَ، الذي عرفتْهُ بأنقى القلوبِ وأطيبِها، قدْ يكونُ على هذا الحالِ.

"هلْ هذا صحيحٌ يا أحمدُ؟" سألتْهُ عندما التقتْ بهِ بالصدفةِ في السوقِ. كانَ وجهُها شاحبًا، وعيناها مليئةً بالدموعِ. نظرَ إليها أحمدُ، وشعرَ بألمٍ شديدٍ. كانَ يعرفُ أنَّ الإشاعاتِ بدأتْ تصلُ إليها، وأنَّ قلبَها الطيبَ يتألمُ. "ليلى، أرجوكِ. لا تُصدقي كلَّ ما تسمعينَ. أنا لمْ أفعلْ شيئًا خاطئًا. الأمرُ أكبرُ منْ ذلكَ بكثيرٍ."

"ولكنْ، لماذا لا تُخبرني بالحقيقةِ؟ لماذا كلُّ هذا الغموضِ؟" قالتْ ليلى بصوتٍ مُتقطعٍ، والدموعُ تنهمرُ على خديها. "لأنني لا أريدُ أنْ أُحمّلكِ فوقَ طاقتِكِ. لأنني أحاولُ حمايةَ نفسي، وحمايةَ علاقتِنا. أرجوكِ يا ليلى، امنحيني بعضَ الوقتِ. سأُثبتُ لكِ كلَّ شيءٍ."

لمْ تستطعْ ليلى أنْ تتحملَ. شعرتْ بأنَّ كلَّ أحلامِها تتهاوى أمامَ عينَيها. ابتعدتْ عنهُ، وركضتْ، وهيَ تصرخُ باسمِهِ، لكنْ صوتَها غرقَ في ضجيجِ السوقِ.

في تلكَ الليلةِ، كانتْ ليلى تبكي بحرقةٍ في غرفتِها. كانتْ الإشاعاتُ، وغيابُ أحمدَ، وسلوكُهُ الغريبُ، كلُّ ذلكَ تضافرَ ليُحطِّمَها. شعرتْ بأنَّها وحيدةٌ، وضائعةٌ.

في نفسِ الوقتِ، كانَ الحاجُ محمودُ قدْ اتخذَ قرارًا. لمْ يعدْ يحتملُ الانتظارَ. كانَ عليهِ أنْ يُواجِهَ سليمانَ. اتصلَ ببعضِ أصدقائِهِ القدامى، رجالٍ شرفاءَ، كانَ قدْ تحالفَ معهمْ في الماضي. "علينا أنْ نُنهيَ هذا الأمرَ. سليمانُ تجاوزَ كلَّ الحدودِ. وعلينا أنْ نُوقفَهُ قبلَ أنْ يُلحقَ الأذى بأحدٍ."

أصبحَ الجوُّ مشحونًا بالتوترِ. كانتْ الإشاعاتُ كالسمِ في العروقِ، تُفرِّقُ الناسَ، وتُزرعُ الفتنةَ. وكانتْ عودةُ سليمانَ كعاصفةٍ هوجاءَ، تهددُ بتدميرِ كلِّ شيءٍ. لمْ يكنْ هناكَ مفرٌّ منَ المواجهةِ، مواجهةٌ ستُحددُ مصيرَ عائلةٍ بأكملِها، ومصيرَ حبٍّ كانَ يُزهرُ بينَ شابٍّ وفتاةٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%