الفصل 18 / 25

أحلام الحب

بين الأمس والغد

بقلم مريم الحسن

تزايدت همسات القلق في أرجاء القصر، وصار الصمت الذي كان قبل أيام يعم أركانه، يحمل في طياته ثقلاً لا يطاق. كانت ليلى، ابنة العميد الأثير، تقضي أيامها بين غرفتها المترفة وبين شرفة منزلها المطلة على بساتين الياسمين، تستنشق عبيرها علّها تجد فيه سلوى لفؤادها الذي اضطرب بشدة. كان حديثها مع خطيبها، المهندس الشاب طارق، قد بات قليلاً، وعلى استحياء. كلما حاولت أن تبدأ حديثاً هادئاً، يعود إليها ذاك الشعور بالضيق، وكأن سحابة سوداء حجبت نور الشمس في قلبها.

لم تكن ليلى وحدها تشعر بهذا التغير. كان والدها، العميد الأثير، يدخل في حالة من الشرود العميق، يمسك بالسبحة في يده ويتلو أذكاراً لم تكن تخرج إلا في أوقات الشدة. كان يرتشف قهوته المرة ببطء، وعيناه تحدقان في الأفق البعيد، وكأنه يبحث عن إجابة لسؤال عصيب. أما والدتها، السيدة الفاضلة زينب، فكانت تعتني بابنتها بلهفة متزايدة، تلمس جبينها القلق، وتهمس لها بكلمات العطف والدعاء. لكن حتى في عينيها، كان ثمّة شيء من الحيرة والترقب، شيء لا تفصح عنه الألسنة.

في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تتأمل حبات المطر تتساقط على أوراق الياسمين، سمعت صوت خطوات خفيفة تقترب. التفتت فوجدت والدتها تقف خلفها، تحمل صينية صغيرة عليها كوب من عصير الليمون المنعش. جلست السيدة زينب بجانبها، وقالت بصوت هادئ وحنون: "يا ابنتي، إن القلق ينهكك. هل حدث شيء يثقل صدرك؟"

ترددت ليلى قليلاً، ثم هزت رأسها بالنفي، ولكنها لم تستطع إخفاء ارتعاش صوتها. "لا يا أمي، مجرد بعض الأفكار المزعجة."

نظرت إليها السيدة زينب بعمق، وأدركت أن وراء هذه الكلمات بوناً شاسعاً. "ليلى، أنا أمك. أرى في عينيك ما لا ترين. هل يتعلق الأمر بطارق؟"

بلعت ليلى ريقها بصعوبة. كانت تخشى الاعتراف حتى لوالدتها، خشية أن تزيد الأمر سوءاً، أو أن لا تجد في كلماتها ما تشفيه. "طارق رجل طيب يا أمي. أحترمه كثيراً."

"ولكن الاحترام وحده لا يكفي لبناء بيت وعائلة، أليس كذلك؟" سألت السيدة زينب، وكلماتها كانت أشبه بالهمسات العذبة التي تعطي للحقيقة وجهاً آخر. "أرى فيكِ حيرة، حيرة تشبه تلك التي كانت في قلبي قبل زمن طويل. حيرة بين ما هو مقرر، وما تطمح إليه الروح."

شعرت ليلى بأن قلبها يخفق بعنف. هل أدركت والدتها ما يدور في خلجاتها؟ هل عرفت سرها الذي حاولت جاهدة إخفاءه؟ "أمي..." بدأت ليلى، ودمعة حارة انحدرت على خدها. "أخشى أنني..."

قاطعتها السيدة زينب بلمسة حانية على يدها. "أخشى أن يكون القلب قد اختار قبل العقل، أليس كذلك؟"

توسعت عينا ليلى بصدمة. كيف عرفت؟ لم تنطق بكلمة، لكن صمتها كان أبلغ من أي اعتراف.

"ابنتي،" قالت السيدة زينب، وبدأت حكايتها بنبرة تحمل عبق الماضي ومرارة التجارب. "كنت في مثل عمرك، وكانت حياتي مليئة بالآمال. وكان هناك شاب في حياتي، شاب أكن له تقديراً كبيراً، وكان يسعى للزواج مني. كان نبيلاً، وكان أهله كراماً. وكان الجميع يراهم الزوج المثالي. ولكن... كان هناك قلب آخر ينبض بحياة مختلفة. قلب لم أكن ألتقيه إلا في الخفاء، في لحظات عابرة، في أحلام لم أكن أجرؤ على البوح بها."

حبست ليلى أنفاسها. لم تتخيل أبداً أن والدتها، تلك المرأة الصامدة والقوية، قد عاشت تجربة شبيهة بتجربتها.

"كان ذلك الشاب... كان يحمل في روحه شيئاً لم أجده في غيره. كان فناناً، يحب الرسم والشعر. وكانت كلماته تشعل في قلبي شغفاً لم أعهده. كنت أعلم أن والدتي، رحمها الله، لن توافق أبداً. كانت ترى في الزواج توافقاً اجتماعياً ومادياً. وكان ذلك الشاب لا يملك شيئاً سوى موهبته وقلبه الكبير."

تنهدت السيدة زينب، وعيناها غارقتان في ذكريات قديمة. "في النهاية، اخترت ما أرادوه. اخترت الاستقرار، واخترت العرف. تزوجت والدك، العميد الأثير، وهو رجل صالح، ورجل له مكانته. لم أكن ساخطه على حياتي، أبداً. لقد رزقت بكِ وبأخيك، وعشت حياة كريمة. ولكن... تلك الشرارة التي اشعلها في قلبي ذاك الشاب، بقيت هناك. كذكرى جميلة، وكنوع من الندم الصامت. ندم على ما فات، وعلى ما لم تجرؤ الروح على اختياره."

نظرت السيدة زينب إلى ليلى، وقالت بحنان يفيض: "لهذا السبب، يا ابنتي، أنا أفهمك. أفهم تلك الحيرة، وأفهم ثقل الاختيار. أنتِ الآن على مفترق طرق، وعلى قلبك أمانة. قلبكِ لم يختر طارقاً، أليس كذلك؟"

أخيراً، وجدت ليلى القوة لتنطق. "لا يا أمي. قلبي... قلبي ينبض لشخص آخر."

"وهل هذا الشخص... هل تعرفينه؟" سألت السيدة زينب، وظهر بعض القلق على وجهها.

"نعم يا أمي. أعرفه. إنه... إنه عمر."

تلعثمت السيدة زينب للحظة، ثم استعادت رباطة جأشها. عمر. اسم تردد في أذنها من قبل، اسم ارتبط ببعض الشكوك والهمسات. "عمر... ابن السيد حسام؟"

أومأت ليلى برأسها، وعيناها مليئتان بالدموع. "إنه لم يكن مجرد لقاءات عابرة يا أمي. لم يكن مجرد إعجاب. لقد... أحببته. و... وأظنه يبادلني نفس الشعور."

الصمت ثقل مرة أخرى، لكن هذه المرة، كان صمتاً محملاً بالأسئلة الخطيرة. عمر. شاب من عائلة أخرى، شاب لم يكن في حسبان العميد الأثير أبداً. علاقة حب نشأت في الخفاء، علاقة بدأت كحلم، ولكنها الآن أصبحت واقعاً مرعباً يهدد كل شيء.

"يا ابنتي،" قالت السيدة زينب بصوت فيه شيء من الرجفة. "هل تدركين ما تقولين؟ هذه ليست مجرد قصة حب عابرة. هذه ستؤثر على حياتك، وعلى حياة العائلتين. العميد الأثير... لن يقبل بهذا."

"أعلم يا أمي. أعلم أن الأمر صعب. ولكن... لم أعد أستطيع الكذب على قلبي. ولم أعد أستطيع خداع طارق. لقد تحدثت إليه... طلبت منه تأجيل الزواج."

"وماذا قال؟" سألت السيدة زينب بعصبية.

"قال إنه تفهم. ولكنه بدا حزيناً."

"الحزن لا يكفي يا ليلى. المسألة أعمق من ذلك. هل تحدثتِ إلى عمر؟ هل يفهم هو أيضاً حجم المشكلة؟"

"تحدثت إليه. وهو... وهو مستعد لفعل أي شيء. حتى مواجهة والدي."

"مواجهة والدك؟" رددت السيدة زينب وكأنها تشربت بخبر جلل. "يا ليلى، أنتِ تفتحين باباً من المشاكل. زواجك من طارق كان صفقة، صفقة لتوحيد العائلتين، ولتعزيز مكانتهما. أما عمر... فلا أعتقد أن والدك يراه مناسباً."

"ولكن يا أمي، الحب أقوى من كل ذلك."

"الحب يا ابنتي، جميل، ولكنه يحتاج إلى رجل قوي، ورجل مسؤول. ورجل يستطيع أن يتجاوز العقبات. هل عمر يملك كل ذلك؟ هل والد عمر... هل هو على علم بهذا؟"

هذه كانت النقطة التي لم تستطع ليلى الإجابة عليها. لم تتحدث إلى والد عمر. كان الأمر كله يدور بينها وبين عمر، وبينها وبين والدتها الآن.

"الأمر أصبح خطيراً يا ليلى،" قالت السيدة زينب، ويديها تشبثتا بيد ابنتها بقوة. "يجب أن نفكر ملياً. خطوتك هذه، إذا لم تكن مدروسة، قد تدمر مستقبلك. ويجب أن نجد طريقة لإخبار والدك، قبل أن يكتشف الأمر بطريقة أخرى."

شعرت ليلى بأنها على وشك الغرق في بحر من التحديات. قرارها، الذي كان يبدو لها بسيطاً وعادلاً، تحول إلى عاصفة كادت أن تقتلعها. كانت تعلم أن المواجهة مع والدها وشيكة، وأنها لن تكون سهلة على الإطلاق. كان عليها أن تستعد، وأن تجد القوة لتقف أمام ما تؤمن به، حتى لو كان الثمن باهظاً. فهل كان حبها لعمر كافياً ليجعلها تتحدى كل شيء؟ وهل كان عمر مستعداً حقاً ليحتمل تبعات هذا الحب؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%