الفصل 19 / 25

أحلام الحب

همس في الظلام

بقلم مريم الحسن

تسلل الظلام إلى جنبات القصر، حاملاً معه برودة الليل وأسراره. كانت ليلى تشعر بثقل كلماتها لوالدتها، وكأنها أطلقت سهماً في فضاء واسع، لا تعرف أين سيهبط. كانت والدتها، السيدة زينب، قد غادرت غرفتها بعد حديث طويل، تاركة ليلى تغوص في بحر من الأفكار المتلاطمة. حاولت أن تتذكر كلمات والدتها عن الندم الصامت، وعن الشرارة التي لم تنطفئ. هل كانت هذه الشرارة التي تشعر بها الآن تجاه عمر؟

كانت تتذكر اللقاءات الأولى، تلك النظرات العابرة في مكتبة الجامعة، تلك الأحاديث التي بدأت بالكتب وانتهت بالأحلام. كان عمر مختلفاً. كان يرى العالم بعين فنان، بعين ترى الجمال في الأشياء البسيطة، وفي الكلمات المنسية. لم يكن يهتم بالمظاهر، بل بما تخبئه القلوب. كان يحدثها عن شغفه بالخط العربي، عن رغبته في أن يرى فن الإسلام يزدهر من جديد. كانت كلماته تلامس وتراً حساساً في روحها، وتراً لم تطرقها كلمات طارق أبداً، على الرغم من تقديرها له.

طارق. اسم كان يمثل الأمان، والاستقرار، والمسار المرسوم. كان رجل المستقبل المضيء، الرجل الذي يحلم به أي أب لابنته. ولكنه لم يكن الرجل الذي يحلم به قلبها. كانت تشعر بالذنب تجاهه، ذنب لم تستطع إزاحته. كيف لها أن تخطئ في حق رجل لم يفعل لها سوى الخير؟ ولكن كيف لها أن تخطئ في حق نفسها، وحق قلبها الذي اختار؟

كانت تراقب يدها، وهي ترتعد قليلاً. تساءلت عما إذا كانت هذه هي اللحظة التي يجب عليها فيها أن تواجه والدها. العميد الأثير، الرجل الذي بنى حياته على القوة والانضباط، على الحفاظ على سمعة العائلة ومكانتها. كيف ستقبل منه شيئاً كهذا؟ كيف ستقبل منه أن تخالف مساراً رسمه لها منذ ولادتها؟

في هذه الأثناء، كان السيد حسام، والد عمر، يجلس في مكتبه الخاص، يقلب في أوراق تتعلق بأحد المشاريع المعمارية. كان وجهه يعكس تركيزاً شديداً، ولكنه كان يشعر بثقل غريب يساوره. كان قد لاحظ منذ فترة أن ابنه عمر قد أصبح أكثر انشغالاً، وأكثر حيوية، ولكنه أيضاً أكثر تحفظاً. كان يرى في عينيه شيئاً جديداً، شيئاً غامضاً.

وصلت إليه رسالة نصية من عمر، لا تحمل سوى بضع كلمات: "أبي، أريد أن أتحدث إليك في أمر مهم غداً صباحاً."

هز السيد حسام رأسه، وعاد إلى أوراقه. كان يعلم أن عمر شاب مسؤول، ولكنه كان يتمنى لو كان أكثر انفتاحاً معه. كان دائماً يشعر بأنه يفتقد شيئاً في التواصل مع ابنه، شيئاً يربط بين جيلين، بين عالمين.

في منزل آخر، كان طارق يجلس في غرفته، يحتسي قهوته بصمت. لم يكن يفهم ما حدث. ليلى، خطيبته، الفتاة التي أحبها، والتي خطط لمستقبله معها، تطلب منه تأجيل الزواج؟ لم يكن السبب واضحاً، وكانت كلماتها تحمل في طياتها حيرة لم يستطع فك رموزها. كان يثق في ليلى، ولكن الشعور بالشك بدأ يتسلل إلى قلبه. هل كان هناك شخص آخر؟ هذا الاحتمال كان يؤلمه بشدة.

في تلك الليلة، لم ينم عمر كثيراً. كان يفكر في ليلى، في قوة حبها، وفي ضعفها أمام عائلتها. كان يعلم أن المواجهة مع العميد الأثير ستكون قاسية. كان يعرف سمعته، وجبروته. ولكن حبه لليلى كان يدفعه إلى الأمام، إلى البحث عن حل. لم يكن يريدها أن تعيش في خوف، أو أن تضحي بسعادتها من أجله.

قام من سريره، وتوجه إلى شرفة غرفته. السماء كانت صافية، والنجوم تلمع كأنها تشهد على أسرار الأرض. مد يده نحوها، وكأنه يحاول أن يلمس المستقبل. في ذلك الليل، اتخذ قراراً. لن يترك ليلى وحدها. سيواجه كل شيء.

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى على صوت طرق خافت على باب غرفتها. فتحت الباب لتجد والدتها واقفة، تحمل ابتسامة خفيفة، ولكن عينيها كانتا تحملان شيئاً من القلق. "صباح الخير يا ابنتي. هل أنتِ مستعدة؟"

"مستعدة لما يا أمي؟"

"للمواجهة."

شعرت ليلى بقلبها يخفق بعنف. "هل تحدثتِ إلى والدي؟"

"لا، ليس بعد. ولكنني أعددت نفسي. وعليكِ أنتِ أيضاً أن تكوني مستعدة. تذكري، لستِ وحدكِ."

نزلت ليلى مع والدتها إلى غرفة الطعام. كان العميد الأثير جالساً على رأس الطاولة، يتناول فطوره كالعادة، هادئاً، ولكن بملامح تحمل وقاراً لا يلين. ألقى عليهما نظرة سريعة، ثم عاد إلى صحيفته.

"أبي،" قالت السيدة زينب بصوت ثابت، ولكن فيه رعشة خفيفة. "لدينا أمر مهم يجب أن نتحدث فيه."

رفع العميد الأثير رأسه، ونظر إليها بحدة. "ما هو؟"

"إنها ليلى."

تسمرت عينا العميد الأثير على ابنته. شعر بشيء من الغرابة في لهجة زوجته. "ما بها ليلى؟ هل هي مريضة؟"

"لا يا أبي. الأمر يتعلق بمستقبلها. وبزواجها."

بدأت ليلى تشعر بالعرق يتصبب منها. نظرت إلى والدتها، وشعرت بقوة مستمدة من دعمها.

"زواجها؟" قال العميد الأثير، وارتسمت على وجهه علامات الدهشة. "هل هناك مشكلة مع طارق؟"

"لا، ليس مع طارق." قالت ليلى بصوت بالكاد مسموع. "ولكن... قلبي لا يريده."

صمت العميد الأثير. كان صمتاً ثقيلاً، وكأنه سقط جبل في منتصف الغرفة. نظر إلى ليلى، ثم إلى زوجته، وبدأت ملامحه تتغير. "ماذا تقولين يا ابنتي؟ هل جننتِ؟ طارق رجل مثالي، والزواج منه فرصة لا تعوض."

"ولكنه ليس من اختياري يا أبي. أنا... أنا أحب شخصاً آخر."

انفجر العميد الأثير ضاحكاً، ضحكة قصيرة، قاسية، تخلو من أي بهجة. "تحبين شخصاً آخر؟ ومن هذا الذي تجرأ على التدخل في حياتي وحياة ابنتي؟"

"إنه عمر، يا أبي."

كلمة "عمر" كالصاعقة. تغير لون وجه العميد الأثير، وتحول من اللون الطبيعي إلى لون شاحب، ثم إلى لون أرجواني. "عمر؟ ابن السيد حسام؟ هل أنتِ جادة؟"

"نعم يا أبي."

"هل فقدتِ عقلكِ؟" صرخ العميد الأثير، وضرب بيده على الطاولة بقوة. "هل تدركين من هو السيد حسام؟ وهل تدركين من هو ابن السيد حسام؟ هذا أمر مستحيل. لن أسمح به. أبداً."

"ولكن يا أبي،" حاولت ليلى أن تقول.

"لا تقولي شيئاً!" قاطعها العميد الأثير بحدة. "هذا القرار نهائي. زواجك سيتم مع طارق. ولن أسمع كلمة اعتراض واحدة."

كانت العاصفة قد بدأت. وكانت ليلى تعلم أن هذه مجرد البداية. شعرت بقلبها ينقبض، ولكنها في الوقت نفسه، شعرت بتحدٍ جديد ينمو بداخلها. لقد قالت الحقيقة، وقد أطلقت العنان لرد الفعل. الآن، عليها أن تجد القوة لتحمل العواقب، وأن تقف أمام والده، حتى لو كان ذلك يعني كسر كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%