الفصل 2 / 25

أحلام الحب

عودةٌ لم تكنْ في الحسبان

بقلم مريم الحسن

كانَ أحمدُ يقفُ أمامَ ليلى، يحدقُ فيها بعينينِ تحملانِ مزيجاً من الدهشةِ والندمِ والحنين. لم يتغيرْ الكثيرُ في وجهِها، فقط خطوطٌ رقيقةٌ بدأتْ ترسمُ حولَ عينيها، تزيدُها جمالاً وعمقاً. شعرُها الداكنُ، الذي كانَ ينسدلُ على كتفيها في السابق، أصبحَ الآنَ طويلاً جداً، يتمايلُ معَ نسماتِ الهواءِ الباردة.

"ليلى؟" قالَ بصوتٍ مبحوحٍ، وكأنَّهُ لم ينطقْ بهذا الاسمِ منذُ دهر. لم تستطعْ ليلى الرد. كانتْ الكلماتُ حبيسةَ صدرِها، وعقلُها في حالةٍ من الصدمةِ العميقة. كلُّ تلكَ السنواتِ من الانتظارِ والشوقِ والألم، تجمعتْ في لحظةٍ واحدة، لتُطيحَ بكلِّ حصونِ صبرها.

تقدمَ أحمدُ خطوةً أخرى، ورفعَ يدهُ ليمسحَ دمعةً هربتْ من عينِها. كانتْ باردةً على بشرتِها، لكنَّ لمسةَ يدهِ كانتْ تحملُ دفءَ ألفِ شمس. "أعلمُ أنَّكِ تتساءلينَ. أعلمُ أنَّ غيابي كانَ طويلاً وقاسياً."

"أينَ كنتَ يا أحمد؟" أخيراً، خرجَ الصوتُ من حنجرتِها، محملاً بعبءِ كلِّ الأسئلةِ التي استقرتْ في قلبِها. تنهدَ أحمدُ تنهيدةً عميقة، وشعرُ رأسهِ تغطيهِ قطراتُ المطر. "قصةٌ طويلةٌ ومليئةٌ بالأشواك، يا ليلى. قصةٌ بدأتْ بظلمٍ، وانتهتْ بالحقِّ المنتظر."

كانَ أحمدُ قد غادرَ البلادَ بعدَ لقائهما بوقتٍ قصير، مُحَمَّلاً بآمالٍ عراضٍ في مستقبلٍ أفضل. كانَ يعملُ في شركةٍ كبيرة، واكتشفَ أنَّ هناكَ فساداً منظماً ينخرُ في جسدِها. حاولَ التبليغَ عن المخالفات، لكنَّهُ وجدَ نفسَهُ في مواجهةِ قوىً لا يستهانُ بها. تمَّ تلفيقُ تهمةٍ له، وتمَّ تجميدُ أموالِهِ، بل وتمَّ تهديدُ حياتِهِ.

اضطرَّ للفرارِ والاختفاء، في بلدٍ بعيدٍ لا يعرفُ فيهِ أحداً. عاشَ سنواتٍ في الظل، يعملُ في مهنٍ بسيطة، ويُكافحُ لاستعادةِ سمعتِهِ وحقوقِهِ. كانتْ صورةُ ليلى هيَ شمعةَ الأملِ الوحيدةِ التي تُضيءُ دروبَ الظلام. كلَّ ليلةٍ، كانَ يتلو دعاءَ الفرج، ويستحضرُ وجهَها البريءَ وعينيها اللامعتين.

"لم أستطعْ إرسالَ أيِّ رسالةٍ لكِ، خوفاً من أنْ يُساءَ فهمُها، أو أنْ تُسببَ لكِ المزيدَ من الأذى. كنتُ أعرفُ أنَّ اختفاءي المفاجئَ سيُفهمُ على أنَّهُ خيانةٌ أو جبن، لكنَّها كانتْ خياراتي الوحيدةُ للبقاءِ على قيدِ الحياة، ولتحقيقِ العدالةِ في النهاية."

واصلَ أحمدُ حديثَهُ، بينما كانتْ ليلى تستمعُ بانتباهٍ شديد، تتأرجحُ مشاعرُها بينَ الغضبِ والتعاطفِ والفرحِ العارمِ بعودتِهِ. "بعدَ سنواتٍ من المعاناة، ومن البحثِ عن الأدلة، تمكنتُ أخيراً من إثباتِ براءتي. تمَّ القبضُ على المسؤولينَ عن تلكَ الجريمة، وتمَّ استعادةُ سمعتي. لكنَّ الوقتَ الذي ضاعَ، والسنواتِ التي غبتُ فيها، تركتْ في نفسي شعوراً عميقاً بالذنب."

"لماذا لم تأتِ فوراً؟" سألتْ ليلى، بنبرةٍ ما زالَ فيها شيءٌ من الشك. "أردتُ أنْ أعودَ رجلاً كاملاً، يا ليلى. رجلاً يستحقُّ قلبَكِ. رجلاً قادراً على بناءِ مستقبلٍ معكِ، وليسَ مجردَ حلمٍ متكسر. لقد أرسلتُ في طلبِ معلوماتٍ عنكِ، وعرفتُ أنَّكِ لم تتزوجي. وهذا الأملُ الصغيرُ الذي بقيَ في قلبي، دفعني للسفرِ إليكِ مباشرةً من المطار. لم أستطعْ الانتظارَ أكثر."

نظرتْ ليلى في عينيهِ، ورأتْ فيهما صدقاً لم تشكَّ فيهِ يوماً. كانتْ عيناهُ زرقاوانِ كالسماءِ الصافية، وبداخلهما نورٌ لم يفقدهُ الزمن. "لقد انتظرتُك، يا أحمد. انتظرتُ وعدَك." ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً واسعة، ارتسمتْ فيها أعمقُ مشاعرِ الامتنان. "وأنا جئتُ إليكِ، يا ليلى. جئتُ لأُتمَّ وعدي، ولأبدأَ فصلاً جديداً من حياتنا، فصلاً مليئاً بالحبِّ، وبما يرضي الله."

انحسرَ المطرُ تماماً، وبدأتْ نجومٌ خجولةٌ تظهرُ في السماءِ الصافية. بدا وكأنَّ الطبيعةَ تحتفلُ بعودتِهِ. "تعالي، أدخلي. الجوُّ باردٌ جداً." قالتْ ليلى، داعيةً إياهُ للدخول. دخلَ أحمدُ المنزلَ، وتفحصَ المكانَ بعينيه. كانَ كلُّ شيءٍ كما تركهُ، لكنَّهُ شعرَ أنَّهُ أصبحَ غريباً. "هنا، سأُعدُّ لكِ شاياً ساخناً. أنتَ بالتأكيدٍ متعبٌ من السفر."

في المطبخ، بدأتْ ليلى تُعدُّ الشاي، وقلبُها ما زالَ يرتجفُ من فرطِ المشاعر. أحمدُ هنا، أمامَها. بعدَ كلِّ تلكَ السنوات. لم تكنْ تصدقُ ما يحدث. "هل أنتِ بخير، يا ليلى؟" سألَ أحمدُ من غرفةِ الجلوس، صوتهُ يحملُ قلقاً صادقاً. "نعم، بخير. فقط... أنا سعيدةٌ جداً." ردتْ ليلى، وعادتْ لتجلسَ معه.

كانَ الحديثُ بينهما أشبهَ بنهرٍ عادَ إلى مجراهُ الطبيعي. تبادلا أخبارَ السنواتِ الغائبة، تحدثا عن أحلامِهما، وعن خططِهما للمستقبل. شعرتْ ليلى وكأنَّها استعادتْ جزءاً مفقوداً من روحِها.

"كنتُ أفكرُ فيكِ كلَّ يوم، يا ليلى. كنتُ أدعو اللهَ أنْ يُبقيَكِ بخير، وأنْ يُنيرَ دربَكِ." قالَ أحمدُ، وعيناهُ تلمعانِ بحرارة. "وأنا أيضاً، يا أحمد. دعواتي كانتْ دائماً معك."

فجأة، سادَ الصمت. نظرا لبعضهما البعض، وشعرا أنَّ هناكَ شيئاً ما ينقصهما. "ليلى..." بدأَ أحمد، ثمَّ توقف. "نعم، يا أحمد؟"

"هل... هل ما زلتِ تفكرينَ فيَّ؟" سألَ، وقلبُهُ يتسارعُ بشدة. ابتسمتْ ليلى ابتسامةً واسعة. "بالطبع، يا أحمد. هل تعتقدُ أنَّ الأيامَ والسنواتِ قادرةٌ على محوِ حبٍّ مثلَ حبِّنا؟" تنهدَ أحمدُ بارتياح، ومدَّ يدهُ ليمسكَ بيدِها. كانتْ يدُها ترتجفُ قليلاً. "الحمدُ لله. لم أكنْ أجرؤُ على الاعتقادِ أنَّني ما زلتُ في قلبِكِ." "أنتَ في قلبي، وفي روحي، يا أحمد. أنتَ كلُّ شيءٍ بالنسبةِ لي."

في تلكَ اللحظة، تحتَ ضوءِ قمرٍ أخضرٍ يطلُّ من بينِ الغيوم، تجددَ وعدٌ قديم، وولدتْ قصةُ حبٍّ جديدة، قصةٌ بدأتْ بالظلامِ والغياب، وانتهتْ بنورِ اللقاءِ والأمل. لكنَّ الأسئلةَ كانتْ ما زالتْ تترددُ في ذهنِ ليلى. هل ستكونُ عودتُهُ حقيقيةً هذهَ المرة؟ هل ستتمكنُ الأيامُ من شفاءِ كلِّ جراحِ الماضي؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%