الفصل 3 / 25

أحلام الحب

نداءُ العائلةِ ووشوشاتُ الماضي

بقلم مريم الحسن

بعدَ ساعاتٍ من لقائهما الأولِ بعدَ الغياب، استيقظتْ ليلى على صوتِ والدتِها الحنون. كانتْ الشمسُ قد بدأتْ تُلقي بأشعتِها الذهبيةِ على الحقولِ المحيطةِ بالمنزل، والطيورُ تُغرِّدُ بأصواتٍ شجية. لكنَّ ليلى لم تشعرْ بالراحة. كانتْ ليلةُ الأمسِ مليئةً بالمفاجآتِ والصدماتِ والأحاسيسِ المتضاربة.

"صباحُ الخير، يا ابنتي." قالتْ والدتُها، وهيَ تُعدُّ وجبةَ الإفطار. "صباحُ النور، أمي." ردتْ ليلى بصوتٍ ما زالَ يحملُ بقايا النومِ وبعضَ الارتباك. "رأيتُ سيارةً غريبةً تقفُ أمامَ المنزلِ البارحةَ ليلاً. هل جاءَنا أحد؟" سألتْ الوالدةُ بفضولٍ طبيعي.

شعرتْ ليلى بقلبِها يرتجفُ قليلاً. كيفَ ستقولُ لوالدتِها، ولعائلتِها، أنَّ أحمدَ قد عاد؟ الرجلُ الذي ظنتْ عائلتُها أنَّهُ قد اختفى للأبد، أو الأسوأ من ذلك، أنَّهُ تخلى عنها.

"نعم، يا أمي. كانَ... صديقٌ قديمٌ. عادَ بعدَ غيابٍ طويل." قالتْ ليلى، وهيَ تُحاولُ أنْ تبدوَ طبيعية. اتسعتْ عينا الوالدةِ من الدهشة. "صديقٌ قديم؟ هل هوَ... هل هوَ أحمد؟" ارتعشَ صوتُ ليلى وهيَ تُجيب. "نعم، يا أمي. هوَ أحمد."

لم تستطعِ الوالدةُ تمالك نفسِها، فأسرعتْ نحو ابنتِها واحتضنتْها بحرارة. "الحمدُ لله! لقد أخبرتُكِ يا ليلى، قلبي كانَ يقولُ لي دائماً أنَّهُ رجلٌ طيب، وأنَّهُ لن يتخلى عنكِ."

كانَ أحمدُ قد تركَ المنزلَ قبلَ أنْ تستيقظَ ليلى، تاركاً رسالةً صغيرةً على طاولةِ القهوة. "صباحُ الخير يا ليلى. لا بدَّ أنَّكِ تحتاجينَ لبعضِ الراحة. سأعودُ قريباً. أريدُ أنْ ألتقيَ بعائلتِكِ، وأنْ أُقدمَ نفسي رسمياً. أرجو أنْ تُبلغي والدتَكِ أنَّني ممتنٌّ جداً لضيافتِها."

عندما قرأتْ ليلى الرسالة، شعرتْ بابتسامةٍ ترتسمُ على وجهِها. كانَ أحمدُ رجلاً يهتمُّ بالتفاصيل، ويُقدِّرُ العاداتِ والتقاليد. "هذا رائعٌ يا ليلى! يجبُ أنْ نُعدَّ لهُ استقبالاً لائقاً. يجبُ أنْ ندعو الخالَ والعمةَ، وجميعَ الأقارب. إنَّ عودةَ أحمدَ خبرٌ سعيدٌ جداً للعائلةِ بأكملها." قالتْ الوالدةُ بحماس.

شعرتْ ليلى ببعضِ القلق. كانتْ تعلمُ أنَّ عودةَ أحمدَ ستُثيرُ الكثيرَ من الأسئلةِ والثرثرات. عائلتُها كانتْ تُحبُّ أحمدَ جداً، لكنَّ غيابَهُ الطويلَ تركَ أثراً.

في المساءِ، اجتمعتْ العائلة. كانَ الخبرُ قد انتشرَ كالنارِ في الهشيم. هتفَ الجميعُ بسعادةٍ غامرةٍ عندَ سماعِ عودةِ أحمد. الخالُ، الذي كانَ بمثابةِ الأبِ لليلى بعدَ وفاةِ والدِها، احتضنَ أحمدَ بحرارة. "لقد اشتقتُ إليكَ يا بني. كنتُ دائماً أقولُ لليلى، إنَّ هذا الرجلَ لديهِ قلبٌ من ذهب، ولن يتركَها."

تحدثَ أحمدُ عن رحلتِهِ، عن كلِّ ما مرَّ بهِ، وعن إصرارِهِ على العودةِ إلى ليلى. استمعَ الجميعُ بإعجابٍ وتعاطف. بدا أحمدُ أكثرَ نضجاً، وأكثرَ هدوءاً، وكانتْ في عينيهِ حكمةٌ اكتسبَها من تجاربِ الحياة.

"أنا هنا اليوم، يا أعمامُ ويا خالُ، لأتقدَّمَ رسمياً لخطبةِ ابنتِكم ليلى." قالَ أحمدُ بصوتٍ واضحٍ ومليءٍ بالعزيمة. عمَّ صمتٌ قصيرٌ في القاعة، ثمَّ انطلقَ التصفيقُ والتهليل. كانَ الجميعُ سعيداً بهذهِ الخطوة، فقد كانتْ هيَ الأملُ الذي انتظروه.

لكنَّ هذهِ الفرحةَ العارمةَ لم تخفِ عن ليلى بعضَ النظراتِ التي كانتْ تُلقيها عليها قريباتٌ بعيدات، نظراتٌ تحملُ في طياتِها تساؤلاتٍ عميقة، بل وربما شكوكاً. هل حقاً كلُّ ما قالهُ أحمدُ هوَ الحقيقة؟ هل كانتْ قصتُهُ مُبالغاً فيها؟

كانتْ هناكَ ابنةُ عمٍّ لليلى، تُدعى "سميرة"، امرأةٌ جميلةٌ، لكنَّ قلبَها كانَ مليئاً بالحسدِ والطموح. كانتْ سميرةُ دائماً تُحبُّ أحمدَ سراً، وكانتْ تتمنى لو أنَّها هيَ من كانَ في مكانِ ليلى. منذُ أنْ علمتْ بعودةِ أحمد، بدأتْ تُثيرُ الشكوكَ في أذنِ بعضِ القريبات.

"هل سمعتِ بقصةِ أحمد؟ غريبةٌ جداً، أليسَ كذلك؟ رجلٌ يختفي هكذا لسنواتٍ طويلة، ثمَّ يعودُ فجأةً وكأنَّ شيئاً لم يكن. هل أنتِ متأكدةٌ من كلِّ ما قالهُ؟" كانتْ تقولُ سميرةُ لمريم، زوجةِ أحدِ أبناءِ الخال. "نعم، كلامُ أحمدَ يبدو منطقياً. كانَ يتعرضُ لظلمٍ كبير، ويجبُ أنْ يكونَ قوياً ليُثبتَ براءته." ردتْ مريم، وهيَ امرأةٌ طيبةُ القلب. "من يدري؟ ربما كانَ يخونُ ليلى. ربما كانَ لديهِ حياةٌ أخرى في الخارج. أنا أقولُ هذا من بابِ الحرصِ على صديقتنا ليلى، فهيَ تستحقُّ رجلاً لا يخونُ ولا يكذب." قالتْ سميرةُ، وابتسامةٌ خبيثةٌ ترتسمُ على شفتيها.

استمرَّتْ هذهِ الوشوشاتُ الخبيثةُ، تتسللُ كالأفاعي، تُلقي بظلالِ الشكِّ على الفرحةِ الجديدة. كانتْ ليلى تشعرُ ببعضِ الانزعاج، لكنَّها حاولتْ تجاهلَ الأمر، مُتمسكةً بأملِها في مستقبلٍ أفضلَ معَ أحمد.

وفي ليلةٍ من الليالي، بينما كانتْ ليلى تُرتِّبُ بعضَ الأوراقِ القديمةِ في غرفتِها، سقطَ منها صندوقٌ صغيرٌ خشبي. كانَ صندوقَ ذكرياتٍ قديم، جمعتْ فيهِ رسائلَ أحمدَ وصوراً لهما. وبينما كانتْ تُقلِّبُ محتوياتِهِ، وجدتْ رسالةً لم تتذكرْ أنَّها رأتها من قبل. كانتْ بخطِّ يدِ أحمد، ومُؤرخةً قبلَ سفرهِ بأيامٍ قليلة.

قرأتْ ليلى الرسالةَ بعناية. كانتْ الرسالةُ تتحدثُ عن حبِّهِ العميقِ لها، وعن خططِهِ المستقبلية، لكنَّها احتوتْ أيضاً على عباراتٍ غامضةٍ لم تفهمها تماماً. "ليلى، أخشى أنَّ هناكَ أمراً سيئاً قد يحدث. يجبُ أنْ أكونَ حذراً جداً. هناكَ أشخاصٌ يتربصونَ بي. لا تقلقي، سأكونُ بخير. لكنْ، إذا حدثَ ما لا يُحمدُ عقباه، فاعلمي أنَّ حبَّكِ هوَ النورُ الذي سيُضيءُ دربي، حتى في أحلكِ الظروف."

شعرتْ ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدِها. هل كانتْ هذهِ الرسالةُ نبوءةً بما سيحدثُ له؟ هل كانَ أحمدُ يعلمُ بخطرٍ مُحدقٍ به؟ أغلقتْ ليلى الصندوقَ، وفي قلبِها تساؤلاتٌ جديدةٌ بدأتْ تتراكم. لم تعدْ قصتُهُ مجردَ قصةِ غيابٍ وعودة، بل أصبحتْ تحملُ أسراراً دفينة، وربما مخاطرَ جديدة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%