الفصل 6 / 25

أحلام الحب

أغلال النفس

بقلم مريم الحسن

كان عامر يقف أمام المرآة، لكنه لم يكن يرى انعكاسه. كان يرى وجهاً غريباً، شاحباً، وعينين غائرتين تحكيان قصة صراعٍ داخليٍ مرير. لم يكن ذاك عامر الذي عرفته نسمة، ولم يكن ذاك عامر الذي عرف نفسه قبل سنوات. كان مجرد قشرةٍ لروحٍ منهكة، أسيرةٌ لأهواءٍ لا ترحم.

كانت الأيام تمضي، وكل يومٍ يزداد عامر بعداً عن ذاته. لم يكن إدمانه مجرد عادةٍ سيئة، بل كان قد تحول إلى قيدٍ عنيفٍ يكبل روحه. كان يشعر بالخزي كلما نظر إلى نسمة، إلى عينيها الصادقتين اللتين تحملان مزيجاً من الحب والقلق. كان يعرف أنه قد خذلها، وأنه قد كسر عهدها. لكنه لم يكن يملك القوة الكافية للتغلب على الرغبة الجامحة التي كانت تسحبها إلى الهاوية.

كان يبدأ يومه بوعدٍ لنفسه، ووعدٍ لنسمة. "اليوم سأتغير"، "اليوم سأكون الرجل الذي تستحقينه". لكن هذه الوعود كانت تتلاشى مع أول شعورٍ بالتعب، مع أول إحساسٍ بالضيق. كان يجد نفسه يهرع إلى مصدر راحته الزائفة، إلى تلك الزجاجة التي كانت تمنحه شعوراً لحظياً بالنسيان، بالسلام. ثم يعود الندم، ويعود الخزي، ويعود الشعور بالذنب، لتدخل الدائرة المفرغة من جديد.

كانت والدته، السيدة ليلى، تلاحظ ابتعاده، وترى شحوب وجهه، لكنها كانت تظن أن ضغوط العمل هي السبب. كانت تحاول أن تتحدث معه، أن تطمئن عليه. كان عامر يتظاهر بالقوة، بالتحسن، لكنه كان يبتعد عنها أكثر. كان يشعر أن حمل هذا السر وحده يثقل كاهله.

لم يكن الأمر سهلاً على نسمة. كانت ترى عامراً يغرق، وتحاول أن تنقذه، لكن يديها كانتا تقصران عن الوصول إليه. كانت تشعر بالعجز، بالوحدة. في بعض الأحيان، كانت تلوم نفسها. هل كان عليها أن تنتبه منذ البداية؟ هل كان عليها أن تكون أكثر يقظة؟

كانت تتذكر الأيام الأولى، حين كان عامر يقرأ لها الشعر، وحين كانت تضحك على نكاته، وحين كان يخطط معها لمستقبلهما. كانت تلك الصور تبدو الآن كأحلامٍ بعيدة، كذكرياتٍ من حياةٍ أخرى.

في إحدى الليالي، وبينما كان عامر نائماً نوماً ثقيلاً، تسللت نسمة إلى هاتفه. لم تكن تريد أن تخونه، لكنها كانت تبحث عن إجابات. عثرت على محادثاتٍ مع أشخاصٍ مجهولين، وطلباتٍ غريبة. كانت كلماتٌ لم تفهمها، لكنها كانت تفهم معناها. كلماتٌ كانت تشير إلى عالمٍ مظلم، إلى شبكةٍ من العلاقات المشبوهة.

ازداد قلقها، وازدادت مخاوفها. لم يكن الأمر مجرد إدمانٍ فردي، بل كان يبدو وكأنه متورطٌ في أمورٍ أكبر. شعرت بأنها تقف على حافة بئرٍ عميق، وأنها قد تكون هي أيضاً في خطر.

في صباح اليوم التالي، استيقظ عامر بنشاطٍ متجدد، لكنه كان نشاطاً زائفاً، ناتجاً عن شعوره بأن نسمة لا تعلم شيئاً. كان يخفي وجهه المنهك خلف ابتسامةٍ مصطنعة. كان يعدها بأن يأخذها في نزهةٍ قريباً، وأن يعوضها عن الأيام الماضية. كانت نسمة تبتسم له، لكن قلبها كان ينقبض. كانت تعرف أن هذه الابتسامة مجرد قناع، وأن خلفها صراعاً داخلياً مريراً.

كانت السيدة ليلى، خلال زيارتها، تلمح في عيني عامر شيئاً لم تستطع فهمه. نظراتٌ سريعة، حديثٌ متقطع. كانت تشعر بأن هناك سراً يخفيه، لكنها لم تستطع أن تجبره على البوح. كان عامر قد بنى حول نفسه جداراً سميكاً، أصبح من الصعب اختراقه.

كانت نسمة تبدأ في الشعور بالوحدة المطلقة. لم يكن لديها من تلجأ إليه. كانت تخشى أن تخبر والديها، لأنها تعرف مدى حساسيتهما تجاه سمعة العائلة. كانت تشعر بأنها وحيدةٌ في هذا الكفاح، وأنها تقف وحدها أمام وحشٍ لا ترحم.

في إحدى الأمسيات، بينما كان عامر جالساً وحده في غرفته، تلقى اتصالاً هاتفياً. كان صوته متوتراً، وجوابه مقتضباً. كان يتحدث عن دينٍ مستحق، وعن مواجهةٍ قادمة. شعرت نسمة، التي كانت قريبة، بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لم يكن هذا مجرد حديثٍ عادي. كانت تعلم أن عامر يقع في مشكلةٍ كبيرة، مشكلة قد تتجاوز قدرتها على الفهم أو الحل.

كان الإدمان بالنسبة لعامر ليس مجرد ضعفٍ جسدي، بل كان أغلالاً للنفس، تقوده إلى دروبٍ مظلمة، وتجعله عبداً لأهوائه. كانت نسمة تقف على أهبة الاستعداد، تعلم أن القادم سيكون أصعب، وأن عليها أن تجد طريقاً لإنقاذه، أو لإنقاذ نفسها من هذه العاصفة. كان المستقبل مجهولاً، والظلام يزداد، لكن بصيص أملٍ صغير كان لا يزال يضيء في قلبها، يدفعها لمواصلة البحث عن نور.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%