نصفي الآخر الجزء الثالث
شراع الأمل في بحر القلق
بقلم فاطمة النجار
كانت الشمس ترسم لوحات ذهبية على صفحة البحر الهادئ، لكن لم تصل هذه الأشعة الدافئة إلى روح "ليلى". كانت واقفة على الشرفة المطلة على هذا المنظر البديع، إلا أن عينيها كانت تعكسان عاصفة هوجاء لا تمت بصلة إلى سكون الأجواء. أصابعها كانت ترتعش وهي تفرك حواف رداءها القطني، وكأنها تبحث عن مخرج من هذا السجن الذي صنعته لها الظروف. في يدها الأخرى، كان هاتفها الذي لم يفارقها منذ ساعات، يحمل رسالة واحدة لم تتغير، تنتظر رداً لم يأتِ.
"يا رب، فرّج كربي." كانت هذه كلماتها السرية، همساتها المتكررة التي لا يسمعها أحد سوى خالقها. كانت "ليلى" في أوج عطائها، فنانة تشكيلية موهوبة، استطاعت أن تحول أبسط الخامات إلى لوحات تنبض بالحياة. ولكن هذا الشغف الفني، الذي كان مصدر سعادتها الوحيد، بات الآن يشعرها بالوحدة القاتلة. فمنذ وفاة والديها قبل عامين، تركتها أعباء الحياة تثقل كاهلها، وأصبحت مسؤولة عن إدارة إرثهم الذي لا يستهان به.
والآن، تفاقم هذا القلق. كان "خالد"، ابن عمها الذي لطالما اعتبرته أخًا وصديقًا، قد أرسل لها رسالة غامضة الليلة الماضية، يحذرها فيها من خطب جلل قادم، وينصحها بالثبات والصبر. لم تكن تعلم ما هو هذا الأمر، لكن نبرة الرسالة التي قرأتها مرات ومرات، كانت تحمل بين طياتها نذير شؤم. لم يكن "خالد" من النوع الذي يبالغ أو يخوّف دون سبب، فغالباً ما كان صوته العقل الذي يلجأ إليه الجميع.
"ليلى، أيتها الفاتنة الشاردة." صوت والدتها، الحاجة "فاطمة"، اخترق أفكارها العميقة. التفتت "ليلى" فوجدت والدتها تقف خلفها، تحمل صينية عليها كوب من الشاي بالنعناع وبعض التمر. ابتسامة حانية ارتسمت على وجه الحاجة "فاطمة"، لكن عينيها كانت تحمل قلقاً لا تخطئه "ليلى".
"أمّي، هل استيقظتِ مبكراً؟" سألت "ليلى" وهي تحاول استجماع ابتسامتها. "لم أنم كثيراً يا ابنتي. أرى القلق يلتف حولك كعباءة." قالت الحاجة "فاطمة" وهي تضع الصينية على الطاولة الصغيرة. "ما الذي يشغل بالك؟ هل هو أمر العمل؟ أم أمر 'خالد'؟"
تنهدت "ليلى" بعمق. لم يكن بإمكانها إخفاء شيء عن والدتها. "وصلتني رسالة من 'خالد' الليلة الماضية. لم يوضح فيها الكثير، لكنه قال شيئاً عن خطر قادم." أومأت الحاجة "فاطمة" برأسها. "لقد تحدثت مع 'خالد' هو الآخر. يبدو أن هناك من يسعى للإضرار بسمعتنا، وربما أكثر من ذلك." "ماذا تقصدين؟" سألت "ليلى" وقد ازداد القلق في قلبها.
"سمعت همسات عن صفقة عقارية كبيرة كان والداك ينوون إبرامها قبل وفاتهما. يبدو أن هناك من يريد الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة. 'خالد' يحاول جمع المعلومات، لكنه يواجه مقاومة." كانت هذه الصفقة بمثابة حلم لوالديها، مشروع سيعيد الحياة إلى منطقة مهملة في المدينة، وكانوا قد أمضوا سنوات في التخطيط له. كانت "ليلى" قد وعدتهما بإتمام هذا المشروع.
"هذا مستحيل! كيف يجرؤون؟" قالت "ليلى" بصوت مرتفع، والغضب يلون وجهها. "اهدئي يا ابنتي. الغضب لن يحل شيئاً. 'خالد' قال إن لديه خطة، لكنه يحتاج إلى مساعدتك." "مساعدتي؟ كيف؟" "قال إن لديكِ معرفة واسعة بالمنطقة، وأنكِ قد تجدين شيئاً لم ينتبه له الآخرون. وأنه يحتاج منكِ بعض الأوراق القديمة التي ربما احتفظ بها والداك."
في تلك اللحظة، شعرت "ليلى" ببعض الدفء وسط عاصفة قلقها. لم تكن وحدها في هذه المعركة. كانت هناك "الحاجة فاطمة" إلى جانبها، و "خالد" الذي لم يتخل عنها أبداً. "سأفعل كل ما بوسعي يا أمي. سأبحث عن تلك الأوراق. وسأثبت لهم أننا لسنا لقمة سائغة."
شربت "ليلى" جرعة من الشاي، وشعرت بأن بعض الطاقة عادت إليها. نظرت إلى البحر مرة أخرى، لكن هذه المرة، لم تكن ترى سكونه، بل كانت ترى فيه سعة الأمل، وتتوقع أن ترسو سفينة الأمان قريباً.
نشرت "ليلى" يديها، وشعرت برذاذ البحر البارد على وجهها. أغمضت عينيها، واستحضرت وجه والديها، ودعواتهما المباركة. كانت تعرف أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها كانت مستعدة لخوض هذه المعركة، ليس فقط من أجل إرث والديها، ولكن من أجل سمعة عائلتها، ومن أجل مستقبل "نصفي الآخر".
*
على بعد أميال، وفي مكتب فخم يعج بالكتب الفاخرة، جلس "أحمد". كان رجلاً في مقتبل العمر، أنيق المظهر، ذو عينين ثاقبتين تحملان بريق الذكاء. كان يدير إمبراطورية تجارية واسعة ورثها عن جده، وكان معروفاً بحكمته وهدوئه. كان يرأس اجتماعاً لمجلس إدارته، يناقشون فيه أحدث المشاريع.
"السيد 'حسن'، هل انتهيت من تقرير السوق؟" سأل "أحمد" بصوت هادئ ولكن قاطع. "نعم سيدي، هذا هو التقرير. النتائج تشير إلى نمو متوقع في قطاع العقارات بنسبة 15% خلال العام القادم." أجاب "حسن"، مدير التسويق، وهو يقدم له ملفاً سميكاً.
تصفح "أحمد" التقرير بسرعة، وكانت تعابير وجهه تحمل تركيزاً شديداً. كان يعلم أن الفرص تتطلب دراسة عميقة، وأن النجاح لا يأتي بالصدفة. "ممتاز. هل تم الانتهاء من دراسة جدوى المشروع الجديد في منطقة 'المرجان'؟" "نعم سيدي. وقد أظهرت النتائج إيجابية للغاية. المنطقة واعدة، والاستثمار سيكون مربحاً."
كان مشروع "المرجان" هو صفقة العقارات الكبرى التي كانت محور حديث "الحاجة فاطمة" و "خالد". كان "أحمد" قد سمع عنها، وكان مهتمًا بشرائها، لكنه كان يعلم أنها في مرحلة متأخرة من التخطيط مع عائلة "السيد إبراهيم" الراحل.
"هل هناك أي عقبات متوقعة؟" سأل "أحمد" بلهجة لا تخلو من الحذر. تردد "حسن" قليلاً قبل أن يجيب. "هناك بعض التعقيدات المتعلقة بتراخيص البناء، لكنها ليست مستعصية. و… هناك بعض الشائعات عن تدخلات من جهات أخرى."
رفع "أحمد" حاجبيه. "تدخلات؟ ما طبيعتها؟" "لا نستطيع تحديدها بدقة سيدي. لكن بعض المصادر تشير إلى أن هناك أطرافاً تسعى لعرقلة المشروع، ربما للاستحواذ عليه أو لمنعه من الاكتمال."
كان "أحمد" يعرف أن هذه الشائعات غالباً ما تحمل قدراً من الحقيقة. كان يعلم أيضاً أن عائلة "إبراهيم" كانت ذات سمعة طيبة، وكان من الصعب تخيل أنهم سيقعون في مشاكل إلا إذا كان هناك دافع قوي.
"من هو المستشار القانوني المكلف بهذا المشروع؟" سأل "أحمد". "السيد 'طارق' من مكتب 'الأفق القانوني'." أجاب "حسن". "أريد منك أن تتواصل معه فوراً. أريده أن يقدم لي تقريراً مفصلاً عن الوضع القانوني للمشروع، وأي عقبات محتملة. وأريده أن يحرص على عدم إثارة أي شكوك."
"بالتأكيد سيدي."
بعد انتهاء الاجتماع، بقي "أحمد" وحيداً في مكتبه. نظر من النافذة إلى أضواء المدينة المتلألئة. كان دائماً يؤمن بأن النجاح الحقيقي هو الذي يبنى على أسس قوية من العدل والنزاهة. لكن هذه الشائعات عن "تدخلات" أثارت فضوله، وربما بدأت تضع بذرة شك في عقله. هل كانت هناك قصة أعمق مما تبدو عليه الأمور؟ هل كانت هذه مجرد صفقة عقارية، أم شيء آخر؟
كان "أحمد" يعلم أن الصمت والهدوء غالباً ما يسبقان العواصف. وكان يشعر بأن هذه الصفقة، بألغازها المتزايدة، قد تكون بداية لشيء كبير.