نصفي الآخر الجزء الثالث

لقاءٌ غير متوقع

بقلم فاطمة النجار

كانت الشمس تلقي بخيوطها الذهبية على أسطح المنازل، معلنةً بدء يومٍ جديد، لكن في قصر آل الهاشمي، كان الهدوء يلفّ الأرجاء استعداداً لزيارةٍ ينتظرها الجميع. وضعت السيدة زينب اللمسات الأخيرة على تجهيزات الاستقبال، رائحة الشاي الأخضر تملأ المكان، مع عبقٍ خفيفٍ من زهور النرجس التي تزين طاولة القهوة. كانت ليلى، بعد أن ارتدت فستاناً بسيطاً وأنيقاً بلون اللافندر، تجلس في الصالة، تتصفح كتاباً، لكن عيناها كانتا تتجهان بين الحين والآخر نحو الباب.

"هل أنتِ مستعدة يا بنيتي؟" سألتها والدتها وهي تدخل عليها، وبدت وكأنها تشعر بقلق ابنتها.

"نعم يا أمي، أنا جاهزة. لكنني أشعر ببعض التوتر." اعترفت ليلى، واضعةً كتابها جانباً.

"لا تقلقي يا عزيزتي. إنهم أهلٌ طيبون، والسيد منصور رجلٌ له مكانته، لكنه ليس متعجرفاً. فقط كوني على طبيعتكِ، وهذا كل ما يهم." قالت السيدة زينب، ووضعت يدها على كتف ليلى، معطيةً إياها دفعةً من الطمأنينة.

بعد وقتٍ قصير، وصلت سيارةٌ فخمة سوداء اللون، توقفت أمام باب القصر. ترجل منها السيد منصور، متبوعاً بزوجته السيدة آمنة. كان السيد منصور رجلاً ضخم البنية، بملامح وجهٍ حادة، وعينين تبدوان وكأنهما تقيّمان كل شيءٍ تقع عليه. أما السيدة آمنة، فكانت تتمتع بجمالٍ هادئ، ترتدي حجاباً أنيقاً، ونظرتها كانت تحمل مزيجاً من الدفء والحزم.

استقبلتهم السيدة زينب بحرارة، وتبادلوا التحيات والترحيب. ثم دخلوا جميعاً إلى الصالة، حيث استقبلتهم ليلى بابتسامةٍ خجولة.

"أهلاً وسهلاً بكم في منزلنا." قالت ليلى، وهي تنحني قليلاً.

"شكراً لكِ يا آنسة ليلى. جمالكِ يزداد مع مرور الأيام." قال السيد منصور، بنبرةٍ بدت وكأنها تحمل تقييماً أكثر من مجرد مجاملة.

"أنتِ جميلة جداً يا حبيبتي. تماماً كما وصفها لنا أحمد." أضافت السيدة آمنة، وهي تنظر إلى ليلى بعينين تحملان تقديراً.

تبادلت ليلى والسيدة آمنة نظراتٍ ودية، وشعرت ليلى براحةٍ أكبر. كانت السيدة آمنة تبدو مختلفةً عن الصورة التي رسمها لها ابنها.

بدأ الحديث يدور حول أمورٍ عامة، عن الطقس، وعن أحوال المدينة. لكن ليلى كانت تشعر بمدى حدة تركيز السيد منصور، وكأنه يبحث عن شيءٍ معين.

"سيد منصور، لقد ذكرتَ في اتصالكِ مع زوجتي أن لديك أمراً مهماً تود مناقشته." قالت السيدة زينب، بعد فترةٍ من الصمت المريح.

"نعم، هذا صحيح." أجاب السيد منصور، وأخذ نفساً عميقاً. "كما تعلمون، أحمد ابني الوحيد. لقد أصبح شاباً، وأنا أريد أن أرى مستقبله مستقراً. لقد رأيت في ابنتكم، ليلى، الفتاة التي تتمناها له."

تجمدت ليلى في مكانها. هذه هي اللحظة التي كانت تخشاها، والتي كانت تنتظرها في نفس الوقت. نظرت إلى والدتها التي بدت متفاجئةً بعض الشيء، لكنها لم تظهر عليها علامات الرفض.

"أحمد فتىً رائع، وله مكانته، ونحن نحترم عائلته كثيراً. ولكن... هل كان هناك حديثٌ مسبق بين أحمد وليلى؟" سألت السيدة زينب، بحذر.

"لم يكن هناك حديثٌ مباشر، لكنني واثقٌ من مشاعره، وكذلك هي." قال السيد منصور، واثقاً من نفسه. "لقد رأيت كيف ينظر إليها، وكيف يتحدث عنها. أريد أن أقدم لكم اقتراحاً رسمياً. أريد أن أخطب ابنتكم لولدي أحمد."

بعد أن قال السيد منصور كلماته، عمّ الصمت المكان. كانت ليلى تشعر بدماءٍ تتسارع في عروقها. هل هذا ما أرادته؟ أم أن الأمر كان يحدث بسرعةٍ أكبر مما توقعت؟

"هذا... هذا أمرٌ كبير." قالت السيدة زينب، وهي تفكر. "يجب أن نفكر في الأمر. وأن تتحدث ليلى مع والديها، ومع أحمد نفسه. نحن نحترم رغبات أبنائنا."

"بالتأكيد. هذا هو السبب الذي جعلني آتي شخصياً. أريد أن أتأكد من أن الجميع موافق." قال السيد منصور.

في تلك الأثناء، كان أحمد في مكتبه، يشعر بأن شيئاً ما يحدث. كان يحاول التركيز على تقارير السوق، لكنه كان يشعر بتشتتٍ غريب. قرر أن يتصل بوالدته.

"أمي، هل وصلتم؟" سأل أحمد.

"نعم يا بني، نحن في منزل آل الهاشمي. لقد تحدثنا مع والدة ليلى، وقدمتُ لهم اقتراحاً رسمياً لخطبة ليلى لأحمد." قالت السيدة آمنة، بهدوء.

"ماذا؟! هل فعلت ذلك؟" سأل أحمد، وهو يشعر بموجةٍ من الصدمة. "ولكن... لم تخبرني بذلك."

"كنت أعرف أنك ستوافق. وهذا هو الوقت المناسب. لم أرد أن أدع الأمور تتأخر." قالت السيدة آمنة. "الآن، أريدك أن تأتي فوراً. علينا أن نتحدث معهم."

في منزل آل الهاشمي، كانت ليلى تنظر إلى والديها، تنتظر رد فعلهما.

"يا بنيتي، نحن نعرف أنكِ تحملين مشاعر تجاه أحمد." قال والدها، السيد عبد الله، بصوتٍ حنون. "هل هذا الاقتراح يرضيكِ؟"

نظرت ليلى إلى وجه والدها، ثم إلى والدتها. لم تكن تريد أن تخيب أملهما، ولكنها لم تكن تريد أيضاً أن تتسرع في قرارٍ يغير حياتها.

"أبي، أمي. أنا... أنا أحترم أحمد، وأعتقد أنه رجلٌ طيب. ولكن... هذه خطوةٌ كبيرة. أحتاج أن أفكر." قالت ليلى، بصدق.

"نحن نتفهم ذلك." قالت السيدة زينب. "المهم هو أن تكوني سعيدة. سنعطي الأمر وقتاً للتفكير."

بعد وقتٍ قصير، وصل أحمد. دخل الصالة، وعلى وجهه خليطٌ من التوتر والترقب. نظر إلى ليلى، وابتسامةٌ خفيفة ارتسمت على شفتيه.

"مساء الخير للجميع." قال أحمد، وهو يقترب.

"مساء النور يا أحمد. تفضل بالجلوس." قال السيد عبد الله.

شعر أحمد بنظرات والده عليه، ونظرات آل الهاشمي. كان يعلم أن هذه اللحظة حاسمة.

"أحمد، والدي قدم لك اقتراحاً، وليلى وأسرتها يفكرون فيه." قال السيد منصور، موجهاً كلامه لابنه.

نظر أحمد إلى ليلى، وبدا في عينيه الكثير من المعاني. "ليلى، لقد سمعت بما حدث. وأردت أن أقول لكِ إنني... إنني سعيدٌ جداً بهذا الاقتراح. لم أكن أتوقع أن يحدث بهذه السرعة، لكنني كنت أود ذلك. أنتِ الفتاة التي طالما بحثت عنها."

تورد وجه ليلى، ونظرت إلى أحمد. كانت كلماته تحمل صدقاً عميقاً، وكان يصدقها.

"أنا أيضاً سعيدٌ يا أحمد، وأنا أقدر مشاعرك." قالت ليلى، بصوتٍ خافت. "لكن الأمر يحتاج إلى وقتٍ للتفكير. كما قال والدي."

"بالتأكيد. نحن نحترم ذلك." قال السيد منصور. "ولكنني أريد أن أطمئنكم، أن علاقة أحمد بليلى، إن تمت، ستكون علاقةً مبنيةً على الاحترام والمحبة، وفي إطارٍ شرعي."

كانت هذه الكلمات مطمئنةً للسيدة زينب والسيد عبد الله. لقد أبدوا احتراماً لأعراف وتقاليد الزواج، وهذا ما كانوا يبحثون عنه.

خرج السيد منصور والسيدة آمنة، تاركين خلفهم جواً من الترقب والتساؤلات. جلست ليلى مع والديها، وبدأوا في مناقشة الأمر بهدوء.

"ما رأيكِ يا ليلى؟" سألت والدتها.

"أنا... أشعر بالارتباك، يا أمي. ولكن أحمد يبدو رجلاً صالحاً، وأنا أثق بكلماته. ربما... ربما يجب أن نعطيه فرصة." قالت ليلى، وشعرت بأن قلباً قد بدأ يفتح أبوابه.

"إنه أمرٌ يخصكِ يا بنيتي. نحن سندعم قراركِ. لكن فكري جيداً." قال السيد عبد الله، مبتسماً.

كانت هذه الزيارة، وهذا الاقتراح، بمثابة عاصفةٍ غير متوقعة، هزت أركان حياتها الهادئة. ولكنها كانت عاصفةً تحمل معها وعداً ببدايةٍ جديدة، بدايةٍ مباركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%