نصفي الآخر الجزء الثالث
رياح التغيير العاتية
بقلم فاطمة النجار
كانت الأجواء في مدينة الرياض تحمل نكهةً من البرد القارس، ممزوجةً برائحة الفل والياسمين التي كانت ما زالت تتشبث بأغصان الأشجار. في قصر آل الهاشمي، كانت السيدة زينب تضع اللمسات الأخيرة على ترتيباتٍ خاصة، لم تكن تتعلق بزيارةٍ رسمية، بل بلقاءٍ حميمٍ بين عائلتي الهاشمي ومنصور، لتقديم عرضٍ نهائي للخطبة، وتحديد المهور والشروط.
"هل أنتِ متأكدةٌ من هذا؟" سأل السيد عبد الله، والد ليلى، وهو ينظر إلى زوجته. "هل أعطينا ليلى وقتها الكافي للتفكير؟"
"نعم يا عزيزي، ليلى تحدثت معي كثيراً. أحمد رجلٌ صالح، وهي تشعر بالارتياح تجاهه. لقد اكتشفت في هذا الشاب أخلاقاً رفيعة، وخشيةً من الله، وهذا هو أهم ما نبحث عنه لابنتنا." قالت السيدة زينب، وعيناها تلمعان بالرضا. "كما أن السيد منصور بدا مصمماً على إنهاء الأمر بسرعة، وأعتقد أننا يجب أن نستغل هذه الفرصة قبل أن تحدث أمورٌ أخرى."
"أمورٌ أخرى؟" تساءل السيد عبد الله، متفاجئاً. "هل تقصدين منافساتٍ أخرى؟"
"لقد سمعت بعض الهمسات. يبدو أن السيد خالد، الذي كان يطمع في تزويج ابنته من أحمد، قد بدأ في التحرك. والسيد منصور لا يحب أن تتأخر صفقاته."
"آه، فهمت. هذا يعني أننا في سباقٍ مع الزمن. حسناً، أتمنى أن تكون ليلى سعيدةً حقاً. هذه هي غايتنا."
في الجهة الأخرى من المدينة، كان السيد منصور في قمّة انشغاله. كان يتابع مجريات صفقةٍ تجاريةٍ كبرى، ولكن ذهنه كان مشغولاً أيضاً بالخطوة التالية تجاه عائلة آل الهاشمي. لم يكن الأمر مجرد إتمام زواج، بل كان استثماراً استراتيجياً.
"أبي، هل أنت متأكدٌ من هذه الشروط؟" سأل أحمد، وهو يرى قائمة المهور والمقدمات التي أعدها والده. "إنها تبدو... مبالغ فيها بعض الشيء."
"هذا هو البروتوكول يا أحمد. إنها تعكس قيمة العروس، وقيمة عائلتها، وقيمة زواجك منها. لا أريد أن يظن أحدٌ أنني أقدم ابني بطريقةٍ مهينة." قال السيد منصور، بحزم. "ثم، إن هذا المال لن يذهب هباءً، بل سيعود إلينا بشكلٍ أو بآخر، بعد أن تنجح هذه الزيجة."
"ولكن يا أبي، ما يتعلق بليلى؟ هل تحدثت معها عن رأيها في هذه الشروط؟"
"لم أكن بحاجةٍ للتحدث معها. أنتَ ستكون المسؤول عن إرضائها. ولكن هذه هي الشروط الرسمية. أنتَ ابنٌ مطيع، ولن تعترض على إرادة والدك."
شعر أحمد بالإحباط. كان يعرف أن والده لا يرى في ليلى سوى قطعةٍ في لعبةٍ أكبر، في صفقةٍ يجب إتمامها. كان يعلم أن ليلى ليست مجرد قطعةٍ، بل هي روحٌ حرة، وقلبٌ يحمل مشاعر.
"لكن يا أبي، ليلى لها أحلامها، ولها شخصيتها. لا يمكن أن نعاملها كسلعة." قال أحمد، وبدا في صوته شيءٌ من التحدي.
"لا تتحداني يا أحمد. لقد فعلتُ ما يكفي من أجلك. أنتَ الآن مطالبٌ بتنفيذ ما أقوله." قال السيد منصور، وارتفعت نبرته.
عاد أحمد إلى غرفته، يشعر بثقلٍ على صدره. كان يعلم أن والده لا يتراجع عن قراراته بسهولة. وأن أي محاولةٍ لفرض شروطٍ أقل قد تواجه بمقاومةٍ شديدة.
في مساء ذلك اليوم، قرر أحمد أن يتصل بليلى. لم يكن يريد أن يبدأ حياتهما معاً بالكذب أو الإخفاء.
"ليلى، هل أنتِ بخير؟" سأل أحمد، عندما أجابت.
"نعم أحمد، أنا بخير. هل كل شيءٍ على ما يرام؟" قالت ليلى، وشعرت بنبرةٍ مختلفة في صوته.
"ليس تماماً. والدي أعد قائمةً بشروط المهور والمقدمات. وهي... إنها مبالغٌ فيها جداً. وأعتقد أنها ستكون عبئاً علينا، وعلى عائلتك."
"عبئاً؟" تساءلت ليلى، بقلق.
"نعم. وأبي مصرٌ على هذه الشروط. ولكنه وعدني بأن يكون كل شيءٍ ميسراً. ولكنه أيضاً قال إنني المسؤول عن إرضائكِ. لم أفهم المعنى تماماً. لكنني شعرت بأن هناك شيئاً ما."
"هل تقصد أن والده لا يريد أن تكون الأمور سهلة؟"
"لا أعرف يا ليلى. ولكنني أشعر أن هناك شيئاً ما وراء هذه الشروط. شيءٌ قد لا يعجبكِ."
"هذا يقلقني يا أحمد. أنا لم أطلب الكثير. فقط الحب والاحترام."
"وأنا سأقدم لكِ كل ذلك. أعدكِ. ولكن يجب أن نكون مستعدين لأي مفاجأة. أعتقد أن هذه مجرد بداية."
لم تكن ليلى تعلم ما الذي كانت تخبئه الأيام القادمة. كانت تشعر بأن رياح التغيير العاتية قد بدأت تهب، وأنها قد تجرفها بعيداً عن شاطئ الأمان.
في اليوم التالي، حضر السيد منصور، برفقة والده، إلى قصر آل الهاشمي. كانت الأجواء الرسمية تغلّف المكان، ولكن خلف هذه الرسمية، كانت هناك مشاعر متضاربة.
"سيد عبد الله، سيدتي زينب. جئت إليكم اليوم، ليس فقط كممثلٍ لعائلة، بل كشخصٍ يقدر قيمة هذه العائلة، وقيمة ابنتكم." بدأ السيد منصور، بكلماتٍ معدّة بعناية. "لقد رأيت في ليلى الفتاة المثالية لابني أحمد. ولكنني أريد أن أضع الأمور بوضوح. الشروط التي أقدمها هي شروطٌ تراعي القيمة الحقيقية لهذه الزيجة، وتعكس مكانة عائلتكم. وأعتقد أنها ست