نصفي الآخر الجزء الثالث
صدمة الماضي وصراع الحاضر
بقلم فاطمة النجار
استفاقت عائشة على ضوء الشمس الذي تسلل خلسة من بين ستائر الغرفة المزركشة، يوقظ فيها شعورًا غريبًا بالثقل، ثقل لم تعهده من قبل. لم تكن تلك غرفتها الهادئة المعتادة، بل أجنحة والدها التي امتلأت بالأحداث مؤخرًا. تذكرت ليلة أمس، وقبلها، وذاك الخبر الذي كاد أن يفلق قلبها. جلست على حافة السرير، تفرك عينيها اللتين امتلأتا بالدموع البارحة، ولكن لم تجد سوى جفاف مؤلم.
كانت كلمات جدتها، السيدة فاطمة، ما زالت تدوي في أذنيها: "إن الأمر أخطر مما تظنين يا ابنتي، وهذا الرجل الذي يدخل حياتكم الآن... قد يكون له جذور أعمق مما نتخيل". تنهدت تنهيدة عميقة، حاولت أن تستجمع شجاعتها، فالقرار الذي سيُتخذ اليوم سيغير مسار حياة الكثيرين، حياة زوجها، وحياتها، وحياة أطفالها.
نزلت إلى بهو المنزل الواسع، حيث كان والدها، المهندس أحمد، يحتسي قهوته الصباحية بنظرة حزينة تخفي ورائها قلقًا عميقًا. استقبله صوتها الهادئ: "صباح الخير يا أبي".
التفت إليها بابتسامة بهتت سريعا، وقال بصوت يحمل تعب الأيام: "صباح النور يا عزيزتي. هل نمتِ جيدًا؟"
جلست بجانبه، وأمسكت بيده الباردة: "لم أنم كثيرًا يا أبي. ما زلت أفكر فيما حدث بالأمس، وما قالته جدتي".
تنهد المهندس أحمد، وألقى بنظرة نحو النافذة، وكأنه يبحث عن إجابات في زرقة السماء: "الأمر معقد يا عائشة. هذا الرجل، خالد... لم يكن دخوله حياتنا عبثيًا. هناك خيوط قديمة تربطنا به، خيوط لم نكن نعرف بوجودها".
"ما هي هذه الخيوط يا أبي؟" سألت بعينين تقدحان بالفضول والألم.
"جدتك لم تخبرك كل شيء. في الماضي البعيد، قبل أن تلتقي والدتك، كانت لي علاقة عمل مع رجل يدعى... حسن. كان شريكًا لي في مشروع كبير. لكنه خان ثقتي، وسرق أموالي، واختفى. تركت تلك الحادثة ندبة عميقة في حياتي، وجعلتني أشك في كل شيء، وفي كل شخص".
ارتعشت يدا عائشة وهي تسمع. "وهذا خالد... هو ابن حسن؟"
"هذا ما تشير إليه الأدلة، يا ابنتي. لقد عاد ليأخذ ما يعتقد أنه حقه، أو ربما... ليأخذ ثأره".
توقفت عائشة عن الكلام، تحاول استيعاب حجم المصيبة. خالد، الرجل الذي أظهر لها كل الود والمحبة، الرجل الذي بدأت تثق به، بات الآن مصدر تهديد مباشر. "لكن... كيف عرف بوجودنا؟ وكيف وصل إلى هنا؟"
"لا أعرف التفاصيل الدقيقة، لكن جدتك لديها معارف واسعة. يبدو أنها استطاعت أن تتكشف عن هويته الحقيقية قبل أن يفعل هو أي شيء. إنها تخشى عليك، وتخشى علينا جميعًا. هذا الرجل لا يرحم، وقد سُمع عنه الكثير من الأمور السيئة في عالم الأعمال".
"وماذا عن أخي؟" سألت بقلق. "هل هو على علم بكل هذا؟"
"لا، لم أخبره بعد. أردت أن أكون متأكدًا أولاً. لن أسمح لأحد أن يتدخل في حياته أو يؤذيه. هو هدفي الأول الآن، حمايته".
"لكن يا أبي، نحن لا نستطيع أن نخفيه للأبد. خالد يعرف أن له أخًا. ولا بد أنه سيعرف أنه يعيش معنا".
"أعلم يا ابنتي. لهذا السبب، قررنا - أنا وجدتك - اتخاذ إجراء حاسم اليوم. سنواجهه. وسنخبره بالحقيقة، بكل ما نعرفه. لا يمكننا أن ننتظر حتى يضربنا. علينا أن نتحكم في زمام الأمور".
شعرت عائشة ببرودة تسري في عروقها. المواجهة؟ مع رجل خطير كهذا؟ "لكن هذا قد يكون خطيرًا جدًا يا أبي. ماذا لو...؟"
"لا تقلقي يا عزيزتي. جدتك أعدت خطة. لدينا بعض الحلفاء الموثوقين الذين سيساعدوننا. والمهم الآن هو أن تبقى هادئة، وأن تثقي بنا. سنمر بهذه المحنة معًا".
في تلك اللحظة، دخل شقيقها، طارق، الغرفة وهو يرتدي ملابس أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة مشرقة. "صباح الخير للجميع! ما الذي تتناقشون فيه بهذا الجدية؟ هل هناك مفاجأة لي؟"
تجمدت عائشة في مكانها. لم تكن مستعدة لرؤيته الآن، ولم تكن مستعدة لجعله جزءًا من هذا الصراع. نظر والدها إلى طارق، ثم إلى عائشة، وعيناه تحملان مزيجًا من الحب والقلق.
"صباح الخير يا طارق"، قال المهندس أحمد بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا. "تعال واجلس. لدينا أمر مهم سنتحدث فيه معك".
شعر طارق بجدية الموقف، واقترب بفضول. "خير يا أبي؟ هل هناك مشكلة؟"
"بعض المشاكل الصغيرة التي يجب علينا معالجتها"، أجاب المهندس أحمد، وهو يرمق ابنته بنظرة مطمئنة. "ولكن قبل ذلك، أريد أن أتحدث عن مستقبلك. أنت تعرف أن خالد بن حسن كان يتواصل معك. وقد وعدك بمنحة لدراسة في الخارج، أليس كذلك؟"
تجهم وجه طارق قليلاً. "نعم، لقد تحدثنا في هذا الأمر. لكنني لم أعد مهتمًا جدًا. لدي خططي الخاصة هنا".
"بالتحديد"، أكمل المهندس أحمد. "لقد أصبحت الأمور معقدة بعض الشيء. خالد هذا، لم يعد مجرد شخص يقدم لك فرصة. لقد أصبح... تهديدًا".
اندهش طارق. "تهديدًا؟ كيف؟ وما علاقة هذا بعرض الدراسة؟"
"لأن خالد هذا لم يكن صديقًا لوالدك. بل كان عدوًا قديمًا. وكان ظهوره المفاجئ، وعرضه لك... جزءًا من خطة أكبر".
بدأت عيون طارق تتسع. نظر إلى عائشة التي حاولت أن تعطي أخيها نظرة مطمئنة، لكن الخوف كان يرتسم عليها. "تهديدًا؟ ماذا تقصد يا أبي؟"
"أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لنخبرك كل شيء يا طارق"، قالت عائشة بصوت مرتجف قليلاً. "خالد هو ابن حسن، الذي خان والدي وسرق أمواله. وعودته الآن ليست من أجل مساعدة أحد، بل من أجل الانتقام".
صمت طارق للحظة، وعيناه تنتقلان بين أبيه وأخته. بدا كأنه يحاول استيعاب الكلمات، وكأنها ضربة قوية وجهت له. "انتقام؟ هل أنتِ تمزحين؟ خالد... كان لطيفًا جدًا معي. لقد تحدث عن أخي، عنكِ، وعن عائلتنا..."
"هذا ما يريده أن تصدقيه يا طارق"، قال المهندس أحمد بصرامة. "لقد اكتشفنا أنه كان يجمع المعلومات عنكم. عن حياتكم، عن مواقعكم. أراد أن يقترب منكم ليستخدمكم ضدنا".
"يستخدمنا؟" كرر طارق بصوت لا يكاد يُسمع. "لكن لماذا؟ ولماذا لم تخبروني؟"
"كنا نحميكم يا طارق. لم نرد أن ندخلكم في صراع بيننا وبينه. لكن الأمر وصل إلى مرحلة لا يمكن السكوت عنها. لقد اكتشفنا أن خالد يخطط لشيء خطير جدًا. شيئًا سيؤذينا جميعًا. والآن، بما أنك تعرف، يجب أن تكون مستعدًا. لدينا خطة لمواجهته".
شعر طارق وكأن الأرض تدور به. كل ما كان يعتقده عن خالد، عن صداقته، عن عرضه، انقلب رأسًا على عقب. لم يكن الأمر مجرد فرصة دراسية، بل كان جزءًا من مكيدة. نظر إلى والدته التي دخلت الغرفة لتوه، تبدو شاحبة وقلقة.
"ماذا يحدث هنا؟" سألت السيدة فاطمة بلهجة تحمل قلقًا واضحًا.
"نحن نحدث طارق عن خالد يا أمي"، أجاب المهندس أحمد. "لقد أخبرناه بالحقيقة".
نظرت السيدة فاطمة إلى طارق، ثم إلى عائشة، وقالت بصوت يرتعش: "الحمد لله. كان لابد من هذه المواجهة. الآن، يجب أن نكون يدًا واحدة. خالد ليس عدوًا عاديًا. لديه أساليب ملتوية، ولا يعرف الرحمة. سنواجهه، ولكن علينا أن نكون حذرين جدًا".
نظر طارق إلى أخته، إلى أبيه، وإلى جدته. شعر بمسؤولية ثقيلة تلقى على عاتقه. لم يعد الأمر يتعلق بدراسته أو بمستقبله فقط، بل بحماية عائلته. "ما هي الخطة؟" سأل بصوت قوي، يحمل تصميمًا جديدًا. "ما الذي يمكنني فعله؟"
تنهد المهندس أحمد بارتياح. "هذا هو طارق الذي نعرفه. الخطة هي كالتالي..." بدأ المهندس أحمد يشرح الخطة التي وضعتها جدته. كانت خطة جريئة، تتطلب شجاعة وتضحية، وكان على رأسها أن يظهر طارق كأنه ما زال تحت تأثير خالد، ولكنه في الواقع سيكون عينهم وأذنهم، وبنفس الوقت، نقطة جذب لخالد، لجذبه إلى الفخ الذي أعدوه.
"ستبدو كأنك لم تتغير يا طارق"، قالت السيدة فاطمة. "ستستمر في التواصل مع خالد، وتظهر له أنك ما زلت مهتمًا بعرضه. لكن في حقيقة الأمر، ستكون أنت من يوصلنا إلى حيث نريد".
تغيرت ملامح طارق، وعاد القلق يرتسم عليها. "ولكن... ألن يكون هذا خطيرًا علي؟"
"لهذا السبب، سنكون معك في كل خطوة"، أكد المهندس أحمد. "لن تكون وحدك أبدًا. وستكون عائشة بجانبك دائمًا، تدعمك".
نظرت عائشة إلى أخيها، وأمسكت بيده بقوة. "سنكون معًا يا طارق. قلبي معك، ودعائي لك".
أومأ طارق برأسه، وهو يشعر بمزيج من الخوف والشجاعة. لم يكن يتخيل أن حياته ستتحول إلى هذا المسار. كان يتطلع إلى مستقبل هادئ، لكنه الآن وجد نفسه في خضم معركة. كان يعرف أن هذه ليست نهاية المطاف، بل بداية فصل جديد، فصل مليء بالتحديات، فصل سيحدد مصير عائلته.
في تلك الأثناء، كان خالد يجلس في مكتبه الفخم، يرتشف كأسًا من الشراب، ووجهه يعكس ابتسامة ماكرة. كانت خطته تسير كما هو مخطط لها. لقد استطاع أن يقترب من عائلة أحمد، وبدأ يزرع بذور الفتنة. لم يكن يعلم أن كل تحركاته مراقبة، وأن شبكته بدأت تضيق عليه. كان يعتقد أنه هو من يمسك بزمام الأمور، لكنه لم يكن يعلم أن الأوان قد فات، وأن عاصفة قادمة ستجرفه معها.