نصفي الآخر الجزء الثالث
الهدوء الذي يسبق العاصفة
بقلم فاطمة النجار
كانت الأيام التي تلت اجتماع العائلة بمثابة فترة من الترقب المشوب بالحذر. كل فرد في المنزل كان يؤدي دوره بدقة متناهية، محاولًا ألا يظهر أي علامة على القلق أو التوتر أمام الآخرين، أو ربما أمام خالد نفسه إذا سنحت الفرصة. عائشة، بجسدها القوي وعقلها الراجح، أصبحت عين جدتها وأبيها في كل صغيرة وكبيرة. كانت تتنقل بين الغرف، تستمع إلى الأحاديث، وتلاحظ أدق التفاصيل، متسلحة بدعوات والدتها التي تركتها قبل سفرها، وبحكم جدتها التي لم تتوانَ عن تقديم النصائح والتوجيهات.
أما طارق، فقد دخل إلى معترك اللعبة ببراعة تفوق ما توقعه والده. كان يلعب دور الشاب الطموح الذي ما زال مأسورًا بوعد خالد، لكنه في نفس الوقت، كان يتقن فن المراوغة والجمع بين المعلومات. كان يلتقي بخالد في الأماكن العامة، تحت ذرائع مختلفة، لكنه كان يراقب كل حركة، وكل كلمة، وكل إشارة، محاولًا كشف خبايا الرجل. كان يرسل لعائشة رسائل مشفرة، أو يترك لها ملاحظات في أماكن متفق عليها، تضمن لهما السرية التامة.
"لقد قابلت خالد اليوم في المقهى الجديد"، جاءت رسالة من طارق إلى عائشة، مكتوبة على منديل ورقي تركه في سلة الفاكهة. "يبدو متحمسًا جدًا بشأن المشروع. ذكر أن هناك بعض الترتيبات النهائية التي يجب أن تتم الأسبوع القادم. سأحاول معرفة المزيد عن هذه الترتيبات".
قرأت عائشة الرسالة، وشعرت بقلبها يخفق بسرعة. "الترتيبات النهائية"؟ هل يقصد بها التنفيذ؟ أو ربما هي مجرد خطوات تمهيدية لخطته الحقيقية؟ نظرت إلى جدتها التي كانت تقرأ القرآن في غرفتها. "جدتي"، نادتها بصوت خفيض.
دخلت السيدة فاطمة، وقالت بنبرة هادئة: "ما الأمر يا بنيتي؟"
"هذه رسالة من طارق. خالد يتحدث عن ترتيبات نهائية الأسبوع القادم. هل تعتقدين أنه يقصد شيئًا ما؟"
نظرت السيدة فاطمة إلى المنديل، ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تستحضر ذكريات قديمة، أو تحاول قراءة ما بين السطور. "الأسبوع القادم... إنه وقت حاسم. لابد أن نكون مستعدين. لقد ذكر خالد اسمًا جديدًا؟"
"لا، لم يذكر أي اسم. فقط 'ترتيبات نهائية'".
"هذا يعني أنه ليس وحده. لديه شركاء، أو مساعدون. يجب أن نكشف عن هويتهم. هم الحلقة الأضعف في سلسلته".
في هذه الأثناء، كان المهندس أحمد يعمل بجد في مكتبه، يسعى وراء كل معلومة يمكن أن تساعده. كان يتواصل مع أصدقائه القدامى، ومع بعض رجال القانون الموثوقين، يجمع الأدلة، ويجهز نفسه لأي مواجهة قانونية قد تنشأ. كان يشعر بالثقل، لكنه لم يشعر باليأس. كان إيمانه بالله، وثقته في أسرته، مصدر قوته.
"هل لديك أي أخبار عن ملف حسن القديم؟" سأل عائشة عندما رآها في المساء.
"أمي بحثت في الأرشيف القديم، ووجدت بعض المستندات التي تثبت أن حسن كان له ديون كبيرة في ذلك الوقت. لم يكن بالصورة التي يقدمها ابنه. يبدو أن خالد يحاول تجميل صورة أبيه، أو إخفاء حقائق مزعجة".
"هذا متوقع. يريد أن يجعلنا نشعر بالذنب، أو أن نظهره كمظلوم. لكننا لن ننخدع. ما زلت أشعر بأن هناك شيئًا أكبر من مجرد المال. هناك عداوة شخصية عميقة".
"جدتي تعتقد أنه يبحث عن شيء أكثر من مجرد المال. ربما هناك أسرار أخرى مدفونة في الماضي".
"كل الاحتمالات واردة يا عائشة. لهذا السبب، يجب أن نكون مستعدين لأي مفاجأة. سأحاول مرة أخرى التواصل مع المحامي الخاص بحسن القديم، لعل لديه بعض التفاصيل التي لم يطلعنا عليها أحد".
كانت الأمور تسير بوتيرة سريعة. كل خطوة يخطوها خالد، كانت تقابلها خطوة محسوبة من عائلة أحمد. كانت الأجواء في المنزل مشحونة بالتوتر، لكنها كانت أيضًا مليئة بالوحدة والتكاتف. كانت الأمهات والجدات في كل مكان، يسدين النصح، ويحملن الدعاء، ويطبخن الطعام الشهي الذي يجمع العائلة.
في أحد الأيام، وبينما كان طارق يتحدث مع خالد على الهاتف، استطاع أن يلمح اسمًا متكررًا في حديثه، اسم لم يكن مألوفًا. "اسم 'سالم' كان يتردد كثيرًا في كلامه. كان يتحدث عن 'التنسيق مع سالم' وعن 'اجتماعات مع سالم'. هل هذا الشخص جزء من خطته؟" سأل طارق عائشة في رسالته التالية.
"سالم؟" فكرت عائشة. لم تسمع بهذا الاسم من قبل. "جدتي، هل اسم سالم مرتبط بحسن أو بخالد؟"
نظرت السيدة فاطمة إلى عائشة بتفكير. "سالم... نعم، أتذكر اسمًا قريبًا. كان هناك رجل يدعى سالم، كان يعمل مع حسن في بعض الصفقات المشبوهة. لم يكن معروفًا جيدًا، وكان يعمل في الظل. لابد أنه هو".
"إذا، خالد ليس وحده. لديه مساعدون. وربما هؤلاء المساعدون هم من يديرون العمليات القذرة".
"بالتأكيد"، أكدت السيدة فاطمة. "نحن بحاجة إلى معرفة المزيد عن سالم. عن هويته، وعن مكانه. لعل في هذا الاسم مفتاحًا لكشف كل شيء".
بدأ المهندس أحمد وجهوده في البحث عن سالم. كانت مهمة صعبة، فالرجل يعمل في الظل، ولا يترك أثرًا. لكنه استعان ببعض أصدقائه في عالم المال والأعمال، وبدأ يجمع المعلومات.
في هذه الأثناء، كانت عائشة تشعر بتغير في تصرفات زوجها، أحمد. كان يبدو أكثر هدوءًا، وأكثر تركيزًا على عمله. كانت تشعر بأنه يخفي عنها بعض الأمور، لكنها وثقت به، وعلمت أنه يفعل ذلك لحمايتها.
"لماذا أنت هادئ جدًا اليوم يا أحمد؟" سألته وهي تحتضنه. "هل هناك شيء يقلقك؟"
ابتسم أحمد، وقبل جبينها. "لا تقلقي يا حبيبتي. كل شيء تحت السيطرة. لدي بعض الأفكار الجديدة بشأن العمل. سأكون مشغولاً بعض الشيء في الأيام القادمة، لكن لا تقلقي".
"أعلم أنك تعمل على شيء مهم"، قالت عائشة. "ولكني دائمًا هنا، لأدعمك. مهما كان الأمر، سنتجاوزه معًا".
"وهذا ما يجعلني أقوى"، أجاب أحمد، وهو يشدها إليه. "حبك، ودعمك، هما سر قوتي".
كانت تلك الأيام تحمل في طياتها الكثير من الأسرار. كل كلمة، كل نظرة، كل حركة، كانت تحمل معنى. كانت عائلة أحمد تعمل كخلية نحل، كل فرد يعرف دوره، ويؤديه بإتقان. لم يكن الخوف هو المسيطر، بل العزيمة والإيمان.
في أحد الأيام، بينما كان طارق يتفقد أحد الأماكن التي ذُكرت في حديث خالد، استطاع أن يلتقط صورًا لجواز سفر كان على مكتب. كان الاسم الموجود عليه هو "سالم الأيوبي".
"سالم الأيوبي!" صاح طارق بصوت خفيض وهو يعود إلى منزله. "وجدته! إنه سالم الأيوبي".
أسرعت عائشة إلى جدتها وأبيها، حاملة الهاتف الذكي الذي يحوي الصور. "وجدنا سالم الأيوبي يا أبي، يا جدتي! هذه صورته، وهذا جواز سفره".
نظر المهندس أحمد والسيدة فاطمة إلى الصور بتركيز. "سالم الأيوبي... هذا الاسم يبدو مألوفًا. كان له علاقات مع بعض رجال الأعمال الذين كانوا يتعاملون مع حسن في السابق".
"إذا، هو جزء من الشبكة القديمة"، قالت السيدة فاطمة. "نحن الآن نعرف الاسم. هذا يسهل علينا الكثير".
"المهم الآن هو كيف نستغل هذه المعلومة"، قال المهندس أحمد. "خالد يعتقد أنه يسيطر على الموقف، وأنه يسير بخطته بنجاح. علينا أن نستخدم هذا لصالحنا. يجب أن نجعل سالم الأيوبي يظهر، حتى نستطيع الإيقاع بهما معًا".
شعر الجميع بأنهم اقتربوا من الهدف. الصدمة الأولى من كشف هوية خالد، بدأت تتحول إلى قوة دفع نحو مواجهة النهاية. كانوا يعلمون أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الأسوأ قد يكون قادمًا. لكنهم كانوا مستعدين. كانوا أربعة قلوب تدق كقلب واحد، مستعدين لمواجهة أي تحدٍ، ومستعدين للفوز.
كانت السماء صافية في الخارج، والنجوم تضيء الظلام. لكن داخل منزل أحمد، كانت العاصفة تتشكل، عاصفة من الحق، والعدل، والثبات. عاصفة كانت على وشك أن تجتاح كل ما بناه خالد من أكاذيب وظلام.