نصفي الآخر الجزء الثالث
فخ الثقة والخيانة
بقلم فاطمة النجار
كانت الأجواء في منزل المهندس أحمد مشحونة بالترقب، كل خطوة محسوبة، وكل همسة لها معنى. بعد اكتشاف هوية سالم الأيوبي، الرجل الغامض الذي كان يعمل مع خالد، ازدادت عزيمة العائلة على إنهاء هذا الفصل المظلم من حياتهم. السيدة فاطمة، بخبرتها وحكمتها، كانت العقل المدبر لكل خطوة. كانت ترسم خططًا معقدة، تتطلب دقة في التنفيذ، وصبرًا لا ينتهي.
"يجب أن نجعل سالم الأيوبي يظهر بشكل رسمي"، قالت السيدة فاطمة في إحدى الاجتماعات الليلية التي جمعت العائلة. "خالد يعتمد عليه بشكل كبير، وإذا اختفى سالم، أو تم الكشف عن أمره، سيصاب خالد بالهلع. هذا ما نريده. أن نجعله يتصرف بعشوائية".
"ولكن كيف نجعله يظهر؟" سأل المهندس أحمد. "إنه رجل يحب الظل".
"هذا ما سنعمل عليه"، قالت السيدة فاطمة بابتسامة خبيثة. "طارق، أنت ستكون مفتاحنا. خالد يثق بك، ولا يتوقع منك أي حركة مريبة. هل يمكنك أن توحي له بأنك على وشك التواصل مع شخص آخر، شخص قد يكون 'منافسًا' لخالد في الحصول على 'صفقات'؟"
بدا التفكير على وجه طارق. "منافس؟ من تقصد؟"
"شخص يعرف سالم الأيوبي، وربما يمكنه ربط خالد به بشكل أوسع"، قالت عائشة. "سنحتاج إلى شخص يعرف قوانين اللعبة، ويعرف كيف يتصرف في عالم الأعمال المظلم".
"ولكننا لا نعرف أحدًا كهذا"، قال طارق بقلق.
"هذا هو دورنا"، قال المهندس أحمد. "لقد تواصلت مع بعض المعارف القدامى. هناك رجل، يدعى السيد جابر، كان صديقًا قديمًا لوالدك. كان لديه علاقات واسعة في عالم الأعمال، ولكنه اختفى لفترة. يبدو أنه قد عاد الآن، وبدأ يعيد بناء سمعته. أعتقد أنه سيكون الشخص المناسب للعب هذا الدور".
"وهل يدرك السيد جابر ما يحدث؟" سأل طارق.
"لقد شرحت له جزءًا من الوضع. أظهرت له بعض الأدلة الأولية عن أنشطة خالد وسالم. إنه متحمس للمساعدة. يعتقد أن الأمر يتعلق باستعادة بعض الأموال المنهوبة، وقد سمع قصصًا عن خالد، لكنه لم يتأكد من هويته. سيلتقي بك غدًا، ليتعرف عليك، وليبدأ في لعب دوره".
شعر طارق بارتياح. لم يعد الأمر يعتمد عليه وحده. كان لديه الآن فريق كامل يعمل معه.
في اليوم التالي، التقى طارق بالسيد جابر في أحد المقاهي الهادئة. كان السيد جابر رجلًا يبدو عليه الوقار، بعينين ذكيتين تخفيان الكثير. بدأ الحديث بشكل ودي، ثم تطرق إلى عالم الأعمال.
"سمعت أنك تبحث عن فرص جديدة يا طارق"، قال السيد جابر. "وأنك على تواصل مع بعض الأشخاص الأقوياء".
"نعم يا سيدي"، أجاب طارق. "ولكن الأمور ليست دائمًا واضحة. هناك الكثير من الغموض في هذا العالم".
"هذا صحيح"، قال السيد جابر. "ولكن هناك دائمًا من يعرف كيف يتعامل مع الغموض. مثلاً، أعرف أنك على اتصال بخالد. رجل مثير للاهتمام، ولكنه ليس الوحيد في الساحة. هناك آخرون، ربما يكونون أكثر نفوذًا، وأكثر قدرة على تقديم لك ما تريد".
"هل تقصد؟" سأل طارق بفضول مصطنع.
"أعرف شخصًا يدعى سالم الأيوبي"، قال السيد جابر بصوت خفيض. "رجل لا يظهر أبدًا، ولكنه يقف وراء الكثير من الصفقات الكبرى. إذا استطعت أن تصل إليه، فقد تحصل على ما لم تحصل عليه من خالد".
شعر طارق بقلبه يخفق بقوة. لقد كانت هذه هي اللحظة. "سالم الأيوبي؟ لم أسمع به من قبل. هل هو حقًا بهذه القوة؟"
"أكثر مما تتخيل"، قال السيد جابر. "لكنه لا يتعامل مع أي شخص. لابد أن تثبت له أنك تستحق اهتمامه. ربما، إذا استطعت أن تظهر له أنك قادر على الحصول على معلومات سرية، أو أنك على استعداد لتقديم تنازلات كبيرة، فقد يقبل بك".
اتفق طارق مع السيد جابر على خطة. سيقوم طارق بتوصيل معلومات "غير مهمة" في البداية إلى خالد، لكنها ستكون موجهة لكي تلفت انتباه سالم الأيوبي. ستكون المعلومات "مزيفة" جزئيًا، لكنها ستشير إلى فرصة استثمارية كبيرة، يمكن لسالم أن يستفيد منها.
"هذه هي نقطة الضعف لديهم"، قالت السيدة فاطمة لاحقًا. "طمعهم. خالد وسالم، كلاهما جشع. سنستغل هذا الطمع لنجعلهم يكشفون عن أنفسهم".
وبالفعل، بدأ طارق في تنفيذ الخطة. كان يرسل لخالد رسائل غامضة، تتحدث عن "فرصة ذهبية" قادمة، وأن لديه معلومات قد تكون "بالغة الأهمية" لـ "أشخاص معينين". كان خالد، بفضوله المعتاد، يتلقف هذه المعلومات، ويحاول استنباطها.
"ما الذي تتحدث عنه يا طارق؟" سأل خالد في إحدى المكالمات. "هل لديك معلومات سرية؟"
"نعم يا خالد"، أجاب طارق بلهجة متهيبة. "لدي معلومات عن استثمار جديد، في مجال التكنولوجيا، يبدو أنه سيحقق أرباحًا هائلة. لكنني لست متأكدًا من التفاصيل، وأعتقد أن هناك شخصًا آخر قد يكون مهتمًا جدًا بهذه المعلومات. شخص لا يحب المشاركة".
"من هذا الشخص؟" سأل خالد بلهفة.
"لا أعرف اسمه الحقيقي، ولكنه يُعرف باسم 'الظل' في بعض الأوساط. يقال أنه قادر على رؤية المستقبل المالي".
كان خالد يعرف من هو "الظل". كان يتحدث عن سالم الأيوبي. شعر بسعادة غامرة. هذه فرصة مثالية لتقوية علاقته مع سالم، ولإظهار قوته. "اسمع يا طارق"، قال خالد. "إذا كانت هذه المعلومات قيمة حقًا، فإن سالم سيكون سعيدًا. وسيكون أنا الوسيط. أعطني كل ما لديك، وسأضمن لك أن الجميع سيحصل على ما يريد".
كان هذا بالضبط ما أرادته العائلة. إيقاع خالد في الفخ.
في نفس الوقت، كانت السيدة فاطمة تعمل على شيء آخر. كانت تبحث في سجلات العقارات القديمة، عن أي ارتباط بين حسن، والد خالد، وبين رجل يدعى "محمد الأيوبي".
"لقد وجدت شيئًا!" هتفت السيدة فاطمة ذات يوم. "حسن كان يمتلك قطعة أرض في منطقة نائية، مسجلة باسم شخص يدعى 'محمد الأيوبي'. ولكنها أُعيد تسجيلها لاحقًا باسم حسن. هل يمكن أن يكون سالم هو محمد؟"
"من المحتمل جدًا"، قال المهندس أحمد. "لقد غير اسمه. إنه يحاول إخفاء آثاره. هذه الأرض قد تكون مفتاحًا لفهم ما يبحث عنه خالد. ربما هناك شيء مدفون هناك".
بدأ المهندس أحمد في البحث عن هذه الأرض. كانت مهمة شاقة، فالقضايا العقارية القديمة معقدة. لكنه لم ييأس. كان يشعر بأنهم على وشك كشف الحقيقة كاملة.
وفي إحدى الليالي، بينما كان طارق يلتقي بخالد، قدم له خالد تفاصيل عن "اجتماع مهم" سيحضره سالم الأيوبي. كان الاجتماع في مكان منعزل، في مزرعة قديمة خارج المدينة.
"يجب أن تحضر يا طارق"، قال خالد. "هذا هو المكان الذي ستقابل فيه سالم وجهًا لوجه. ستتم مناقشة كل شيء هناك. ستكون بداية مرحلة جديدة".
شعر طارق ببرودة تسري في عروقه. هذه كانت فرصة، ولكنه أيضًا كان خطرًا كبيرًا. "هل أنا متأكد من هذا؟" تساءل في نفسه. "هل أنا مستعد لهذه المواجهة؟"
في ذلك المساء، أخبر طارق عائشة بكل التفاصيل. "المكان، الزمان، الأشخاص. كل شيء واضح. لكنني أشعر بالقلق. هذا المكان يبدو خطيرًا".
"لا تقلق يا طارق"، قالت عائشة وهي تضم يديه. "لقد فكرنا في كل الاحتمالات. أبي وجدتي أعدوا خطة بديلة. إذا حدث أي شيء، ستعرفون ما يجب فعله. أنت لست وحدك".
كانت الكلمات مطمئنة، لكن القلق ظل يساور طارق. كان يعلم أن هذه هي اللحظة الحاسمة. لحظة قد تكشف كل شيء، أو تودي به إلى المجهول. لقد وُضع في فخ الثقة، ولكنه كان على وشك أن يحول هذا الفخ إلى سلاح.