نصفي الآخر الجزء الثالث
خيوط الماضي في نسيج الحاضر
بقلم فاطمة النجار
كانت رائحة التراب المبلل بالندى تتصاعد في الأجواء، ممزوجة بعبق الياسمين الذي يملأ حديقة منزل "ليلى" القديم. كانت تقف في غرفة والدها، التي ظلت على حالها منذ رحيله، كأن الزمن قد توقف فيها. الأوراق مبعثرة على المكتب الخشبي الثقيل، والكتب التاريخية مصفوفة بعناية على الرفوف. شعرت "ليلى" بأنها غريبة في هذا المكان الذي كان يضج بحياة والدها.
"أبي، يا ليتك هنا." همست، وعيناها تفيضان بالدموع. كانت تتذكر جده، رجلاً حكيماً وعالماً، كان شغوفاً بالتاريخ والآثار. لقد ورثت منه حبه للمعرفة، ومن والدتها، معلمة اللغة العربية، شغفها بالكلمة.
بدأت "ليلى" بجمع الأوراق المتناثرة. كانت معظمها عبارة عن حسابات ومخططات لمشروع "المرجان". لكن بينها، وجدت مجلداً قديماً مغلفاً بالجلد البني، كان يبدو مختلفاً عن الآخرين. مكتوب على غلافه بخط يد والدها الأنيق: "يوميات الرحلات".
فتحت "ليلى" المجلد بحذر. كانت الصفحات مكتوبة بخط والدها، وهي تسجيلات لرحلات قام بها في شبابه، قبل أن يصبح رجل أعمال ناجحاً. كانت تتحدث عن مغامرات، عن لقاءات مع شخصيات غامضة، وعن اكتشافات أثرية صغيرة. لم تكن تعرف شيئاً عن هذه الجانب من حياة والدها.
قلبت الصفحات، ورأت رسومات بسيطة لوجوه وأماكن، وبعض الأبيات الشعرية التي كان يكتبها. ثم، في صفحة ما، وجدت ورقة صفراء قديمة مطوية. كان يبدو أنها مفصولة عن المجلد. فتحتها "ليلى" بصعوبة، حيث كانت هشة بفعل الزمن. كانت صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود.
كانت صورة لزوجين شابين يقفان بجوار سيارة قديمة. الرجل كان والديها في شبابهما، مبتسمين وسعيدين. لكن المرأة التي كانت تقف بجانب والدتها، لم تكن "الحاجة فاطمة". كانت امرأة شابة جميلة، ذات ملامح حزينة بعض الشيء. ولم تكن هناك أي تعليقات تحت الصورة.
شعرت "ليلى" بقشعريرة تسري في جسدها. من هذه المرأة؟ ولماذا لم تذكرها والدتها قط؟ واصلت البحث في "يوميات الرحلات"، وكانت تلاحظ أن والدها لم يذكر أي شيء عن هذه المرأة. هل كانت مجرد صديقة قديمة؟ أم أن هناك قصة أعمق؟
ثم، في الصفحات الأخيرة من المجلد، وجدت "ليلى" فقرة مكتوبة بخط والدها، لكن بنبرة مختلفة، تحمل عمقاً وشجناً. "لقد اكتشفت ما لم يكن في الحسبان. قوة تسعى للسيطرة، وحقيقة مطمورة تحت غبار الزمن. لقد التقيت بروح طالما بحثت عنها، لكن الأقدار فرقتهما. أخشى أن تكون هذه المعرفة سيفاً ذو حدين. أدعو الله أن يحفظ أهلي ومن أحب."
كانت هذه الكلمات غامضة، لكنها جعلت "ليلى" تشعر بأن هناك سراً عائلياً كبيراً، ربما مرتبطاً بمشروع "المرجان" وبالشخصيات الغامضة التي ذكرها والدها.
"ليلى! هل وجدتي شيئاً؟" صوت "الحاجة فاطمة" أعادها إلى الواقع. "نعم يا أمي. وجدت هذا المجلد. وفيه… وجدت هذه الصورة." قدمت "ليلى" الصورة لوالدتها. نظرت إليها "الحاجة فاطمة" بتفاجؤ، ثم امتلأت عيناها بدموع لم تكن "ليلى" قادرة على تفسيرها.
"من هذه المرأة يا أمي؟" سألت "ليلى" بصوت مرتجف. تنهدت "الحاجة فاطمة" بصعوبة. "هذه… هذه 'سارة'." "سارة؟ من هي سارة؟" "لقد كانت… لقد كانت صديقة لوالدك. بل أكثر من صديق في فترة ما. قبل أن يلتقي بي."
شعرت "ليلى" بالصدمة. لم تتوقع أبداً أن يكون لوالدها علاقة سابقة بهذا العمق. "لماذا لم تخبريني قط؟" "كان الأمر صعباً يا ابنتي. لقد كان ذلك قبل لقائنا. وقد حدث بينهما أمر لم يكن سعيداً. لقد اختفت 'سارة' فجأة، ولم نسمع عنها شيئاً بعدها. لقد آلمت والدك كثيراً، وهذا الألم جعله يتوجّه إلى العمل والتخطيط للمستقبل. ربما كانت صفقة 'المرجان' هي التي جمعتهما في وقت ما."
"لكن… في هذه اليوميات، كتب أبي عن 'روح طالما بحثت عنها'. هل كان يتحدث عن 'سارة'؟" "لا أعتقد ذلك يا ابنتي. إن 'سارة' قد رحلت، وكان لوالدك حكمة أكبر منه. ربما كان يبحث عن شيء آخر. شيء يتعلق بالحقيقة والعدل."
كانت "ليلى" تشعر بأنها تقف على مفترق طرق. كلما تعمقت في البحث، كلما اكتشفت أسراراً جديدة، وألغازاً أكثر تعقيداً. كانت صورة "سارة" في يدها، وكلمات والدها الغامضة في عقلها. هل كانت "سارة" هي "نصفي الآخر" الذي لم يعرفه والدها؟ أم أن "نصفي الآخر" هو شيء آخر تماماً؟
*
في تلك الأثناء، كان "أحمد" قد وصل إلى مكتب "طارق"، المحامي. كان المكتب يقع في أحد الأبراج الزجاجية الشاهقة، ويعكس أناقة وفخامة صاحبه. "أهلاً بك يا سيد 'أحمد'. تفضل بالجلوس." استقبل "طارق" "أحمد" بابتسامة ودودة. "شكراً لك يا سيد 'طارق'." جلس "أحمد". "لقد طلبت منك تقريراً حول مشروع 'المرجان'."
"نعم، وقد أعددت لك تقريراً شاملاً. لقد تعمقت في كل جوانب المشروع، القانونية والإدارية." قال "طارق" وهو يسلم "أحمد" ملفاً سميكاً. "المشروع واعد جداً، وكان والدك، السيد 'إبراهيم'، قد وضع الأسس السليمة له. لكن هناك بعض المشاكل الصغيرة التي يجب معالجتها."
بدأ "أحمد" بتصفح التقرير. كان "طارق" قد أورد كل التفاصيل، من تراخيص البناء إلى اتفاقيات الشراكة. لكن "أحمد" لاحظ وجود ملاحظات غريبة في بعض الصفحات.
"ما هذه الملاحظات هنا؟ 'شكوك حول صحة بعض التراخيص'؟ وماذا يعني هذا؟" سأل "أحمد". "آه، هذا… هذا مجرد إجراء روتيني يا سيدي. في مثل هذه المشاريع الكبيرة، قد تظهر بعض التناقضات الصغيرة التي يتم حلها بالتشاور مع الجهات المختصة." قال "طارق" بسرعة، وبدا عليه بعض التوتر.
"لكن 'شكوك' ليست 'تناقضات صغيرة' يا سيد 'طارق'. هل هناك ما تخفيه عني؟" سأل "أحمد" بحدة. تراجع "طارق" قليلاً. "لا أبداً يا سيدي. الأمر فقط أن بعض الوثائق التي قدمها الفريق السابق قد تكون ناقصة. وقد نحتاج إلى بعض الوقت لجمعها."
"الفريق السابق؟ هل تقصد فريق والدك؟" "نعم، بالطبع. بعد وفاته، استلمت أنا الملف."
كان "أحمد" يدرك أن "طارق" لا يقول الحقيقة كاملة. كان لديه شعور بأن هناك شيئاً ما يحدث في الظل. "هل سمعت أي شيء عن منافسين يسعون للاستيلاء على هذا المشروع؟" سأل "أحمد". "هناك بعض المنافسين التقليديين يا سيدي. لكنهم لا يملكون القدرة على التأثير على مجريات الأمور بهذه الطريقة. الأمر الذي أرى أنه قد يكون مقلقاً هو… بعض التصرفات غير المتوقعة من قبل بعض أصحاب العقارات المجاورة، والذين بدا أنهم يتلقون توجيهات من جهة ما."
"توجيهات من جهة ما؟ من هذه الجهة؟" "لا أستطيع تحديدها بدقة. لكن هناك شعور بأن الأمر أكبر من مجرد نزاعات تجارية عادية."
شعر "أحمد" بأن رأسه يدور. بدأ كل شيء يزداد تعقيداً. لم يعد الأمر يتعلق فقط بصفقة عقارية. كان هناك شيء أعمق، شيء مظلم، يتكشف أمامه.
"شكراً لك يا سيد 'طارق'. سأحتاج إلى بعض الوقت للتفكير في هذا التقرير." قال "أحمد" وهو يقف. "على الرحب والسعة سيدي. وإذا احتجت لأي شيء، فلا تتردد في الاتصال بي."
خرج "أحمد" من المكتب، وشعر بثقل العالم كله على كتفيه. كان يعلم أن هذه الصفقة، التي كان يتمنى أن تكون فرصة ذهبية، قد تكون بداية لمغامرة خطيرة. وكان عليه أن يكون قوياً، وأن يكشف كل الحقائق، مهما كانت مؤلمة.