نصفي الآخر الجزء الثالث
ساعة الصفر واللحظة الفاصلة
بقلم فاطمة النجار
كانت عقارب الساعة تتقدم ببطء، وكأنها تتثاقل متعمدة، تزيد من حدة التوتر الذي يخيم على منزل المهندس أحمد. لم يكن مجرد انتظار، بل كان استعدادًا لمعركة، معركة لا تعتمد على القوة العضلية، بل على الذكاء، والصبر، والإيمان. طارق، الشاب الذي تحول من طالب جامعي عادي إلى بطل في مسرحية القدر، كان يستعد للخطوة الأخيرة.
"هل أنت متأكد من أنك تعرف الطريق جيدًا؟" سألت عائشة شقيقها، وهي تضع يدها على كتفه، وعيناها تشعان بالقلق والقوة في آن واحد. "لا نريد أي تأخير. ولا نريد أن نضيع أي فرصة".
"نعم، يا عائشة. لقد قمت بتتبع الطريق ثلاث مرات اليوم. المكان يبدو معزولًا جدًا، ولكن يمكن الوصول إليه عبر طريق فرعي قديم. الخطة واضحة. سأقوم بتزويدكم بتحديثات مستمرة عبر الرسائل القصيرة، وعندما أصل إلى هناك، سأنتظر إشارة منكم".
"الإشارة ستكون عند وصولنا نحن"، أكد المهندس أحمد. "لقد جهزنا كل شيء. جدتك أعدت خطة للمواجهة، وقد تم إبلاغ بعض الجهات الموثوقة بتفاصيل العملية. لن تكون وحدك، طارق. نحن معك قلوبًا وأفعالًا".
كانت السيدة فاطمة، رغم تقدم سنها، تتمتع بذهن يقظ كعقرب. كانت تضع اللمسات الأخيرة على خريطتها، وعلى قائمة الأسماء التي يجب مراقبتها. "تذكر يا طارق، هدفنا الأساسي هو كشف خالد وسالم. لا تهتم كثيرًا بالصفقات أو بالمنافسة. أنت عيننا هناك. إذا شعرت بأي خطر، أو رأيت شيئًا خارجًا عن المألوف، عليك أن تخبرنا فورًا".
"سأفعل يا جدتي"، وعد طارق.
كانت مهمة طارق هي التسلل إلى مزرعة خالد القديمة، وهي مكان كان يستخدمه خالد كمركز اجتماعات سري. كان خالد يتوقع لقاء سالم الأيوبي هناك لمناقشة "الصفقة الكبرى" التي وعده بها طارق. ولكن في الحقيقة، كان خالد يخطط لمواجهة طارق، لدفعه إلى الاعتراف بكل ما يعرفه عن خطط عائلته.
"هل أنت متأكد أن خالد لن يكتشف أننا نعرف كل شيء؟" سألت عائشة.
"لا أعتقد ذلك"، أجاب والدها. "لقد لعبنا دورنا جيدًا. خالد يعتقد أن طارق هو مجرد شاب ساذج، يسعى وراء المال. وأنه يمكن السيطرة عليه. وهذا الاعتقاد هو نقطة ضعفه. سالم الأيوبي، على الرغم من حذره، يعتمد على خالد، وعلى سذاجة طارق. لن يتوقعوا أننا سنكون مستعدين لمواجهتهم في عقر دارهم".
في تلك الليلة، وبينما كان الظلام يلف المدينة، انطلق طارق في سيارته. كان قلبه يتدفق دماءً باردة، وعقله مركزًا على المهمة. مر بالطريق الفرعي الوعر، ثم وصل إلى المزرعة. كانت مظلمة، وهادئة بشكل مخيف. أوقف سيارته في مكان بعيد، وبدأ يتسلل نحو المبنى الرئيسي.
من خلال نافذة مظلمة، استطاع أن يرى خالد جالسًا في غرفة المعيشة، ينتظر. لم يكن هناك أثر لسالم الأيوبي بعد. شعر طارق ببعض الارتياح، ثم بدأ يجمع معلومات إضافية، يراقب كل شيء.
بعد حوالي ساعة، وصل سيارة أخرى، وتوقف بها رجل يبدو أنه سالم الأيوبي. كان رجلاً نحيفًا، بوجه عابس، وعينين حادتين. دخل إلى المزرعة، والتقى بخالد.
بدأت المحادثات، وكان طارق يتلقى الرسائل التي يرسلها له. "لقد وصل سالم. يبدو أنه غاضب قليلاً. يتحدث عن 'تأخيرك' يا خالد. يجب أن أذهب الآن. سأدخل وألعب دوري".
كان دور طارق هو أن يدخل، متظاهرًا بأنه قد تأخر، وبأنه لديه معلومات إضافية عن "الصفقة" التي سيسعد بها سالم. ولكن في حقيقة الأمر، كانت خطة عائشة ووالدها وجدتها مختلفة قليلاً.
بينما كان طارق يستعد لدخول المبنى، كانت عائشة ووالدها وجدتها قد وصلوا إلى محيط المزرعة. لم يدخلوا مباشرة. لقد اختاروا مكانًا قريبًا، يمكنهم منه مراقبة الوضع، وفي نفس الوقت، يمكنهم إعطاء طارق الإشارة الأخيرة.
"هل أنت مستعد يا أحمد؟" سألت السيدة فاطمة.
"نعم يا أمي. كل شيء جاهز. إنها اللحظة الحاسمة".
"اللهم إنا نستودعك ولدينا، ونستودعك هذه المهمة