نصفي الآخر الجزء الثالث

همسات في سوق القدماء

بقلم فاطمة النجار

تغلغلت أشعة الشمس الذهبية بين أزقة سوق "القدماء"، تخترق ظلال الأقمشة الملونة والبضائع المتراصة. كانت روائح البهارات والتوابل تمتزج بعبق العود والبخور، في سيمفونية عطرة تتردد أصداءها في المكان. كانت "ليلى" تسير بخطى هادئة، متخفية خلف حجاب سميك، وعيناها تبحثان عن وجه مألوف.

كانت قد تلقت رسالة عبر تطبيق مراسلة مشفر، من شخص يدعى "المرشد"، يعدها بمساعدتها في البحث عن أوراق والدها، وأن لقاءهما سيكون في هذا السوق. كان "المرشد" رجلاً غامضاً، لم تكشف هويته قط، لكنه كان دائماً يقدم لها معلومات قيمة بطرق غير مباشرة.

"آه، أخيراً." همست "ليلى" عندما رأت رجلاً عجوزاً جالساً على مقعد خشبي في زاوية هادئة، ينظر إلى صفحة كتاب قديم. كان يبدو كأنه جزء من هذا المكان التاريخي.

اقتربت "ليلى" منه بحذر. "هل أنت 'المرشد'؟" التفت الرجل العجوز ببطء، وعيناه ذبلتان لكن تحملان لمعة حكمة. "أنتِ 'الحمامة'؟" "الحمامة" هو الاسم الرمزي الذي أطلقه عليها "المرشد". ابتسمت "ليلى" ابتسامة خفيفة. "نعم، أنا هي."

"اجلسي يا ابنتي. الوقت ضيق، والمكان ليس آمناً دائماً." قال العجوز، وأشار إلى المكان الفارغ بجانبه. جلست "ليلى" بجانبه، وقلبها يدق بعنف.

"لقد علمت أنكِ تبحثين عن أوراق زوجك الراحل. أوراق تتعلق بمشروع 'المرجان'." قال العجوز دون مقدمات. "نعم. هل تعرف شيئاً عنها؟" سألت "ليلى" بلهفة.

"أعرف أن هناك من يحاول الاستيلاء على هذا المشروع بطرق ملتوية. وأن الأوراق التي تبحثين عنها، قد تحتوي على دليل دامغ يدين هؤلاء." "ولكن من هم هؤلاء؟ ومن يستطيع مساعدتي؟" "ليسوا شخصاً واحداً، بل مجموعة. يسعون للربح السريع، حتى لو كان ذلك على حساب سمعة الآخرين. أما عن المساعدة… فالحقيقة، أنتِ لستِ وحدكِ. هناك شخص آخر مهتم بهذا المشروع، ويريد أيضاً كشف الحقائق."

"من هو؟" "اسمه 'أحمد'. وهو رجل معروف في عالم الأعمال. لقد علمت أنه بدأ يشعر بالشكوك. وإذا تعاونتما، فربما تستطيعان تحقيق ما تريدان."

كانت هذه المعلومة مفاجئة لـ "ليلى". هل حقاً هناك من يساعدها؟ وهل هو رجل أعمال كبير؟ "هل تعرفين 'أحمد'؟" سألت "ليلى". "ليست معرفة شخصية، بل معرفة من خلال الأعمال. لكنني سمعت أنه رجل نزيه. ولديه أساليب خاصة في كشف الحقائق. أظن أنه قد يكون في طريقه إلى هنا، للبحث عن بعض المعلومات."

"في طريقه إلى هنا؟ إلى سوق 'القدماء'؟" "نعم. إنه مكان جيد لجمع المعلومات. فمنذ القدم، كان هذا السوق شاهداً على الكثير من الصفقات، منها ما هو شفاف، ومنها ما هو خفي."

"هل هناك أي شيء آخر يمكن أن تخبرني به عن 'سارة'؟ المرأة التي رأيتها في صورة والدي؟" سألت "ليلى" فجأة، وشعرت بأن هذا السؤال يخرج منها دون وعي.

تغيرت ملامح العجوز قليلاً. نظر إلى "ليلى" نظرة طويلة، وكأنما يقرأ في أعماق روحها. "آه، 'سارة'. اسم قديم. قصة معقدة. لقد كانت… كانت شخصية مؤثرة في حياة الكثيرين. لكن قصتها لم تنتهِ بالسعادة. لقد رحلت تاركة وراءها ألغازاً."

"هل هي مرتبطة بمشروع 'المرجان'؟" "كل شيء مترابط يا ابنتي. الماضي والحاضر، والحقيقة والخيال. 'سارة' كانت تمتلك شيئاً ذا قيمة. شيئاً يريده الكثيرون. ربما هو مفتاح حل هذه القضية."

"شيء ذو قيمة؟ ماذا تقصد؟" "ليس لدي وقت لشرح كل شيء. ولكن، إذا قابلتِ 'أحمد'، تحدثي معه عن 'سارة'. قد يفهم ما أعنيه. إنها تشبه 'نصفي الآخر' الذي يتذكره كل منا في قلبه."

نهض العجوز، ومد يده إلى "ليلى". "خذي هذه. ربما تكون مفيدة لكِ." كانت ورقة قديمة، عليها بعض الرموز الغريبة. "ما هذا؟" سألت "ليلى". "هذه خريطة بسيطة. لقد تركها والدك. قد تقودك إلى شيء مهم."

"خريطة؟ إلى أين؟" "إلى حيث تلتقي الحقيقة بالخيال. وإلى حيث تبدأ قصتك الحقيقية."

ودع "المرشد" "ليلى" في السوق، وعاد إليها شبح الغموض. نظرت إلى الخريطة، ثم إلى الشارع المزدحم. هل كانت على وشك لقاء "أحمد"؟ وهل ستتمكن من كشف أسرار والدها؟

*

كان "أحمد" يتجول في سوق "القدماء"، يتفحص البضائع، ويستمع إلى أحاديث الباعة. كان يبحث عن أي معلومة قد تقوده إلى فهم أعمق لمشروع "المرجان". كان يعلم أن هذا السوق مليء بالأسرار، وأن هناك من يبيع ويشتري المعلومات كما يبيع ويشتري البضائع.

"ماذا تريد يا سيدي؟" سأله بائع عطور قديمة. "أبحث عن بعض المعلومات. عن صفقة كبيرة كانت تجري هنا مؤخراً." "صفقات كثيرة تجري هنا يا سيدي. لكن 'المرجان'؟ نعم، سمعت عنها. كانت صفقة كبيرة، لكن يبدو أن هناك من يريد إفسادها."

"من هو؟" "لا أحد يعرف الاسم بالضبط. لكنهم رجال ذوو نفوذ. يبدو أنهم لا يريدون للمال أن يذهب إلى أيدي الورثة."

"الورثة؟ هل تقصد ورثة السيد 'إبراهيم'؟" "نعم. سمعت أن ابنه 'خالد' يعمل على كشف الحقيقة. لكنه يواجه الكثير من المشاكل."

كان "أحمد" قد سمع عن "خالد" من قبل. شاب طموح، لكنه كان في الظل حتى الآن. "هل سمعت عن امرأة تدعى 'سارة'؟" سأل "أحمد" فجأة، مستذكراً كلمات "المرشد" التي سمعها من مصدر آخر.

توقف البائع عن الكلام، ونظر إلى "أحمد" بتمعن. "سارة؟ اسم سمعته منذ زمن بعيد. كانت فنانة موهوبة، لكنها اختفت فجأة. تقول الأساطير إنها كانت تملك شيئاً ثميناً، شيئاً لا يقدر بثمن." "شيء ثمين؟ ما هو؟" "لا أحد يعرف على وجه التحديد. ربما كانت لوحة فنية، أو قطعة أثرية. المهم أنها كانت سبباً في اختفائها."

شعر "أحمد" بأن خيوط اللغز بدأت تتشابك. "سارة"، "نصفي الآخر"، لوحة فنية، مشروع "المرجان". كل هذه العناصر بدأت تتجمع في رأسه. "شكراً لك." قال "أحمد" للبائع.

واصل "أحمد" سيره في السوق، يشعر بنبض الحياة من حوله، لكنه كان يدرك أن هناك عالماً آخر مخفياً، عالماً من المؤامرات والأسرار. هل كان على وشك اكتشاف الحقيقة؟ وهل كانت "ليلى" هي الشخص الذي سيساعده في ذلك؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%