نصفي الآخر الجزء الثالث

أشباح الماضي في دهاليز الروح

بقلم فاطمة النجار

في صباح اليوم التالي، استيقظت "ليلى" على نداءٍ صامتٍ من واجبها، وعلى صدى الأسئلة التي لم تجد لها إجاباتٍ شافية. حملت كوب قهوتها الساخنة، وتوجهت إلى شرفة جناحها المطل على الحديقة الغناء. كان الهواء منعشاً، وروائح الزهور البرية تختلط بعبير الندى، لكنّ روحها كانت لا تزال مشوشةً.

أصبح "خالد" بالنسبة لها لغزاً مركباً، تتشابك خيوطه بين الذكريات الجميلة والحقائق المؤلمة. كانت تلك الصور التي رأتها، والكلمات التي سمعتها، كدليلٍ ماديٍّ لا يمكن تجاهله، يكشف عن جانبه المظلم الذي طالما حاولت أن تخفيه عنه. لم يكن مجرد رجلٍ يمرّ بضائقةٍ مالية، بل كان يبدو وكأنه مدفوعٌ بقوى لا قِبل له بها، يتخبط بين طموحاتٍ جامحةٍ وحماقاتٍ مدمرة.

تذكرت محادثةً جرت بينها وبين "أمينة"، خادمة جدّها المخلصة، والتي قضت سنواتٍ طويلةٍ في خدمة هذه العائلة. كانت "أمينة" ذات وجهٍ طيب، وعينين تحملان حكمة السنين، لكنّ نظراتها كانت تحمل في بعض الأحيان شيئاً من الشفقة على "خالد".

"يا سيدتي ليلى،" قالت "أمينة" بصوتٍ هادئٍ وهي تعدّ لها الشاي. "السيد خالدٌ شابٌ طيب القلب، لكنّ الدنيا علمته دروساً قاسية. كان دائماً يحلم بالكثير، وكان سريع التأثر بمن حوله. أخشى عليه أن تكون قد تغلبت عليه بعض الأوهام، وأن تكون قد أوقعته في شباكِ من لا يخافون الله."

لم تفهم "ليلى" قصد "أمينة" تماماً في ذلك الوقت، لكنّ الآن، بدأت الصورة تتضح. كانت كلمات "أمينة" أشبه ببوصلةٍ ترشدها في خضمّ هذا الضباب. لقد أدركت أن "خالد" لم يكن مجرد ضحيةٍ لظروفٍ قاهرة، بل ربما كان له دورٌ في صناعة هذه الظروف، أو على الأقل، في السماح لها بالتفاقم.

كانت هناك قصصٌ تتردد في أرجاء القصر، همساتٌ عن صفقاتٍ مشبوهةٍ قام بها "خالد" قبل سفره، وعن أشخاصٍ سعى لاسترضائهم بطرقٍ ملتوية. بعض هذه القصص كانت تبدو مبالغاً فيها، لكنّ القاسم المشترك بينها جميعاً كان فكرة "الديون"، و"التهديدات".

في أحد الأيام، بينما كانت "ليلى" تتفقد بعض الأوراق القديمة في مكتبة جدّها، عثرت على دفتر ملاحظاتٍ صغيرٍ، بدا وكأنه يعود لـ"خالد". كانت صفحاته مليئةً بالأرقام، وبأسماءٍ غريبة، وبملاحظاتٍ متناثرةٍ تشير إلى اجتماعاتٍ سريةٍ، وإلى وعودٍ لم تفِ بها. كان كل سطرٍ يزداد غموضاً، ويكشف عن جانبٍ لم تكن تتخيله أبداً في "خالد".

"هل كنتَ تلعب بالنار يا خالد؟" تساءلت وهي تقلب الصفحات، والشعور بالخوف يتسلل إلى قلبها. "هل كنتَ تدرك عواقب أفعالك؟"

كانت تلك الأوراق أشبه بجمرةٍ تشتعل تحت الرماد، جاهزةً للانفجار في أي لحظة. لم يكن الأمر يتعلق بالماضي وحده، بل بالتهديدات التي كانت ماثلةً في الحاضر. لقد أدركت أن "خالد" لم يعد مجرد رجلٍ عاديٍّ يواجه صعوباتٍ مؤقتة، بل هو رجلٌ يصارع وحشاً قد يلتهمه بالكامل.

تذكرت كيف كان "خالد" يتجنب الحديث عن عمله، وعن طبيعة علاقاته. كان دائماً يختلق الأعذار، أو يغير الموضوع. في البداية، كانت "ليلى" تظن أن ذلك نابعٌ من رغبته في الحفاظ على خصوصيته، أو من حياءٍ عربيٍّ أصيل. لكنّ الآن، بدأت تدرك أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، وأن هناك شيئاً كان يخفيه، شيئاً قد يكون خطيراً.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت "ليلى" جالسةً في الصالون، سمعت صوتاً مشبوهاً قادماً من الخارج. كان صوت سيارةٍ تقف لبرهةٍ أمام بوابة القصر، ثم تغادر بسرعة. بعدها، رأيت "خالد" يخرج من إحدى الغرف الجانبية، وجهه شاحبٌ، وعيناه تحملان قلقاً شديداً. عندما سألته "ليلى" عن مصدر الصوت، قال بتوترٍ: "لا شيء يا ليلى، ربما بعض الزوار المتأخرين."

لكنّ نظرتها لم تخدعها. لقد رأت الخوف في عينيه، ورأت كيف كانت يداه ترتعشان قليلاً. هل كان هؤلاء "الزوار المتأخرون" هم نفس الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في دفتر ملاحظات "خالد"؟ هل كانوا يهددونه؟

"أنا لستُ مجرد فتاةٍ ساذجة يا خالد،" قالت في نفسها، وهي تشعر بالغضب يختلط بالخوف. "أنا لستُ دميةً تلعب بها، ولستُ غبيةً لدرجة ألا أرى ما يحدث."

كانت تلك الليالي تشبه سيمفونيةً من القلق والأرق. كل صوتٍ كان يحدث ضجةً في رأسها، كل ظلٍ كان يتحول إلى شبحٍ مخيف. كانت تشعر بأنها محاصرةٌ داخل جدران هذا القصر الفخم، ولكنها في نفس الوقت، تشعر بأنها على حافة الهاوية.

تذكرت مرةً، عندما كانت طفلةً صغيرة، أنها أضاعت لعبتها المفضلة. بحثت عنها في كل مكان، ولم تجدها. وعندما سألت والدتها، قالت لها بحنان: "الأشياء الثمينة يا حبيبتي، قد تضيع أحياناً، لكنّ الأهم هو أن نعرف كيف نبحث عنها، وأن نتحلى بالصبر."

لكنّ هذا لم يكن مجرد فقدانِ لعبة. كان فقدانَ ثقةٍ، وفقدانَ جزءٍ من الأمان الذي كانت تشعر به. لقد كانت "ليلى" تدرك أن حبها لـ"خالد" كان نابعاً من عمقٍ، ومن إيمانٍ بأن هذا الحب يمكن أن يبنيهما معاً، وأن يحميهما. ولكن الآن، بدأت هذه الثقة تتزعزع.

هل كان "خالد" مدمنٌ على شيءٍ ما؟ هل كان غارقاً في ديونٍ لم يعد يستطيع الخروج منها؟ هل كان يتعامل مع أشخاصٍ لا يخافون الله؟

لقد أصبحت حياتها، وحياة "خالد"، معلقةً على خيطٍ رفيع. كان عليها أن تتخذ قراراً، وأن تواجه الحقائق، حتى لو كانت مؤلمة. لم تعد قادرةً على العيش في ظلّ الأوهام، أو في ظلّ ماضٍ مظلمٍ يهدد مستقبلها.

في تلك اللحظة، شعرت "ليلى" بأنها لم تعد الفتاة الهادئة التي اعتادت أن تكون. لقد أصبحت أقوى، وأكثر تصميماً. لم تعد تبحث عن "نصفي الآخر" فقط، بل أصبحت تبحث عن الحقيقة، عن الطريق الذي يمكن أن يخلصهما، أو يغرقُهما معاً.

جلست على الأريكة، تأملت شعلة الشمعة المضيئة، والتي بدت كعينٍ صغيرةٍ تراقب صراعها الداخلي. "سأواجه هذا يا خالد،" قالت بصوتٍ ثابتٍ، وكأنها تخاطبه مباشرةً. "سأكشف عن كل الأشباح التي تخفيها، وسنرى ما إذا كان حبنا يستطيع النجاة من هذا الظلام."

كان ذلك وعداً قطعته على نفسها، وعداً يحمل في طياته قدراً كبيراً من المخاطرة. ولكن في قلبها، كانت تعلم أن الهروب لم يعد خياراً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%