زواج المصلحة الجزء الثاني
هبوب عاصفة لم تكن بالحسبان
بقلم سارة العمري
كانت نسمة الهواء عليلة، تداعِبُ أوراق النخيل الذهبية وتُحَرِّكُ ستائرَ غرفته الفاخرة، فيُلقي ضوءُ الشمسِ الخافتُ خيوطَهُ الذهبيةَ على وجهٍ هادئٍ، لكنَّ العزمَ يكمنُ في عمقِ عينيهِ. فارس، الشابُّ الذي عُرفَ بصلابتهِ وجديتهِ، لم يكنْ منْ النوعِ الذي تستسلمُ لهُ الظروفُ بسهولة. اليوم، كانَ على موعدٍ معَ معركةٍ لمْ يتوقعْ شراستها، معركةٌ ليستْ بالسيوفِ والرماحِ، بلْ بكلماتٍ أشدُّ وقعاً، وبقراراتٍ قدْ تُغيرُ مجرى حياتهِ وحياةِ أسرةٍ بأكملها.
كانَ واقِفاً أمامَ شاشاتِ حاسوبه، تُضيءُ وجهَهُ أضواءٌ خضراءُ وحمراءُ تُنبئُ عنْ حركةٍ نشطةٍ في أسواقِ المالِ العالمية. يدهُ اليمنى تمسكُ بقلمٍ فاخرٍ، تتأرجحُ بينَ أوراقٍ مُبعثرةٍ تُسجلُ عليها ملاحظاتٌ سريعةٌ، بينما تُديرُ يدهُ اليسرى دفةَ الماوسِ بدقةٍ متناهية. في الخارج، كانتْ أصواتُ الحياةِ اليوميةِ تتسللُ إلى داخلِ المكتبِ الفسيح، أصواتٌ تُذَكِّرُهُ بأنَّ العالمَ لا ينتظرُ أحداً، وأنَّ القراراتِ الحاسمةَ يجبُ أنْ تُتخذَ في الوقتِ المناسب.
دقَّ البابُ بهدوءٍ، فألقى فارسٌ نظرةً خاطفةً نحو البابِ قبلَ أنْ يُديرَ رأسهُ إلى الشاشةِ مجدداً. "ادخلْ،" قالَ بصوتٍ قويٍّ، لا تخلو نبرتهُ منْ مسحةِ سلطةٍ اعتادَ عليها.
انفتحَ البابُ ببطءٍ، وظهرَ وجهُ والدهِ، الشيخُ فهد، الرجلُ ذو الهيبةِ والوقارِ، الذي بنى إمبراطوريةً تجاريةً على مدى عقودٍ منْ العملِ الدؤوبِ والذكاءِ الحاد. كانَ وجهُهُ يحملُ تجاعيدَ الخبرةِ، لكنَّ عينيهِ بقيتا تلمعانِ ببريقِ القوةِ والحكمة. "هلْ انتهيتَ يا فارس؟" سألَ الشيخُ فهد، وقدْ وقفَ عندَ عتبةِ البابِ.
نهضَ فارسٌ منْ كرسيهِ، ورتبَ أوراقه بعنايةٍ. "تقريباً يا أبي. كانَ يوماً طويلاً، والصفقةُ معَ شركةِ "الجابر" تتطلبُ تركيزاً شديداً." ابتسمَ الشيخُ فهد ابتسامةً باهتةً، تحملُ في طياتها مزيجاً منَ الفخرِ والقلق. "أعلمُ أنكَ بذلتَ جهداً كبيراً، ولكنْ لدينا أمرٌ أهمُّ الآن."
شعرَ فارسٌ بشيءٍ منَ التوترِ يتسربُ إلى داخلهِ. نبرةُ والدهِ لمْ تكنْ عاديةً. "ما هوَ الأمرُ يا أبي؟ هلْ هناكَ ما يدعو للقلق؟"
اقتربَ الشيخُ فهد ودخلَ المكتبَ، ثمَّ أغلقَ البابَ خلفهُ. جلسَ على الكرسيِّ المخصصِ للضيوفِ، وتركَ فارسٌ مكتبهُ ليجلسَ أمامهُ. "الحقيقةُ يا بني، إنَّ الأمرَ ليسَ سهلاً، ولكنهُ لا مفرَّ منهُ." بدأَ الشيخُ فهد، وهوَ يتأملُ وجهَ ابنهِ. "لقدْ تلقينا عرضاً لا يمكنُ رفضهُ، عرضٌ يصبُّ في مصلحةِ العائلتينِ، ولكنهُ يتطلبُ تضحيةً كبيرةً منك."
رفعَ فارسٌ حاجبهُ بدهشةٍ. "تضحية؟ وما هيَ هذهِ التضحية؟"
تنهدَ الشيخُ فهد بعمقٍ، وكأنَّهُ يحملُ ثقلاً عظيماً على كتفيهِ. "لقدْ اتفقتُ معَ الشيخِ سالم، والدِ ريم، على زواجكما."
تجمدَ فارسٌ في مكانهِ. ريم. ابنةُ الشيخِ سالم. الفتاةُ التي لمْ يرها إلا مراتٍ قليلةً في المناسباتِ العائليةِ. فتاةٌ تعرفُ عنها القليلَ، وتعرفُ عنها الأقل. كانَ زواجاً مبنياً على مصلحةٍ، على توحيدِ مصالحَ تجاريةٍ قديمةٍ، على تعزيزِ روابطَ بدأتْ تضعفُ معَ مرورِ الزمن.
"زواج؟" تكررَ فارسٌ الكلمةَ بصوتٍ بالكادِ يُسمع. "تقصدُ الزواجَ منْ ريم؟" "نعم يا بني. الشيخُ سالمُ يرغبُ في تعزيزِ التحالفِ بيننا، وهيَ الطريقةُ الوحيدةُ لضمانِ ذلك. إنها فرصةٌ لا تعوضٌ لكلينا. سيتوسعُ نطاقُ أعمالنا، وسنُحكمُ قبضتنا على السوقِ بشكلٍ أقوى."
وقفَ فارسٌ، وبدأتْ غضبةٌ مكتومةٌ تتصاعدُ في صدرهِ. "ولكنْ يا أبي، هلْ سألتَني رأيي؟ هلْ سألتَ ريم؟ هلْ نحنُ نحبُّ بعضنا؟ هلْ نعرفُ شيئاً عنْ بعضنا البعض؟"
"الحبُّ يأتي يا فارس. والمصلحةُ أهمُّ الآن. لا تنسَ واجبكَ تجاهَ العائلة. هذهِ ليستْ مجردَ صفقةٍ تجاريةٍ، إنها مسألةُ بقاءٍ واستمراريةٍ." قالَ الشيخُ فهد بصوتٍ حاولَ أنْ يكونَ حازماً، ولكنهُ خبا بعضُ الشيءِ أمامَ اضطرابِ ابنهِ. "لقدْ وعدتُ الشيخَ سالمَ. لا يمكنني التراجعُ الآن."
"وعدتَ؟ دونَ استشارتي؟ دونَ النظرِ في مستقبلي؟" صرخَ فارسٌ، وقدْ كادَ صوتُهُ يرتجفُ منَ الغضبِ وخيبةِ الأمل. "كنتُ أظنُّ أنكَ تعرفُ كمْ أُعطي أهميةً لاختياراتي."
"اختياراتكَ؟ وماذا عنْ اختياراتِ العائلةِ؟ ماذا عنْ مصيرِ أجيالٍ قادمةٍ؟ هلْ أنتَ مستعدٌّ للتخلي عنْ كلِّ ذلكَ منْ أجلِ رغبةٍ عابرة؟" ردَّ الشيخُ فهد، وقدْ بدا عليهِ الاستياءُ. "ريـم فتاةٌ صالحةٌ، ومناسبةٌ لكِ. إنها منْ عائلةٍ طيبةٍ، وتتسمُ بالأخلاقِ الحسنةِ. ما الذي تنقصُكَ فيها؟"
"ما ينقصُني يا أبي هوَ أني لا أعرفُها. وأنها لا تعرفني. وأننا سنُجبرُ على العيشِ معاً مدى الحياةِ دونَ أيِّ أساسٍ حقيقيٍّ للعلاقة. هلْ هذا هوَ الزواجُ الذي تحلمُ بهِ لي؟ زواجٌ مبنيٌّ على الصفقاتِ فقط؟"
"هذا هوَ الزواجُ الذي سيُبقي عائلتنا قويةً ومزدهرةً، يا فارس. وصدقني، معَ الوقتِ، ستجدُ فيها ما يُسعدكَ. إنها فرصةٌ لنا جميعاً." قالَ الشيخُ فهد، وقدْ ارتفعتْ نبرةُ صوتهِ. "القرارُ اتُّخِذَ. زواجكَ منْ ريم سيكونُ خلالَ ثلاثةِ أشهرٍ."
خرجَ الشيخُ فهد منَ المكتبِ، تاركاً فارسَ واقفاً في المنتصفِ، يحاولُ استيعابَ ما حدث. الهواءُ في الغرفةِ بدا ثقيلاً، والضوءُ الخافتُ للشمسِ لمْ يعدْ يُشعِرُهُ بالدفءِ، بلْ بالبردِ القارس. عادَ إلى كرسيهِ، لكنهُ لمْ يستطعْ التركيزَ على شاشاتِ الحاسوبِ. كلُّ ما كانَ يراهُ هوَ وجهُ ريم، وجهٌ مجهولٌ، سيُشاركُهُ حياتهُ.
"ثلاثةُ أشهرٍ،" همسَ فارسٌ لنفسهِ، وقدْ بدأَ يشعرُ بوطأةِ القدرِ تُلقي بظلالها الثقيلةِ عليه. هلْ هذهِ نهايةُ الأحلامِ التي بناها؟ أمْ بدايةُ قصةٍ جديدةٍ لمْ يكتبْ فصولها بعد؟