زواج المصلحة الجزء الثاني
كشف الأقنعة ونيران الشك
بقلم سارة العمري
جلستْ آيةُ في غرفتها، والكتابُ مفتوحٌ أمامَها، لكنَّ كلماتِه تراقصتْ أمامَ عينيها دونَ أنْ تلجَ إلى عقلِها. كانَ عقلُها لا يزالُ يدورُ في فلكِ المكالمةِ معَ الأستاذِ فريد، وفي دعوتهِ للعشاء. لمْ يكنْ الأمرُ يتعلقُ باللقاءِ نفسِه، بلْ بما قدْ يحملُهُ هذا اللقاءُ منْ مفاجآت. شعرتْ بثقلِ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِها، ليسَ فقطْ مسؤوليةَ قضيتِها، بلْ مسؤوليةَ ثقتِها في شخصٍ بدأتْ تتلمسُ صدقَ مشاعرِهِ، ولكنَّ ظلالَ الشكِ كانتْ لا تزالُ تلقي ببعضِ الوخزاتِ في قلبِها.
تذكرتْ كيفَ كانتْ حياةُ الأستاذِ فريدِ قبلَ لقائِه بها. رجلٌ ناجحٌ، غنيٌّ، ومعروفٌ في الأوساطِ التجارية، ولكنَّ حياتَه الشخصيةَ كانتْ هادئةً، بلْ باردةً، خاليةً منَ الرفقةِ الدافئة. هلْ كانتْ حقًا تبحثُ عنْ الحبِّ في قلبِ رجلٍ يبدو أنَّه لمْ يعرفْ معنى الحبِّ بعد؟ أمْ كانتْ تبحثُ عنْ الأمانِ في عالمٍ أصبحَ مليئًا بالتقلبات؟
في تلكَ الأثناء، كانَ الأستاذُ فريدِ يتحدثُ معَ صديقِه المقرب، الأستاذِ سالم، وهوَ رجلٌ حكيمٌ وذو خبرةٍ في الحياة. "هلْ أنتَ متأكدٌ منْ قراراتِك، فريد؟" سألَ سالمٌ بنبرةٍ فيها شيءٌ منَ القلق. "آيةُ فتاةٌ طيبةٌ، ولكنَّها مرتْ بتجاربَ قاسية. قدْ تحتاجُ إلى وقتٍ أطولَ لكسبِ ثقتِها."
تنهدَ فريدٌ قليلاً. "أعلمُ ذلكَ يا سالم. ولكنَّ قلبي يخبرُني بأنَّها تستحقُّ الفرصة. أرغبُ في مساعدتِها، ليسَ فقطْ في قضيتِها، بلْ في حياتِها. لا يمكنني أنْ أرى مظلومةً وأقفَ مكتوفَ الأيدي."
"وماذا عنْ أهدافِكِ الأخرى؟" سألَ سالمٌ بذكاء. "هلْ نسيتَ صفقةَ الاندماجِ التي كنتَ تسعى إليها؟"
ارتسمتْ على وجهِ فريدٍ تعابيرُ لمْ يستطعْ إخفاءَها. "يا سالم، الأمورُ لمْ تعدْ بهذهِ البساطة. أرى في آيةِ شريكًا حقيقيًّا، وليسَ مجردَ أداةٍ لتحقيقِ مصالح. أريدُ أنْ أثبتَ لها أنَّ هناكَ رجالًا لا يزالونَ يؤمنونَ بالقيمِ الطيبةِ والمشاعرِ الصادقة."
"أتمنى ذلكَ يا صديقي. ولكنْ احذرْ، فالطريقُ مليءٌ بالمفاجآت، وهناك منْ لا يريدُ لنا الخير."
كانَ سالمٌ يشيرُ إلى بعضِ المنافسينَ في عالمِ الأعمال، والذينَ كانوا يرغبونَ في عرقلةِ صفقةِ الاندماجِ بينَ شركتي فريدِ وعائلةِ آية.
في يومِ العشاء، استعدتْ آيةُ بعناية. اختارتْ ثوبًا أسودَ أنيقًا، زيّنتْ شعرَها ببساطة، ووضعتْ القليلَ منَ العطرِ الذي تحبه. كانَ قلبُها يقرعُ في صدرِها بخفة، ممزوجًا بالترقبِ والقلق.
عندما وصلَ الأستاذُ فريدِ إلى المطعمِ الفخم، استقبلَها بابتسامةٍ دافئةٍ ورقيقة. كانتْ هذهِ هيَ المرةَ الأولى التي يراها فيها ترتدي ملابسَ بهذهِ الرسمية، ورآها أجملَ ما يمكنُ أنْ تكون.
"آية، تبدينَ رائعةً الليلة." قالَ بصوتٍ فيهِ إعجابٌ واضح. "شكرًا لكَ، أستاذَ فريد. أنتَ أيضًا."
جلسا على طاولةٍ هادئة، وبدأتْ الأحاديثُ تدورُ بينهما. كانَ حديثُهما في البدايةِ عنْ الأمورِ العامة، عنْ العملِ، وعنْ طقسِ المدينةِ الجميل. لكنَّ الأستاذَ فريدِ سرعانَ ما عادَ إلى جوهرِ اللقاء.
"آية، كما وعدتُكِ، لقدْ بدأتُ في البحثِ عنْ سبلٍ قانونيةٍ لمساعدتِكِ في قضيتِكِ. اكتشفتُ أنَّ هناكَ بعضَ الثغراتِ في الأدلةِ التي قدمتْ ضدَّكِ، وأنَّنا نستطيعُ الطعنَ في بعضِ الشهاداتِ التي قُدمتْ."
شعرَتْ آيةُ ببعضِ الأملِ يتدفقُ في عروقِها. "هلْ هذا ممكنٌ حقًا؟" سألتْ بلهفة. "نعم، آية. معَ بعضِ الجهدِ والبحثِ الدقيق، كلُّ شيءٍ ممكن."
استمرَّ حديثُهما لساعات، تبادلَ فيها الطرفانِ الأفكارَ والآراء. كشفَ الأستاذُ فريدِ عنْ بعضِ تفاصيلِ خطتِه، وأوضحَ لها كيفَ أنَّ مساعدتَه لها ستكونُ جزءًا منْ استراتيجيةٍ أكبرَ لتوسيعِ أعمالِ شركتِه، ولكنْ معَ ضمانِ حصولِها على حقوقِها كاملة.
"أنا لا أعدُكِ بأنَّ الأمرَ سيكونُ سهلًا،" قالَ بصراحة. "ولكنْ أعدُكِ بأنّني سأبذلُ قصارى جهدي. الأهمُّ هوَ أنْ نكونَ على قلبٍ واحد، وأنْ تثقي بي."
نظرتْ آيةُ إلى عينيه، ورأتْ فيهما صدقًا لمْ ترهُ منْ قبل. ولكنْ في لحظةٍ ما، وبينما كانَ حديثُهما يحتدمُ قليلاً حولَ بعضِ التفاصيلِ القانونية، شعرتْ بأنَّ أحدَ الموظفينَ في المطعمِ ينظرُ إليهما بطريقةٍ غريبة. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ ملاحظةٍ عابرة، بلْ كانَ هناكَ شيءٌ في نظراتِه يوحي بالريبة.
حاولتْ أنْ تتجاهلَ الأمر، لكنَّه لمْ يفارقْها. في تلكَ اللحظة، وصلَ إلى هاتفِ الأستاذِ فريدِ رسالةٌ نصية. فتحَها بسرعة، وتغيرَ وجهُه فجأة. بدا وكأنَّه تلقى خبرًا سيئًا.
"هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟" سألتْ آيةُ بقلق. "نعم، مجردُ أمرٍ يتعلقُ بالعمل. يبدو أنَّ أحدَ منافسينا قدْ بدأَ في اتخاذِ بعضِ الخطواتِ العدائية."
شعرتْ آيةُ بأنَّ هذهِ ليستْ مجردَ مصادفة. فالشكوكُ التي كانتْ تدورُ في رأسِها بدأتْ تتجسدُ في أحداثٍ واقعية. هلْ كانَ الأستاذُ فريدِ حقًّا في خطر؟ وهلْ كانتْ هذهِ المؤامراتُ تتعلقُ بها أمْ بمصالحِه؟
بعدَ نهايةِ العشاء، رافقَ الأستاذُ فريدِ آيةَ إلى سيارتِها. "شكرًا لكِ على هذهِ الليلة، آية. لقدْ استمتعتُ بها كثيرًا." "الشكرُ لكَ، أستاذَ فريد. لقدْ شعرتُ ببعضِ الأملِ بعدَ حديثِنا."
"هذا ما أتمناهُ دائمًا. سأبقيكِ على اطلاعٍ بآخرِ التطورات. وأرجو منكِ أنْ تكوني حذرةً في هذهِ الفترة. قدْ لا يكونُ كلُّ شيءٍ كما يبدو."
قبلَ أنْ تستقلَّ سيارتَها، نظرَ الأستاذُ فريدِ إليها بعينينِ مليئتينِ بالحيرة. "آية، هلْ يمكنُني أنْ أثقَ بقلبِكِ؟"
صمتتْ آيةُ للحظة، ثمَّ أجابتْ: "أنا أحاولُ، أستاذَ فريد. ولكنَّ الظروفَ صعبة."
تنهدتْ آيةُ وهيَ تقودُ سيارتَها عائدةً إلى منزلِها. كانتْ قدْ اتخذتْ خطوةً نحو الثقة، ولكنَّ العواصفَ كانتْ لا تزالُ تتجمعُ في الأفق. هلْ كانتْ قراراتُها صائبة؟ وهلْ ستكونُ قادرةً على التمييزِ بينَ الصديقِ والعدوِّ في هذهِ المرحلةِ الحساسة؟
فجأة، انحرفتْ سيارةٌ مسرعةٌ منْ زقاقٍ جانبي، وحاولتْ أنْ تصدمَ سيارتَها. نجتْ آيةُ بأعجوبةٍ منَ الحادث، ولكنَّ قلبَها كانَ يقفزُ منَ الخوف. أدركتْ حينها أنَّ الأمورَ قدْ تجاوزتْ مجردَ خلافاتٍ عائليةٍ أو تجارية. لقدْ أصبحتْ في خطرٍ حقيقي.
منْ كانَ يقفُ وراءَ هذا الاعتداء؟ وهلْ كانَ لهُ علاقةٌ بما تحدثَ عنه الأستاذُ فريد؟ انتابَها شعورٌ بأنَّها ليستْ وحدَها في مواجهةِ هذهِ الشرور، وأنَّ هناكَ قوةً خفيةً تسعى إلى تدميرِها.