زواج المصلحة الجزء الثاني
خيوط مؤامرة متشابكة
بقلم سارة العمري
تسارعتْ أنفاسُ آية، ويدُها ترتجفُ وهيَ تُمسكُ بالمقود. نجتْ بأعجوبةٍ منْ هجومٍ وحشيٍّ غادر، كادَ أنْ يضعَ حدًّا لحياتِها في لحظة. صدمةُ الحادثِ لمْ تسمحْ لعقلِها باستيعابِ ما حدثَ بالضبط، ولكنَّ إحساسَ الخطرِ الداهمِ كانَ غامرًا. أوقفتْ سيارتَها على جانبِ الطريق، وأخذتْ تستجمعُ أنفاسَها المتقطعة. قلبُها كانَ يقرعُ بعنفٍ في صدرِها، وكلُّ عضلةٍ في جسدِها كانتْ متوترةً.
"لا، لا يمكنُ أنْ يكونَ هذا مجردَ حادث," همستْ لنفسِها بصوتٍ متهدج. "هذا متعمد. هذا استهداف."
تذكرتْ فورًا كلماتِ الأستاذِ فريدِ عنْ المنافسينَ والخطواتِ العدائية. هلْ كانَ هذا الهجومُ جزءًا منْ مخططٍ أكبر؟ ومنْ كانَ يستفيدُ منْ هذا؟ لقدْ كانتْ تفكرُ دائمًا في قضيتِها، وفي الظلمِ الذي وقعَ عليها، ولكنَّ هذا الاعتداءَ تجاوزَ كلَّ التوقعات.
لمْ تجدْ أمامَها سوى خيارٍ واحد: الاتصالُ بالأستاذِ فريدِ فورًا. مدَّتْ يدَها بترددٍ إلى هاتفِها، ثمَّ ضغطتْ على الرقمِ بسرعة.
"آية؟ هلْ كلُّ شيءٍ بخير؟" جاءَ صوتُ فريدٍ قلقًا، وكأنَّه شعرَ بشيءٍ ما. "أستاذَ فريد، حدثَ شيءٌ مروع،" قالتْ بصوتٍ مختنق. "لقدْ تعرضتُ لمحاولةِ دهسٍ متعمدة. كدتُ أنْ أموت."
سادَ صمتٌ قصيرٌ على الطرفِ الآخر، ثمَّ قالَ فريدٌ بصوتٍ يحملُ نبرةَ غضبٍ شديد: "لقدْ كنتُ أخشى ذلك. ابقي حيثُ أنتِ، لا تتحركي. سأكونُ هناكَ في غضونِ دقائق."
لمْ تستطعْ آيةُ الانتظارَ طويلاً. شعرتْ بالحاجةِ الماسةِ إلى وجودِ شخصٍ ما بجانبِها، شخصٍ تثقُ به. بعدَ دقائقَ معدودة، رأتْ أضواءَ سيارةِ فريدِ تقترب. نزلَ منْ سيارتِه مسرعًا، ونظرَ إليها بعينينِ مليئتينِ بالقلقِ الشديد.
"هلْ أنتِ بخير؟ هلْ أصابَكِ أيُّ أذى؟" سألَ وهوَ يقتربُ منها. "أنا بخير، شكرًا لله. لكنّني مصدومةٌ جدًّا."
"هذا ليسَ مجردَ صدمة، آية. هذا تهديدٌ مباشر. يجبُ أنْ نتحركَ بسرعة. لنْ تكوني آمنةً وحدَكِ."
أشارَ لها بأنْ تركبَ سيارتَه. جلستْ بجانبِه، ولا تزالُ ترتعشُ منَ الخوف. "ماذا تعتقدُ، أستاذَ فريد؟ منْ يقفُ وراءَ هذا؟"
"لا أعرفُ بالتأكيدِ الآن، ولكنَّ هناكَ احتمالين: إما أنْ يكونَ أحدُ أعدائي في عالمِ الأعمالِ قدْ قررَ الانتقامَ بطريقةٍ جبانة، أو أنَّ الأمرَ لهُ علاقةٌ بقضيتِكِ، وأنَّ هناكَ منْ يريدُ إخافتكِ لتبتعدي عنْ تحقيقِ العدالة."
"ولكنْ منْ قدْ يرغبُ في إخافتي؟" تساءلتْ آية. "هناك العديدُ منَ الأشخاصِ الذينَ قدْ يخسرونَ الكثيرَ إذا تمَّ كشفُ الحقيقةِ في قضيتِكِ. ربما شخصٌ قريبٌ منكِ، أو شخصٌ لهُ مصلحةٌ في بقاءِ الأمورِ على ما هيَ عليه."
هذهِ الكلماتُ الأخيرةُ جعلتْ قلبَ آيةَ يقبض. هلْ كانَ هناكَ شخصٌ قريبٌ منها يخططُ لإيذائها؟
قادَ فريدٌ سيارتَه إلى مكانٍ آمن، ثمَّ استقلا سيارةً أجرةً إلى شقةٍ سريةٍ كانَ يملكُها، بعيدًا عنْ الأنظار. كانَ هذا المكانُ بمثابةِ ملجأٍ لهُ في الظروفِ الطارئة.
"علينا أنْ نبدأَ في التحقيقِ فورًا،" قالَ فريدٌ وهوَ يتأملُ وجهَ آيةَ القلق. "يجبُ أنْ نعرفَ منْ كانَ يراقبُكِ، ومنْ كانَ لهُ الدافع. هلْ لاحظتِ شيئًا غريبًا في الأيامِ الأخيرة؟ أيَّ شخصٍ كانَ يتصرفُ بشكلٍ مريب؟"
فكرتْ آيةُ مليًّا. "كنتُ أشعرُ أحيانًا بأنّني مراقبة. كانتْ هناكَ سياراتٌ غريبةٌ تتواجدُ بالقربِ منْ منزلِنا أو عملي. ولكنَّني ظننتُ أنَّها مجردُ صدفة."
"الصدفُ نادرًا ما تكونُ صدفًا في هذهِ الظروف. منْ كانَ يعرفُ عنْ لقائنا الليلة؟"
"فقطَ أمي. وقدْ اتصلتُ بكَ فورًا."
"هذا جيد. لنْ نخبرْ أحدًا بهذا الأمرَ الآن، حتى نملكَ معلوماتٍ مؤكدة. يجبُ أنْ نكونَ حذرينَ جدًّا."
أمضى فريدٌ بقيةَ الليلِ في محاولةِ جمعِ المعلومات. اتصلَ ببعضِ معارفِه في الشرطةِ، وبدأَ في استئجارِ فريقٍ خاصٍ للتحقيق. كانَ يعلمُ أنَّ الوقتَ عاملٌ حاسم، وأنَّ حياتَ آيةَ في خطر.
في صباحِ اليومِ التالي، بينما كانَ فريدُ مشغولاً بالاتصالاتِ والمتابعة، جلستْ آيةُ تنظرُ منْ نافذةِ الشقةِ. كانتْ تفكرُ في كلِّ شيءٍ حدثَ. الشكوكُ بدأتْ تتضاعف، والخوفُ يزدادُ عمقًا. هلْ كانتْ دعوةُ العشاءِ هذهِ مجردَ فخٍّ؟ وهلْ كانَ الأستاذُ فريدِ هوَ نفسه جزءًا منْ هذهِ المؤامرة؟
لا، لمْ تستطعْ تصديقَ ذلك. لقدْ رأى في عينيهِ صدقًا، وفي حديثِه تفهمًا. لقدْ حاولَ حمايتَها. ولكنَّ السؤالَ الذي كانَ يؤرقُها: لماذا كلُّ هذا؟ وما هوَ الثمنُ الذي سيُدفعُ مقابلَ كشفِ الحقيقة؟
فجأة، انتبهتْ إلى سيارةٍ سوداءَ داكنةٍ كانتْ متوقفةً في الشارعِ المقابل. لمْ تكنْ تعرفُ لماذا، ولكنَّها شعرتْ بأنَّ هذهِ السيارةَ تراقبُ المبنى. بعدَ لحظات، رأتْ شخصًا يخرجُ منها، ويتوجهُ نحوَ المبنى. لمْ تستطعْ رؤيةَ وجهِه بوضوح، ولكنَّه كانَ يبدو وكأنَّه يعرفُ المكانَ جيدًا.
"أستاذَ فريد،" قالتْ بصوتٍ مرتعش. "هناك شخصٌ غريبٌ يقتربُ منَ المبنى."
هرعَ فريدٌ إلى النافذة، ونظرَ حيثُ أشارتْ آية. "هذا ليسَ جيدًا. يبدو أنَّهم يعرفونَ أينَ نحن. علينا أنْ نغادرَ الآن."
أخذَ فريدٌ يدهُ، وأسرعَ بها إلى مخرجٍ خلفيٍّ سريٍّ للشقة. كانَ عليهِ أنْ يحميها، وأنْ يكشفَ الحقيقةَ قبلَ فواتِ الأوان. ولكنَّ الخطرَ كانَ يتربصُ بهم، وخيوطُ المؤامرةِ كانتْ تتشابكُ أكثرَ فأكثر، ولمْ يكنْ أحدُهما يعرفُ منْ هوَ العدوُّ الحقيقي، وما هيَ الأسرارُ التي كانتْ مخفيةً.
هلْ سيتمكنُ فريدٌ منْ كشفِ منْ يقفُ وراءَ هذهِ الهجمات؟ وهلْ ستتمكنُ آيةُ منْ استعادةِ حقِّها، أمْ ستصبحُ ضحيةً جديدةً لشبكةٍ منَ الخيانةِ والمؤامرات؟