زواج المصلحة الجزء الثاني

أشباح الماضي وخيوط الحاضر

بقلم سارة العمري

في صباح اليوم التالي، استيقظت نور على صوتِ الشمس وهي تتسلل عبر ستائر غرفتها. كان قلبها لا يزال مشغولًا بتفاصيل رسائل والدتها، وبالنظرة الغامضة التي ارتسمت على وجه خالد الليلة الماضية. شعرت برغبةٍ قويةٍ في الغوص أكثر في عالم والدتها، في فهم ما كانت تعيشه، وفي كشف الأسرار التي ربما كانت تخفيها.

بعد الإفطار، جلست نور في مكتبة القصر، حيث كانت تفضل قضاء وقتها في هدوءٍ وسكينة. أمسكت بواحدٍ من رسائل والدتها، وقرأته مرةً أخرى. كانت الكلمات تبدو أكثر قوةً الآن، تحمل في ثناياها شعورًا بالحزن العميق، وبقرارٍ مؤلم. ذكرت والدتها اسمًا، اسم "سامي". لم تذكر تفاصيل كثيرة عنه، ولكنها وصفت علاقتها به بأنها كانت "كالريشة التي حملتها العاصفة".

"سامي..." كررت نور الاسم بصوتٍ خافت. من يكون هذا الرجل؟ هل كان هو الحب القديم الذي تحدث عنه خالد؟ شعرت بقشعريرةٍ تسري في جسدها.

وبينما كانت تتأمل في الرسالة، دخلت عليها جدتها أمينة، وقد حملت معها صينيةً فيها كوبان من القهوة العربية. "أراكِ يا حبيبتي، مستغرقةً في ذكريات الآخرين."

ابتسمت نور ابتسامةً باهتة. "جدتي، في هذه الرسائل، تذكر أمي رجلًا اسمه سامي. هل تعرفين من هو؟"

نظرت أمينة إلى حفيدتها بنظرةٍ تحمل الكثير من الألم. "سامي... اسمٌ لم أسمعه منذ زمنٍ طويل. إنه... إنه شقيق زوج عمكِ السابق، السيد أحمد. كانت والدتكِ تعرفه في شبابها. كانت علاقةٌ عابرة، لم تدم طويلًا. ولكنه ترك فيها أثرًا."

"علاقةٌ عابرة؟" سألت نور بشك. "لكن الرسائل تبدو وكأنها تتحدث عن حبٍ عميق."

تنهدت أمينة، وقالت: "يا نور، مشاعر الشباب غالبًا ما تكون عاصفةً وكبيرة. قد تكون والدتكِ، في تلك الفترة، مرت بتجربةٍ جعلتها تشعر بذلك. ولكنها اختارت طريقًا آخر، طريقًا أكثر استقرارًا."

"ولكن لماذا لم يذكر هذا السيد سامي شيئًا؟ لماذا اختفى من حياتها؟" تساءلت نور، وعينها تترقب إجابة جدتها.

"الحياة تحمل لنا دائمًا مفاجآت، يا ابنتي. قد تتغير الظروف، وقد تتغير القلوب. المهم هو أن والدتكِ، في النهاية، اختارت السعادة التي رأتها أمامها. اختارت زوجها، والدكِ، واختارت حياةً كريمةً وهادئة."

شعر نور بأن هناك خيطًا رفيعًا يربط بين ماضي والدتها وحاضرها. خالد، زوجها، كان ابن عم السيد أحمد. هل كان هناك علاقةٌ غير مباشرة بين هذا السيد سامي وبين خالد؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تهاجمها، ولا تجد لها إجاباتٍ شافية.

في عصر ذلك اليوم، قررت نور أن تحدث خالد. كان وقت الظهيرة، وكان خالد في مكتبه. اتصلت به، وبدا صوته هادئًا ولكن يحمل نبرةً من الحذر.

"خالد، هل يمكنني التحدث معكِ في أمرٍ مهم؟"

"بالطبع، يا حبيبتي. أنا أسمعكِ."

"لقد قرأتُ المزيد من رسائل أمي. وذكرت فيها رجلًا اسمه سامي، شقيق السيد أحمد. هل تعرفينه؟"

صمتٌ طويلٌ نسبيًا. كان بإمكان نور أن تسمع أنفاس خالد المتسارعة عبر الهاتف. "سامي... نعم، أعرفه. إنه عمي. كان لديه علاقةٌ مع والدتكِ في الماضي، كما سمعتُ من أبي. ولكن لم يتحدث أحدٌ عن الأمر كثيرًا."

"علاقة؟" سألت نور، وشعرت بأن دقات قلبها تتسارع. "ولماذا لم يحدث شيءٌ بينهما؟ لماذا لم يتزوجا؟"

"أظن أن الظروف لم تسمح بذلك، يا نور. كانت هناك خلافاتٌ عائلية، وتدخلاتٌ من هنا وهناك. لم تكن الأمور سهلةً آنذاك. ولكن في النهاية، كلٌ اختار طريقه."

"ولكن جدتي قالت إنها كانت مجرد علاقةٍ عابرة، والرسائل تبدو وكأنها تتحدث عن حبٍ عميق."

"يا نور،" قال خالد بصوتٍ يحمل نبرةً حانية، "لا تدعي الماضي يؤثر عليكِ. ما حدث، قد حدث. الأهم هو حاضرنا. ما هو مهمٌ هو حبنا."

كانت كلمات خالد مطمئنةً، ولكن لم تستطع نور أن تتخلص من شعورٍ بأن هناك شيئًا ما زال مخفيًا. كان الأمر أشبه بلوحةٍ فنيةٍ جميلة، ولكن ينقصها بعض الألوان الأساسية.

بعد حديثها مع خالد، شعرت نور بالضياع. كانت ترغب في فهم كل شيء، في ربط كل الخيوط، ولكن كلما اقتربت من الحقيقة، بدا وأنها تبتعد أكثر. كانت تشعر بأنها تسير في طريقٍ معقد، وأن هناك أشباحًا قديمةً بدأت تلوح في الأفق، تحمل معها ذكرياتٍ وأحداثًا لم تعد ضمن نطاق سيطرتها.

في الأيام التالية، لاحظت نور تغيرًا طفيفًا في سلوك خالد. كان يبدو أكثر انشغالًا، وأكثر ترددًا في الحديث عن الماضي. كلما سألته عن عمه سامي، كان يبتسم ابتسامةً سريعةً ويغير الموضوع. هل كان خالد يخفي شيئًا؟ أم أنه كان يحاول حمايتها من حزنٍ قديم؟

وذات مساء، وبينما كانت نور وابنتها الصغيرة، سارة، تلعبان في الحديقة، رأتها نور تتحدث إلى شخصٍ ما عند البوابة. كان رجلًا كبير السن، ملابسه أنيقة، يبدو أنه زائرٌ للقصر. اقتربت نور بحذر، لتفاجأ بأن الرجل هو نفسه السيد أحمد، عم خالد.

"مساء الخير، عمي أحمد،" قالت نور بابتسامةٍ مصطنعة.

"مساء الخير يا نور. أين خالد؟" سأل السيد أحمد بلهجةٍ فيها استعجال.

"إنه في مكتبه، عمي. هل هناك أمرٌ جلل؟"

"نعم، أمرٌ جلل. لديّ أخبارٌ عن سامي. عن أخي."

تجمدت نور في مكانها. سامي! مرةً أخرى هذا الاسم. شعرت بأن قلبي يخفق بقوة. "سامي؟ هل حدث له شيء؟"

"لا، لحسن الحظ. ولكنه... لقد عاد. عاد إلى البلاد بعد غيابٍ طويل. وقد طلب رؤيتي. يبدو أنه يريد التحدث عن الماضي."

تجمعت كل خيوط الماضي المتناثرة أمام عيني نور. حبٌ قديم، خلافاتٌ عائلية، اختفاءٌ مفاجئ. هل كان عودة هذا السيد سامي بدايةً لتكشف حقائق كانت مخبأةً بعناية؟ هل كان هذا اللقاء الصدفة، أم أنه قدرٌ أراد أن يجمع شمل من فرقهم الزمن؟ كانت نور تشعر بأنها تقف على حافة بركانٍ خامد، وأن الشرارة قد تكون قادمةً من هذا الرجل المجهول، السيد سامي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%