زواج المصلحة الجزء الثاني
الكشف المدوّي والمصير المجهول
بقلم سارة العمري
تجمع شمل العائلة تحت سقفٍ واحد، ولكن القلوب كانت متباينة المشاعر. سامي، الرجل الذي كان مجرد اسمٍ في رسائل والدة نور، أصبح الآن حاضرًا، بآلامه وندمه. كان وجوده يلقي بظلالٍ طويلةٍ على الماضي، ويثير عواصفَ في الحاضر. خالد، الذي كان يواجه عمّه بحذرٍ وترقب، بدأ يشعر بشيءٍ من التعاطف مع قصته. أما نور، فكانت تشاهد كل شيءٍ بعينين تشعان بالفضول والقلق، محاولةً ربط خيوط القصة المتناثرة.
بعد أن انتهى سامي من سرد قصته، ساد صمتٌ ثقيل. لم يكن أحدٌ يعرف ماذا يقول. السيد أحمد، بقلبه الكبير، حاول كسر هذا الجمود.
"سامي، ما حدث قد حدث. الأهم الآن هو ما ستفعله. ماذا تريد أن تفعل؟"
نظر سامي إلى نور، ثم إلى خالد. "أنا... أريد أن أقدم لابنتي... ابنة نور... شيئًا من حقها. أريد أن أعترف بها. أريد أن أقدم لها كل ما لم أستطع أن أقدمه لوالدتها."
تجمدت نور في مكانها. "ابنتي؟"
"نعم، ابنتكِ، سارة. لقد علمتُ أنها ابنتكِ. ولعلمي أن والدتكِ... رحمها الله... قد حملت بها قبل أن تبتعد، وأني كنت السبب في رحيلها... أريد أن أتحمل مسؤوليتي."
كانت هذه الكلمات صادمةً لنور. هل كانت سارة، ابنتها الصغيرة، ابنة سامي؟ هذا الرجل الغريب الذي ظهر فجأةً في حياتها؟ شعرت بأن كل شيءٍ بدأ يتشابك، وأن الحقيقة كانت أعمق وأكثر تعقيدًا مما تخيلت.
"كيف علمت؟" سألت نور بصوتٍ مرتعش.
"لقد... كنت أراقبكم عن بعد. لم أكن أريد التدخل، ولكنني كنت أشعر بأن هناك شيئًا يربطني بكم. وعندما رأيت سارة... رأيت فيها والدتها. ورأيت فيها لمحةً مني. أردت أن أتأكد."
كانت هذه الحقيقة كفيلةً بأن تهز كيان نور. كانت تعتقد أنها تعيش قصة حبٍ خالصة مع خالد، وأن سارة هي ابنة خالد. فكيف أصبح سامي والد سارة؟
خالد، من جانبه، كان يشعر بالصدمة والغضب. "سامي، هل تقول أن سارة ابنتك؟ كيف؟ ومتى؟"
"لقد... كانت والدتكِ، يا نور، قد حملت بي قبل أن أتركها. ولكنني، بسبب خطأي، اضطررت للرحيل. لم أكن أعرف أنها حامل. وعندما علمت، كنت قد ابتعدت كثيرًا. حاولت أن أصل إليها، ولكن الظروف لم تسمح."
كانت قصة سامي تبدو وكأنها من نسج الخيال. كيف يمكن أن تكون والدة نور قد حملت بسامي، ومن ثم تعيش قصة حبٍ مع والد نور، ويتزوجان، وتلد نور، ثم تلد نور ابنة، وتكون هي ابنة سامي؟ هل كانت هناك خيانة؟ هل كانت هناك أكاذيب؟
"هذا مستحيل!" صرخت نور. "والدي، السيد راشد، كان زوج أمي. وكان يحبها حبًا جما. ولم يكن هناك رجلٌ آخر في حياتها!"
"لا، نور،" قال سامي بحزن. "والدتكِ... لم تكن تخون والدكِ. لقد كانت مرغمةً. لقد كنت أنا السبب. لقد أرغمت على الابتعاد عني، ومن ثم اضطرت للزواج من رجلٍ آخر لكي تحمي نفسها، ولكي تحمي... ابنتها."
"ولكن كيف؟" سأل خالد، وعيناه تشتعلان بالغضب. "إذا كانت نور ابنة سامي، فكيف تزوجت راشد؟ وكيف أنجبت نور؟"
"هذا ما أريد أن أوضحه،" قال سامي. "عندما اضطررت للرحيل، كانت والدتكِ حاملًا. ولكنها لم تستطع أن تكمل الحمل بي. فقد اضطرت للزواج من السيد راشد، الذي كان يعلم بوضعها، ووافق على الزواج منها، ووعدها بأن يحميها ويحمي ابنتها. ووعدها بأن يحتفظ بالسر. ومنذ ذلك الحين، لم أعد أرى نور، ولم أعد أعرف عنها شيئًا."
كانت هذه المعلومات مربكةً جدًا. هل كانت نور ابنة سامي، وليست ابنة راشد؟ هل كانت والدة نور، التي احترمتها دائمًا، قد عاشت حياةً مليئةً بالأكاذيب؟
"هذا يعني أن خالد... ليس لديه علاقةٌ بي؟" سألت نور، وشعرت بأن العالم كله ينهار.
"لا، لا!" قال خالد بقوة. "لا يمكنكِ أن تصدقي هذا الهراء. سارة ابنتي. وأنتِ... أنتِ زوجتي. ليس هناك شكٌ في ذلك."
"ولكن، يا خالد،" قال سامي بهدوء، "إذا كانت نور ابنة راشد، فمن هو راشد؟"
"راشد هو زوج أمي،" قالت نور. "كان رجلاً طيبًا، وقد أحبها كثيرًا. وبعد وفاته، تزوجت أنا من خالد."
"وهل راشد كان والدكِ الحقيقي؟" سأل سامي.
"نعم، لقد كان والدي. لقد رباني، واعتبرني ابنته."
"ولكن،" قال سامي، وعيناه تلمعان بعناد، "إذا كانت نور ابنة راشد، فلماذا قالت والدتكِ في رسائلها إنها حاملٌ منكِ قبل أن تبتعد؟"
"ماذا؟" سأل خالد بصدمة. "هل تقصد أن نور... ابنة راشد... كانت حاملًا من سامي؟"
"نعم،" قال سامي، "لقد كانت حاملًا مني. ولكنه كان حملًا مبكرًا جدًا. وكان لابد أن تختاره. ولكي تحمي نفسها، اضطرت للزواج من راشد، الذي كان يعلم بكل شيء. ولكن راشد، كونه رجلاً طيبًا، وافق على تبني ابنتها. وجعلها تعيش حياةً طبيعية."
كانت هذه الكلمات كفيلةً بأن تزلزل أرض نور. هل كانت هي نفسها ابنة سامي؟ هل كانت والدتها قد عاشت كل هذه السنوات، وهي تخفي سرًا بهذا الحجم؟
"هذا غير صحيح!" صرخت نور. "أمي لم تكن لتكذب عليّ! لم تكن لتخفي عني حقيقة والدي!"
"لقد فعلت ذلك لحمايتك، يا نور،" قال سامي بحزن. "لقد كان مجبرةً. لقد كانت تحميكِ من المجتمع، ومن نظرات الناس. لقد كان راشد هو والدكِ في كل شيءٍ إلا بالدم."
كانت الحقيقة قاسيةً جدًا. كل ما كانت تعتقده نور عن عائلتها، عن أصولها، قد تحطم في لحظة. هل كانت سارة ابنة خالد؟ أم ابنة سامي؟ وهل كانت هي نفسها ابنة سامي، وليست ابنة راشد؟
"إذا كانت نور ابنة سامي،" قال خالد، ووجهه يعكس مزيجًا من الصدمة والغضب، "فهذا يعني أن كل شيءٍ بيني وبينها... زواج، أبناء... كل شيءٍ كان مبنيًا على أساسٍ خاطئ."
"لا، يا خالد،" قال سامي. "هذا ليس صحيحًا. حبكما هو حبٌ نقي. بغض النظر عن الأنساب. لقد اخترتم بعضكم البعض. وهذا ما يهم."
"ولكن،" قال السيد أحمد، "إذا كانت نور ابنة سامي، فإن هذا يعني أن سارة هي حفيدة سامي، وليست ابنة راشد."
"وهذا ما أقوله!" قال سامي. "أنا جد سارة. وأريد أن أتحمل مسؤوليتي."
كان الموقف دراماتيكيًا. كانت الحقائق تتدفق كالسيل، تغرق الجميع في بحرٍ من الشكوك والارتباك. هل كانت هناك طريقةٌ لإثبات هذه الادعاءات؟ هل كانت هناك وثائقٌ قديمة، شهاداتٌ، تثبت صحة كلام سامي؟
"أنا لا أصدق هذا!" صرخت نور. "أمي لم تكن لتخفي عني مثل هذه الحقيقة. هناك خطأٌ ما!"
"وهل هناك ما يثبت كلامك؟" سأل خالد، ونبرة صوته تحمل شكًا عميقًا.
"نعم،" قال سامي. "لقد احتفظت ببعض الرسائل. رسائلٌ من والدتكِ. كانت تخبرني فيها بكل شيء. ولكنني لم أستطع أن أحصل عليها إلا الآن."
ارتعش جسد نور. هل كانت هذه الرسائل هي مفتاح الحقيقة؟ هل كانت هذه الرسائل هي ما سيؤكد أو ينفي ادعاءات سامي؟ كانت تشعر بأنها تقف على حافة الهاوية، وأن كل ما عاشته حتى الآن كان مجرد وهمٍ جميل.
"أين هذه الرسائل؟" سألت نور، وعيناها تتقد باليأس.
"لديها. سأحضرها لكم. ولكن قبل ذلك، أريد أن أقول شيئًا." توقف سامي، وتنهد بعمق. "لقد عشت سنواتٍ في الظلام. كنت أبحث عن أبنائي، وعن سعادتي. والآن، وبعد كل هذا الوقت، أرى أن القدر قد وضعني أمامكم. أريد أن أكون جزءًا من حياتكم. أريد أن أصلح ما فعلت."
كانت كلماته تحمل ثقل السنين، وندمًا عميقًا. ولكن هل كان ذلك كافيًا؟ هل كانت الحقيقة التي ستظهر ستكون قادرةً على لم شملهم، أم أنها ستفرقهم إلى الأبد؟ كان المصير مجهولًا، وكان قلبهما، وقلوب كل الحاضرين، يرتجف خوفًا وترقبًا.