زواج المصلحة الجزء الثاني

الشكوك تتكشف وظلال الماضي

بقلم سارة العمري

كانت نسمات المساء الباردة تداعب ستائر غرفة المعيشة الفاخرة، حاملة معها رائحة الياسمين المتسلقة على جدران قصر آل الزاهر. جلست ليلى على الأريكة المخملية، تستند برأسها على مسند اليد، وقلبها يخفق بعنف كطائر محبوس. لم يكن أمامها إلا لحظات تفصلها عن وصول والدها، رجل الأعمال الشهير السيد هاشم، ذلك الرجل الذي كانت تعتقد أنها تعرف كل جوانبه، لكن الأيام الأخيرة قلبت كيانها رأساً على عقب.

منذ أن بدأت تفاصيل صفقة زواجها من يزيد تتضح، بدأت تتسلل إلى روحها شكوك لم تستطع البوح بها لأحد. كانت تراقب يزيد، الشاب الهادئ الذي يبدو عليه الالتزام، لكن كانت هناك لمحات في عينيه، ترددات في حديثه، تجعلها تتساءل عن حقيقة دوافعه. هل كان مجرد مهرج في مسرحية كبرى؟ هل كانت هذه "المصلحة" التي تحدثوا عنها تتعلق به هو أيضاً؟

وصل السيد هاشم، بخطواته الواثقة وصوته العميق الذي لطالما شعرها بالأمان. عانقها بحرارة، لكن عينيها لم تجدا فيهما تلك السكينة المعهودة. "كيف حالك يا ابنتي؟" سأل، وجلسا قبالة بعضهما البعض.

"بخير يا أبي، الحمد لله." قالت ليلى، لكن صوتها كان يرتجف قليلاً. "أردت أن أتحدث معك في أمر مهم."

تربص السيد هاشم للحظة، وعيناه تستكشفان وجهها الشاحب. "ما الأمر يا عزيزتي؟ هل هناك ما يزعجك؟"

"أتذكر يا أبي حينما قلت لي أن صفقة زواجي من يزيد هدفها هو إنقاذ سمعة عائلتنا، وتأمين مستقبلنا المالي؟"

"بالتأكيد يا ابنتي. هذا هو السبب الرئيسي." أجاب بثقة، لكنه كان ينظر بعيداً، وكأنما يبحث عن كلمات مناسبة.

"ولكن... هل كانت هذه الصفقة مجرد خطة لإنقاذ العائلة؟ أم أن هناك أهدافاً أخرى؟ أهدافاً تخصك أنت شخصياً؟" سألت ليلى، وقلبها يقرع جدران صدرها.

صمت السيد هاشم. صمت ثقيل، مليء بما لم تُقَل. بدأت الألوان تتلاشى من وجهه، وتتسلل شيئاً فشيئاً إلى قسمات وجهه. "ليلى، يا ابنتي... هناك أمور قد تبدو معقدة. لكن ثقي بي، كل ما أفعله هو لمصلحتك ولمصلحة العائلة."

"مصلحتي؟ ومصلحة العائلة؟" تكررت كلماته، وكأنها صدى في فراغ. "لكنني أشعر يا أبي بأنني مجرد ورقة في لعبة لا أفهم قوانينها. أشعر بأنني أُستخدم. هل يزيد... هل يزيد يعلم بكل هذا؟ هل هو شريك لك في هذه اللعبة؟"

ارتعش جسد السيد هاشم. حاول أن يخفي الارتباك، لكن عينيه فضحتاه. "يزيد رجل أعمال ذكي. وهو يعلم قيمة هذه الشراكة."

"شراكة؟ أم صفقة؟" رفعت ليلى صوتها قليلاً. "هل هذه الصفقة مجرد وسيلة لتغطية ديون أخرى؟ ديون ربما تفوق قدرة العائلة على السداد؟"

في تلك اللحظة، شعر السيد هاشم وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته. حاول أن يعدل من جلسته، وأن يجمع شتات نفسه، لكن عيني ابنته كانت تخترقه. كانت نظرة مزيج من الاستنكار، والخيبة، والخوف.

"ليلى، لا تضغطي. بعض الأمور لا يجب أن تعرفيها." قال بصوت خفيض، فيه مسحة من التوسل.

"لماذا يا أبي؟ هل لأنها ستغير نظرتي إليك؟ هل لأنها ستجعلني أدرك أن كل ما بنيناه، كل ما كنا نفخر به، هو مجرد قشرة واهية؟"

"ليس الأمر كذلك!" استنكر السيد هاشم. "الأمر أكبر من مجرد ديون. الأمر يتعلق بمستقبل أعمالنا، يتعلق باتفاقيات قديمة... "

"اتفاقيات مع من؟"

"مع... مع أشخاص لا يمكنك فهم دوافعهم. أشخاص لا يريدون أن تخرج الأمور عن السيطرة. زواجك من يزيد هو ضمانة لهم، وضمانة لنا. هو يضمن استقرار أعمالنا، ويؤمن لنا فترة سماح لتسوية بعض الأمور."

"فترة سماح؟ أم ثمن؟" لمعت الدموع في عيني ليلى. "هل تزوجني ليزيد ليحصل على شيء؟ هل أنت بعته لي؟"

"لم أبعك يا ليلى! أنا أحاول حمايتك! إن لم نقم بهذه الصفقة، قد نجد أنفسنا في وضع أسوأ بكثير. قد نخسر كل شيء."

"وإذا خسرت نفسي؟ إذا فقدت كرامتي؟ هل هذا ثمن مقبول؟"

ارتفعت نبرة السيد هاشم. "ليلى، أنت لا تفهمين مدى خطورة الموقف. هناك من يتربص بنا. وهناك من لا يهمه إلا مصالحه. يزيد هو الحل الوحيد للحفاظ على ما نملك."

"الحل الوحيد؟ أم الخيار الوحيد الذي فرضته علينا الظروف؟" استشعرت ليلى في كلماته حقيقة أشد قسوة. "وهل هذا الثمن الذي دفعه يزيد للحصول على "الاستقرار" هو... أنا؟"

لم يستطع السيد هاشم أن ينظر في عينيها. أخذ نفساً عميقاً. "بعض التنازلات تكون ضرورية يا ابنتي. وبعض الزيجات تبنى على أسس قد لا تبدو مثالية في البداية، لكنها تثمر في النهاية."

"تثمر؟ وكأنني قطعة أرض تُباع وتُشترى؟" زادت مرارة صوتها. "أبي، أرجوك قل لي الحقيقة كاملة. هل يزيد يعلم أنني... أنني مجرد ورقة ضغط؟"

"يزيد يعلم أن هذا الزواج مهم جداً لعائلته. وهو بدوره سيحصل على كل ما وعد به."

"وعد؟ وماذا وعدته أنت؟"

"وعدته... وعدته بشراكة استراتيجية. شراكة تمتد لسنوات."

"شراكة... أصبحت الآن أرى المعنى الحقيقي للكلمة. هل هذا يعني أن زواجنا سيكون... عقداً؟ عقداً بين عائلتين، وليس بين قلبين؟"

"ليلى، لا تجعلي الأمور تبدو بهذه السلبية. يزيد شاب صالح. قد تجدين معه ما لم تجديه في علاقات أخرى. حاولي أن تنظري إلى المستقبل بتفاؤل."

"تفاؤل؟ وأنا أقف على حافة مستقبل يبدو وكأنه سجن؟" قالت ليلى، والدموع تنهمر على خديها. "أبي، أنت لم تنقذنا، بل وضعتنا في مأزق أكبر. أنت لم تضحي من أجلنا، بل أنت من اضطررنا للتضحية. أنا... أنا أشعر بأنني خُنت."

"لا تقولي ذلك يا ابنتي!" صاح السيد هاشم، وقد امتلأت عيناه بالندم. "أنا أحبك، وحاولت أن أؤمن لك حياة كريمة."

"الحياة الكريمة لا تُشترى بالكرامة يا أبي." قالت ليلى، ثم وقفت. "أنا بحاجة لأن أكون وحدي. بحاجة لأن أفكر."

تركت والدها جالساً وحيداً في صالة المعيشة، وسط صمت ثقيل. صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. جلست على حافة السرير، تنظر إلى يديها المرتعشتين. هل كانت حياتها مجرد لعبة سياسية؟ هل كانت مشاعرها مجرد أداة؟ لم تعد تعرف ما الذي يجب أن تشعر به. الخيانة، الغضب، الحزن، كلها مشاعر تتضارب في صدرها. هل كان عليها أن تواجه يزيد بهذا؟ أن تطلب منه تفسيراً؟ أم أن تصمت، وتتحمل قدرها؟ الظلال لم تعد مجرد ظلال، بل أصبحت حقائق مظلمة تتكشف، وتهدد بإغراقها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%