زواج المصلحة الجزء الثاني
وشاحٌ منَ الذكرياتِ وواقعٌ جديد
بقلم سارة العمري
جلستْ ريمُ على مقعدِ النافذةِ في شرفتها، تطلُّ على الحديقةِ الغناءِ التي كانتْ ملاذَها منذُ الصغر. كانتْ الألوانُ الزاهيةُ للأزهارِ تبعثُ فيها بعضَ الطمأنينةِ، لكنَّ قلبها كانَ مثقلاً بهمومٍ تفوقُ قدرةَ فتاةٍ في عمرها. نسمةٌ خفيفةٌ داعبتْ خصلاتِ شعرها السوداءِ، فحركتْها قليلاً، فارتسمتْ على وجهها ابتسامةٌ باهتةٌ، كأنها تذكرها بأيامٍ مضتْ، أيامٌ كانتْ فيها الحياةُ أبسطَ، والأحلامُ أصفى.
في يدها، كانتْ تُمسكُ بصورةٍ قديمةٍ، صورةٌ جمعتها بوالدتها الراحلة. كانتْ أمها، سيدةَ العطاءِ والحنانِ، دائماً ما تُحدثها عنْ أهميةِ الوفاءِ والأخلاقِ، وعنْ بناءِ أسرةٍ على أسسٍ متينةٍ منَ الحبِّ والاحترامِ. الآن، وهيَ على وشكِ الارتباطِ برجلٍ لا تعرفهُ سوى بالاسمِ، كانتْ تشعرُ بأنَّ كلَّ تلكَ القيمِ قدْ أصبحتْ بعيدةً المنال.
"ريم، يا ابنتي، ما بكِ؟" جاءَ صوتُ والدها، الشيخُ سالم، يقطعُ صمتَها. اقتربَ منها ووضعَ يدهُ بحنانٍ على كتفها.
نظرتْ إليهِ ريمُ، وقدْ امتزجَ في عينيها الحزنُ والأمل. "لا شيءَ يا أبي. فقطْ أفكرُ."
"أفكرُ في فارس؟" سألَ الشيخُ سالمُ، وكانتْ نبرتهُ مليئةً بالتفهم. "أعلمُ أنَّ هذا الزواجَ لمْ يكنْ اختياركِ، ولكنهُ ضروريٌّ لنا جميعاً. الشيخُ فهد رجلٌ عظيمٌ، وابنهُ فارسٌ شابٌّ طموحٌ وقويٌّ. أنا واثقٌ منْ أنكما ستجدانِ طريقكما معاً."
تنهدتْ ريمُ. "ولكنْ يا أبي، هلْ المصلحةُ وحدها تكفي لبناءِ بيتٍ؟ هلْ يمكنُ لشخصينِ لا يعرفانِ بعضهما البعضَ أنْ يعيشا بسعادةٍ؟"
"الحبُّ يأتي معَ الأيامِ يا ابنتي. والرابطةُ التي ستجمعكما هيَ رابطةٌ مقدسةٌ. الصبرُ والحكمةُ مفتاحُ السعادةِ في كلِّ زواجٍ، خاصةً الزواجَ الذي يبدأُ هكذا." قالَ الشيخُ سالمُ، وقدْ حاولَ أنْ يُقنعَ نفسه قبلَ أنْ يُقنعَ ابنتهُ. "فارسُ رجلٌ مسؤولٌ، وسيُدركُ قيمةَ هذهِ الشراكةِ. وأنتِ، يا ريمُ، بعلمكِ وحكمتكِ، ستُجيدينَ التعاملَ معَ الأمور."
"ولكنْ يا أبي، لقدْ أخبرني فارسٌ أنهُ لمْ يوافقْ على هذا الزواجِ إلا بعدَ ضغطٍ كبيرٍ. وأنهُ كانَ لديهِ خططٌ أخرى لحياتهِ." قالتْ ريمُ، وقدْ بدأتْ تشعرُ بقلقٍ أكبر.
"كانَ يرفضُ في البدايةِ، وهذا طبيعيٌّ. ولكنْ، انظرِي إلى الأمرِ منْ زاويةٍ أخرى. لقدْ وافقَ أخيراً. هذا يعني أنهُ قدْ بدأَ يرى الصورةَ الأكبرَ، ويُدركُ أهميةَ هذهِ الخطوةِ." قالَ الشيخُ سالمُ، ثمَّ أضافَ وهوَ ينهضُ: "لقدْ تحدثتُ معَ والدتكِ، أمُّ فارسٍ، قبلَ وفاتها، ووعدتُها أنْ تكونَ هناكَ روابطُ قويةٌ بينَ عائلتينا. هذهِ هيَ الفرصةُ لتحقيقِ وعدي، ولتأكيدِ أمانةِ والدتكِ."
تغيرَ تعبيرُ وجهِ ريمُ قليلاً. لقدْ كانتْ أمُّ فارسٍ، فاطمة، صديقةً مقربةً لوالدتها، وكانتْ قدْ تحدثتْ معها كثيراً عنْ فارسٍ وعنْ أحلامهِ. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هذا الزواجُ في النهايةِ خيراً؟
"غداً، سيأتي فارسٌ لزيارتنا، وسيكونُ معكمْ لقاءٌ ليتحدثَ فيهِ أكثرَ. حاولِي أنْ تمنحيهِ فرصةً، يا ابنتي. وأنا أطلبُ منكِ، بقلبِ والدٍ يريدُ لابنتهِ السعادةَ، أنْ تُعطي هذا الزواجَ فرصةً حقيقيةً."
ذهبتْ ريمُ إلى غرفتها، وقلبها يخفقُ بتوترٍ. الغدُ سيأتي بفارس. الرجلُ الذي سيُشاركُها حياتها، أو سيُصبحُ مجردَ ذكرى أخرى في دفترِ ذكرياتها. تذكرتْ كلماتِ والدتها: "السعادةُ ليستْ في العثورِ على الرجلِ المثاليِّ، بلْ في بناءِ علاقةٍ مثاليةٍ معَ الرجلِ الذي تختارهُ الأقدارُ لك." هلْ يمكنُها أنْ تبني علاقةً مثاليةً معَ فارس؟
في تلكَ الليلةِ، لمْ تنمْ ريمُ كثيراً. كانتْ تتخيلُ لقاءها الأولَ معَ فارس. هلْ سيكونُ متكبراً؟ هلْ سيكونُ بارداً؟ هلْ سيُحاولُ إظهارَ اهتمامهِ، أمْ أنَّهُ سيعاملها كواجبٍ اجتماعيٍّ مفروضٍ عليه؟
وفي صباحِ اليومِ التالي، بينما كانتْ الشمسُ تُلقي بأشعتها الذهبيةِ على مدينةِ الرياضِ، كانتْ ريمُ تستعدُ للقاءٍ قدْ يُشكلُ منعطفاً في حياتها. اختارتْ ثوباً بسيطاً، ذا ألوانٍ هادئةٍ، وحاولتْ أنْ تُبدو واثقةً، رغمَ الاضطرابِ الذي كانَ يملأُ قلبها.
عندَ الظهيرةِ، وصلَ فارسُ برفقةِ والدهِ. كانتْ تحيةُ والدها لهُ حارةً، بينما كانَ فارسٌ مُحترماً، ولكنْ بارداً بعضَ الشيء. عندما قدمهُ والدُهُ لريمُ، شعرتْ ريمُ بارتباكٍ شديدٍ. كانَ فارسُ أطولَ مما تخيلت، وعيناهُ بنيتانِ عميقتانِ، تحملانِ نظرةً ثاقبةً، وبدا عليهِ شيءٌ منَ الأناقةِ الهادئة.
"أهلاً بكِ يا آنسة ريم،" قالَ فارسُ بصوتٍ هادئٍ، لكنهُ كانَ يخلو منَ الدفءِ الذي كانتْ تتوقُ إليه. "أتشرفُ بلقائكِ."
"أهلاً بكَ السيد فارس،" أجابتْ ريمُ، وقدْ شعرتْ بأنَّ كلماتها تخفتُ. "شرفٌ لي أيضاً."
جلسَ الجميعُ في غرفةِ الضيوفِ الواسعة. بدأَ الشيخُ فهد والشيخُ سالمُ بالحديثِ عنْ مجالاتِ التعاونِ بينَ العائلتينِ، وعنْ ضرورةِ توطيدِ العلاقاتِ. كانتْ الأحاديثُ رسميةً، ومُعدةً مسبقاً، ولمْ تمنحْ فرصةً لريمُ أو فارسٍ للحديثِ بشكلٍ خاص.
بعدَ فترةٍ، انسحبَ الأبوانِ لمناقشةِ بعضِ الأمورِ المتعلقةِ بالصفقاتِ، تاركينَ ريمُ وفارسَ وحدهما. سادَ صمتٌ محرجٌ بينهما. حاولتْ ريمُ كسرَ حاجزِ الصمتِ.
"هلْ تبدو لكَ المدينةُ جميلةً في هذا الوقتِ منَ العام؟" سألتْ ريمُ، محاولةً أنْ تبدو طبيعيةً.
نظرَ إليها فارسٌ، وقدْ ارتسمتْ على وجههِ ابتسامةٌ خفيفةٌ، بالكادِ تُرى. "نعم، جميلةٌ جداً. ولكنْ، أرى أنَّ جمالَ الطبيعةِ لا يُقارنُ بجمالِ روحٍ شفافةٍ."
رفعتْ ريمُ حاجبيها، متفاجئةً منَ الإطراءِ غيرِ المتوقع. هلْ كانَ يقصدُ شيئاً؟ أمْ أنها مجردُ مجاملةٍ أخرى؟
"شكراً لكَ،" قالتْ ريمُ بخجلٍ. "ولكنْ، أعتقدُ أنَّ هذا الزواجَ يبدو لكَ كما يبدو لي، مجردَ واجبٍ."
تنهدَ فارسُ. "في البدايةِ، نعم. لقدْ كانتْ هذهِ الفكرةُ مرفوضةً لدي تماماً. ولكنْ، بعدَ التفكيرِ، وبعدَ أنْ أدركتُ أنَّ هذا الزواجَ قدْ يُعيدُ التوازنَ إلى عائلتي، ويُسهمُ في مستقبلٍ أفضلَ لنا جميعاً، قررتُ القبولَ. ولكني أؤكدُ لكِ، أني لنْ أُجبركِ على شيءٍ لا تريدينه. هذا الزواجُ سيكونُ شراكةً، وليسَ سجناً."
نظرتْ ريمُ إلى عينيهِ، ورأتْ فيهما بعضَ الصدقِ. ربما، كانَ لديهِ الحقُّ. ربما، يمكنُ لهذهِ الشراكةِ أنْ تُصبحَ شيئاً جميلاً.
"أنا أيضاً،" قالتْ ريمُ بصوتٍ خافتٍ، "كنتُ أرى الأمرَ كواجبٍ. ولكنْ، ربما، معَ الوقتِ، ومعَ المحاولةِ، يمكنُ لهذا الواجبِ أنْ يتحولَ إلى شيءٍ آخر."
كانتْ هذهِ بدايةً. بدايةٌ هشةٌ، تحملُ في طياتها الكثيرَ منَ التساؤلاتِ. ولكنْ، ربما، كانتْ هذهِ هيَ الشرارةَ الأولى التي ستُضيءُ دربَ المستقبلِ.