زواج المصلحة الجزء الثاني
ريحٌ عاتيةٌ تضربُ شراعَ الأمل
بقلم سارة العمري
انقضتْ الأسابيعُ الأولى بعدَ اللقاءِ الأولِ بينَ ريمُ وفارس. بدأتْ الأحاديثُ بينهما تأخذُ منحىً أكثرَ انفتاحاً، ولكنَّ ظلَّ الحذرِ كانَ لا يزالُ يُخيمُ على لقاءاتهما. كانتْ ريمُ تكتشفُ جوانبَ في شخصيةِ فارسٍ لمْ تكنْ تتوقعها. وجدتْ فيهِ ذكاءً حاداً، وشغفاً لا ينضبُ بالعملِ، وروحاً طيبةً خلفَ قناعِ الجديةِ والصرامةِ. كانَ يُبدي اهتماماً بآرائها، ويستمعُ إليها بصبرٍ، بلْ ويتجاوبُ معَ بعضِ اقتراحاتها في أمورٍ تتعلقُ بتنظيمِ حياتهما المشتركةِ مستقبلاً.
في المقابلِ، كانَ فارسُ يرى في ريمُ فتاةً ذكيةً، واعيةً، وتتمتعُ بقدرٍ عالٍ منَ الرزانةِ. أعجبَ بأسلوبها الهادئِ في الحوارِ، وبقدرتها على التعبيرِ عنْ أفكارها بوضوحٍ، ودونِ تشنجٍ. كانَ يجدُ فيها راحةً لمْ يعتدْ عليها، وشيئاً منَ الصفاءِ الذي كانَ يفتقدُهُ في عالمِ الأعمالِ الصاخب.
في إحدى الأمسياتِ، بينما كانا يجلسانِ معاً في حديقةِ منزلِ الشيخِ سالم، بعدَ عشاءٍ عائليٍّ لطيف، سألها فارسٌ: "ريـم، هلْ تشعرينَ أنَّ هذا الزواجَ ما زالَ عبئاً عليكِ؟"
نظرتْ إليهِ ريمُ، وقدْ لمحتْ في عينيهِ صدقاً حقيقياً. "في البدايةِ، كانَ كذلكَ. ولكنْ، لا أنكرُ أنَّ حديثنا معاً، واطلاعكَ على بعضِ تفاصيلَ حياتي، واطلاعي على بعضِ تفاصيلَ حياتكَ، قدْ بدأَ يُغيرُ شيئاً بداخلي. أشعرُ أنكَ لستَ مجردَ شريكٍ في صفقةٍ، بلْ شخصٌ يمكنُ أنْ أتقاسمَ معه الأفكارَ والمشاعرَ."
ابتسمَ فارسٌ ابتسامةً حقيقيةً هذهِ المرة، بدتْ تُنيرُ وجههُ. "وهذا ما كنتُ أرجوهُ. لمْ أردْ لهذا الزواجِ أنْ يكونَ مجردَ عقودٍ وأوراقٍ. كنتُ أبحثُ عنْ راحةٍ، وعنْ شريكةٍ تُشاركني الحياةَ، بكلِّ ما فيها. وقدْ وجدتُ فيكِ هذا الشيءَ."
شعرتْ ريمُ بالدفءِ يتسللُ إلى قلبها. لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ تجدَ هذا القدرَ منَ الصراحةِ والصدقِ في فارس.
"أتذكرُ عندما تحدثنا لأولِ مرةٍ، كنتُ أشعرُ بأنَّ الحياةَ قدْ انتُزعتْ مني، وأنني سأُصبحُ مجردَ بيدقٍ في لعبةِ الكبارِ،" قالتْ ريمُ بصوتٍ حالمٍ. "ولكنْ، يبدو أنَّ اللهَ قدْ أرادَ لنا الخيرَ."
"الحمدُ للهِ،" قالَ فارسُ، وهوَ ينظرُ إلى النجومِ المتلألئةِ في السماءِ. "ولكنْ، حتى لو لمْ تسرِ الأمورُ كما خططنا لها، فسنبقى أصدقاءَ. هذا هوَ وعدي لكِ."
لمْ يكنْ فارسُ يعلمُ كمْ كانَ صادقاً في هذا الوعدِ، ولمْ يكنْ يعلمُ أنَّ الظروفَ ستُختبرُ قريباً، بطريقةٍ لمْ يتخيلها أحدٌ.
بعدَ بضعةِ أيامٍ، تلقى فارسُ اتصالاً هاتفياً قلبَ موازينَ عالمهِ. كانتْ والدتهُ، السيدةَ فاطمة، التي كانتْ تُعاني منْ مرضٍ مفاجئٍ، قدْ ازدادتْ حالتها سوءاً. نُقلتْ إلى المستشفى، وبدتْ الأعراضُ خطيرةً.
عادَ فارسُ إلى منزلِ والدهِ، وقدْ استبدلَ ببريقِ الأملِ نورُ القلقِ والأسى. واجهَ والدهُ، الشيخَ فهد، بعينينِ مُلئتينِ بالدموع. "يا أبي، أمي في المستشفى، وحالتها خطيرةٌ جداً. الأطباءُ يقولونَ إنها تحتاجُ إلى عنايةٍ فائقةٍ، وإلى دعمٍ نفسيٍّ كبيرٍ. وقدْ قرروا أنَّ أفضلَ شيءٍ لها هوَ أنْ تكونَ محاطةً بأهلها وأحبائها."
نظرَ الشيخُ فهد إلى ابنهِ، وقدْ غشيتْ عينيهِ الدموعُ أيضاً. "وماذا تريدُ مني يا فارس؟"
"أريدُ منك، يا أبي، أنْ تسمحَ لي بتأجيلِ الزواجِ. أحتاجُ أنْ أكونَ بجوارِ أمي، وأنْ أُركزَ كلَّ طاقتي على رعايتها. كما أنَّ ريمُ، بعدَ أنْ علمتْ بالأمرِ، شعرتْ بحزنٍ شديدٍ، ورغبتْ في أنْ تكونَ بجوارِ والدتي أيضاً. أرجو أنْ تتفهمَ."
صمتَ الشيخُ فهد للحظةٍ، ثمَّ قالَ بصوتٍ مُتعب: "ولكنْ، فارسُ، إنَّ الشيخَ سالمَ قدْ بدأَ في تحضيراتٍ كبيرةٍ. وكثيرٌ منَ الشركاءِ قدْ بدأوا يعلمونَ بالزواجِ. لا يمكننا التراجعُ الآن."
"يا أبي، هذهِ أمي! هلْ يمكنُ أنْ نُقارنَ أمي بصفقةٍ تجاريةٍ؟" صرخَ فارسٌ، وقدْ تملكتهُ العاطفةُ.
"أنا لا أُقارنُ شيئاً يا فارس، ولكني أفكرُ في مصلحةِ العائلةِ، وفي سمعتنا." قالَ الشيخُ فهد، وقدْ بدا عليهِ الإرهاقُ الشديدُ. "ولكنْ، دعني أتحدثُ معَ الشيخِ سالم. وسأرى ما يمكنُ فعلهُ."
في تلكَ الليلةِ، لمْ تكنْ ريمُ أقلَّ قلقاً. كانتْ تُصلي وتدعو لوالدةِ فارسٍ بالشفاءِ. وفكرتْ في فارسٍ، وكيفَ سيكونُ وضعهُ. لقدْ بدأتْ تشعرُ برابطٍ حقيقيٍّ تجاههُ، رابطٍ يتجاوزُ حدودَ الواجبِ والمصلحة.
عندما اتصلَ الشيخُ فهد بالشيخِ سالم، وجدَ في وجههِ بعضَ التفهم. أبلغهُ فارسُ بالأمرِ، وبدى الشيخُ سالمُ متفهماً لوضعِ والدةِ فارسٍ. "لا تقلقْ يا فارس،" قالَ الشيخُ سالمُ. "صحةُ والدتكَ هيَ الأهمُّ. يمكننا تأجيلُ الزواجِ لبعضِ الوقتِ. ولكنْ، تأكدْ أنَّ هذا التأجيلَ يجبُ أنْ يكونَ مؤقتاً. لدينا التزاماتٌ كبيرةٌ."
شعرَ فارسُ بالراحةِ. "شكراً لكَ يا عمي. لنْ أخيبَ ظنكِ."
عادَ فارسُ إلى المستشفى، ليجدَ ريمُ تجلسُ بجوارِ سريرِ والدتهِ، تُمسكُ بيدها، وتُحدثها بهدوءٍ. عندما رآها فارسُ، شعرَ بشيءٍ منَ الدفءِ ينسابُ في قلبهِ. لقدْ أظهرتْ لهُ ريمُ جانباً آخرَ منْ طيبةِ قلبها، جانباً لمْ يكنْ يتوقعُهُ.
"شكراً لكِ يا ريمُ،" قالَ فارسُ، وقدْ اقتربَ منها. "لمْ أتوقعْ أنْ تكوني هنا."
ابتسمتْ ريمُ، وعيناها تلمعانِ. "كيفَ لا أكونُ هنا؟ إنها والدةُ فارسٍ. وهيَ الآنَ أمي بالتبني. أتمنى لها الشفاءَ العاجلَ."
في تلكَ اللحظةِ، شعرَ فارسُ بأنَّ هذا الزواجَ، رغمَ بدايتهِ غيرِ المعتادةِ، قدْ يكونُ خيراً لهما. لقدْ وجدَ في ريمُ شريكةَ حياةٍ حقيقيةً، شريكةً يمكنُ الاعتمادُ عليها في السراءِ والضراءِ.
ولكنْ، لمْ يكنْ يعلمُ أنَّ هذا التأجيلَ، والذي بدا في حينهِ حلاً بسيطاً، سيُصبحُ بدايةَ سلسلةٍ منَ الأحداثِ المعقدةِ، وأنَّ ريحاً عاتيةً كانتْ تنتظرُ لضربَ شراعَ الأملِ الذي بدأَ يتشكلُ بينهما.