زواج المصلحة الجزء الثاني
زهرة الخزامى في صحراء الروح
بقلم سارة العمري
كانت نسمة الهواء العليلة التي تداعب وجنتي لينا وهي تقف على شرفة قصر والديها، تحمل معها عبق الياسمين الممزوج برائحة الأرض الندية بعد مطر خفيف، مگرت تلك النسمة لتلامس ما استقر في أعماق روحها من حزن دفين. نظرت إلى الأفق البعيد، حيث تلاقت زرقة السماء مع سكون الصحراء الذهبية، وشعرت بصغرها أمام هذا الاتساع اللامتناهي. لم يكن الأمر يتعلق بالحزن العادي، بل كان شعورًا أعمق، يختلط فيه الألم بالمرارة، وحلمٌ محطمٌ بعبء مسؤوليةٍ فرضت عليها رغمًا عنها.
كان زواجها من سالم، رغم ما بدا عليه من انسجام ظاهري، أشبه بقلعةٍ بنيت على رمال متحركة. لم يكن حبًا، بل كان عقدًا، صفقةً رابحةً في نظر العائلتين، لكنها كانت الطرف الخاسر الوحيد في هذه المعادلة. سالم، الشاب الوسيم، ذو العينين العميقتين كبحرٍ هائج، والطموح الجامح الذي كان يتوارى خلف واجهةٍ هادئة، لم يكن يرى فيها سوى زوجةً تنجب له الورثة، وترفع من شأن عائلته. لم يرَ الشاعرة المرهفة، ولا الفتاة التي تعشق الكتب، ولا الروح التي تتوق إلى الحرية.
وعلى الجانب الآخر، كان هناك فارس. اسمه وحده كان يثير في قلبها رعشةً خفية، ذكرىً لحبٍ بريءٍ لم تسنح له الفرصة لينمو. فارس، ابن عمها، الذي ربطتها به علاقةٌ وثيقةٌ في طفولتها، ثم تباعدا بسبب ظروف الحياة، ليعود ويظهر فجأةً في حياتها كطيفٍ من الماضي، يبعث في روحها الدفء المفقود. كان كل ما فيه يتحدث عن النبل والأصالة، وكان يحمل بين جنبيه تلك الشجاعة التي افتقدتها في حياتها الجديدة.
"لينا! إلى أين شرد بذهنك؟" صوت والدتها، الشيخة فاطمة، اخترق سكون تفكيرها، ليُعيدها إلى أرض الواقع. التفتت لينا نحو والدتها التي كانت تقف عند مدخل الشرفة، تحمل في يديها صينيةً صغيرةً تحتوي على كوبين من الشاي الأخضر وبضع قطع من التمر الفاخر. كانت الشيخة فاطمة امرأةً وقورةً، تتسم بالحكمة والرزانة، لكنها كانت تحمل في عينيها نظرةً قلقةً، لم تخفَ على لينا أبدًا.
"لا شيء يا أمي، كنتُ أتأمل الأفق." أجابت لينا بابتسامةٍ باهتة، تحاول إخفاء ما يعتمل في صدرها. اقتربت والدتها ووضعت الصينية على طاولةٍ صغيرة، ثم جلست بجوارها، واحتضنتها بحنانٍ قائلة: "أعلم يا ابنتي أن هذا الزواج لم يكن اختياركِ الأوحد، ولكن ثقي بأن القدر له حكمته. سالم شابٌ طيبٌ، وسيقدركِ مع الوقت."
تنهدت لينا بعمق، ولم تجد في نفسها القدرة على الرد. كانت تعلم أن والدتها تحاول مواساتها، لكن كلمات العزاء لم تعد تجدي نفعًا. كانت تشعر بأنها عالقةٌ في شبكةٍ معقدة، نسجتها تقاليدٌ وعاداتٌ أقوى من إرادتها.
"متى سيعود سالم؟" سألت لينا، متناولةً كوب الشاي، محاولةً إيجاد موضوعٍ آخر لملء الفراغ. "قال إنه سيعود الليلة، لديه بعض الأمور العاجلة في دبي." أجابت الشيخة فاطمة، وازدادت نظرتها قلقًا. "الحياة معكِ يا لينا أصبحت صعبةً، وكأنكِ تفرضين عليه حجابًا غير مرئي."
كانت والدتها على حق. منذ أن علمت لينا بإعجاب فارس بها، وكيف أنه لا يزال يكن لها مشاعر عميقة، بدأت تعامل سالم ببرودٍ ملحوظ. لم يكن الأمر سهلاً، فبينما كان سالم يتعامل معها بلطفٍ واحترام، كانت هي تشعر بالذنب تجاهه، وفي الوقت ذاته، كانت لا تستطيع كبت مشاعرها نحو فارس. كانت تخاف أن تضيع فرصةً أخرى، فرصةً قد تكون هي فرصتها الوحيدة للسعادة الحقيقية.
"أنا فقط... أشعر بالإرهاق." قالت لينا، وهي تشيح بوجهها بعيدًا، تلتقط عبارةً لم تبح بها. "هذا القصر، هذه الحياة، كل شيء... ثقيلٌ عليّ." نظرت إليها الشيخة فاطمة بحنانٍ، وأدركت أن ابنتها لم تعد تلك الفتاة المرحة والنابضة بالحياة التي كانت تعرفها. كانت هناك علاماتٌ واضحةٌ على الاضطراب الداخلي.
"هل هناك ما يزعجكِ يا لينا؟ شيءٌ يتعلق بسالم؟" سألت والدتها بصوتٍ خفيض، محاولةً استدراجها للكشف عن أسرارها. توقفت لينا للحظة، تزن كلماتها. لم تكن تريد إلقاء اللوم على سالم، فهو لم يرتكب بحقها أي ذنبٍ واضح. لكن الخلل كان يكمن في عدم توافق روحهما، وفي غياب الشرارة التي تبني زواجًا قويًا.
"لا يا أمي، سالم رجلٌ كريمٌ. لكن..." ترددت لينا. "لكنني أشعر بأنني لا أعرفه حقًا. كأننا نعيش في عالمين مختلفين، نحاول جاهدين التقاء أطرافنا، لكن الفجوة واسعةٌ جدًا."
تنهدت الشيخة فاطمة. "هذا طبيعيٌ في البداية يا ابنتي. الزواج يحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ وصبر. أنتما ما زلتما في بداية الطريق. ومع الوقت، سيتجلى لكِ كل شيء."
لكن لينا كانت تشعر بأن الوقت يمر بسرعة، وأن الفرص تتلاشى. كانت تتذكر محادثاتها مع فارس، كيف كان يفهمها دون كلام، وكيف كانت تشعر معه بالأمان والانتماء. كان فارس يمثل لها النجاة من سجنٍ ذهبي، كان يمثل لها الأمل في حياةٍ حقيقية.
"أتذكرين يا أمي عندما كنتُ صغيرةً، وكنتُ أحب الرسم؟" قالت لينا فجأة، وعيناها تلمعان بذكرياتٍ بعيدة. "كنتُ أرسم دائمًا زهرة الخزامى. كانت بالنسبة لي رمزًا للجمال والهدوء. الآن أشعر بأن روحي أصبحت صحراءً قاحلة، تبحث عن زهرة خزامى واحدةٍ لتُعيد إليها الحياة."
ابتسمت الشيخة فاطمة بحزن. "وهل تعتقدين أن زهرة الخزامى هذه ستنمو في صحراء روحكِ؟" "لا أعلم يا أمي، لكنني أتمنى ذلك." قالت لينا، وعادت نظراتها لتتجه نحو الأفق.
لم تكن لينا تعرف أن هذه الصحراء القاحلة في روحها، كانت على وشك أن تشهد عاصفةً لم تكن تتوقعها. عاصفةٌ ستجعلها تكشف عن أعمق رغباتها، وتضعها أمام خياراتٍ مستحيلة. سالم، الذي بدا لها هادئًا كسطح بحيرةٍ، كان يخفي في أعماقه تياراتٍ قوية. وفارس، الذي كان يمثل لها الأمل، كان عالقًا في صراعٍ أكبر مما تظن.
كانت تعلم أنها تحتاج إلى قرار. قرارٌ يغير مجرى حياتها. إما أن تستسلم لحياتها الحالية، وتدفن أحلامها تحت رمال الواجب، أو أن تبحث عن منفذٍ، عن طريقٍ ربما يكون محفوفًا بالمخاطر، لكنه قد يقودها إلى السعادة الحقيقية. ومع عودة سالم الوشيكة، شعرت لينا بأن الوقت ينفد، وأن معركتها الداخلية على وشك أن تتصاعد إلى مستوى جديد.
"ساخبركِ شيئًا يا أمي." قالت لينا، وقد اتخذت قرارًا مفاجئًا. "أعتقد أنني سأذهب إلى مكتبتي القديمة. اشتقتُ للقراءة، وللشعور بالهدوء." فوجئت الشيخة فاطمة. "ولكن سالم سيعود الليلة. هل تودين أن تنتظري؟" "لا، سأذهب الآن. سأكون بخير." قالت لينا، وهي تنهض برشاقة، وتحاول أن تبدو واثقة.
كانت تلك مجرد حجة. في الحقيقة، كانت لينا تسعى وراء شيءٍ آخر. كانت تسعى وراء ذكرى. ذكرى فارس، ورسالةٌ تركها لها قبل سنوات، وعدٌ بأن يبقى قريبًا، بأن يدعمها دائمًا. كانت بحاجةٍ إلى تلك الرسالة، إلى تلك الكلمات التي قد تُعيد إليها الأمل، أو ربما تُزيد من تعقيد أمورها.
وهكذا، بدأت رحلة لينا في البحث عن زهرة خزامى في صحراء روحها، رحلةٌ لم تكن تعلم أنها ستقودها إلى قلب العاصفة.