زواج المصلحة الجزء الثاني
صدى الماضي ولهيب الحاضر
بقلم سارة العمري
في ذلك اليوم المشمس، الذي كان يعكس ببريقٍ باهرٍ ذهب الصحراء، انطلقت لينا بسيارتها الفاخرة، تخترق طرقات المدينة المزدحمة، وفي قلبها خليطٌ من الترقب والقلق. لم يكن هدفها مجرد البحث عن كتابٍ قديم، بل كان أشبه بالبحث عن دليلٍ في متاهةٍ معقدة. مكتبتها القديمة، تلك التي كانت ملاذها في زمن الطفولة والمراهقة، كانت تحتفظ بذكرياتٍ كثيرة، وربما بإجاباتٍ كانت تبحث عنها.
وصلت إلى المبنى الذي كان يضم المكتبة، وركنت السيارة بهدوء. كان المبنى يبدو قديمًا، يحتفظ بعبق الماضي، وعلى واجهته لازالت لافتةٌ مغبرةٌ تحمل اسم "مكتبة الأماني". انزلت دموعٌ خفيةٌ من عينيها، تذكرت أيامًا كانت فيها تلهو بين رفوف الكتب، وتتخيل قصصًا لا نهاية لها.
عندما دخلت، استقبلها هدوءٌ عميقٌ، ممزوجٌ برائحة الورق القديم والغبار. كان المكان شبه مهجور، والباعة قليلون. تجولت بين الأرفف، باحثةً عن قسم الشعر، حيث كانت تقضي معظم وقتها. عيناها تتفحصان العناوين، وقلبها ينبض بتوقعاتٍ متضاربة.
"هل تبحثين عن شيءٍ معين؟" صوتٌ هادئٌ، لكنه حمل نبرةً غريبة، جعلت لينا تتجمد في مكانها. التفتت ببطء، لتجد أمامها رجلاً في منتصف العمر، يرتدي زيًا بسيطًا، ويعلو وجهه ابتسامةٌ خفيفة. لم يكن غريبًا عنها تمامًا، فقد كانت تلتقي به في المكتبة مراتٍ عديدة في الماضي. كان السيد سعيد، صاحب المكتبة، رجلٌ ذو بصيرةٍ عميقة، وكان يعرف شغفها بالقراءة.
"أهلًا بكِ يا لينا. عدتِ بعد غيابٍ طويل." قال السيد سعيد، وعيناه تتأملان وجهها بتروٍ. "أتذكرين عندما كنتِ تأتين إلى هنا كل يوم، تبحثين عن قصص الأبطال والأميرات؟"
ابتسمت لينا ابتسامةً حقيقيةً هذه المرة. "نعم يا سيدي. أتذكر ذلك جيدًا." "وماذا تبحثين عنه اليوم؟ هل هي قصةٌ جديدةٌ لمغامرةٍ ما؟" سأله بصوته الهادئ.
ترددت لينا للحظة، ثم قررت أن تكون صادقةً قدر الإمكان. "في الحقيقة، أنا أبحث عن رسالةٍ قديمة، تركتها لشخصٍ ما هنا. ربما تتذكرينها." كانت الرسالة تعود إلى زمنٍ قريبٍ جدًا، قبل زواجها، عندما كانت تلتقي بفارس في الخفاء، وكانت تحمل بين طياتها وعدًا باللقاء، وبكلماتٍ عميقةٍ لم تسمح لها الظروف بإعلانها.
نظر السيد سعيد إلى لينا بعينين ذكيتين، وكأنه يقرأ أفكارها. "رسالةٌ قديمة؟ ربما أتذكر. هل كانت تخص شابًا ذو عينين حادتين، وشعرٍ داكن؟" ارتعش قلب لينا. كيف عرف؟ هل كان يتذكر كل زبائنه بهذا التفصيل؟ "نعم، نعم، هو نفسه." "لقد أتيتَ قبل بضعة أشهر، تبحث عن هذه الرسالة. أذكر أنك لم تجدها." قال السيد سعيد، وقد ارتسمت على وجهه علامات التفكير. "كانت جزءًا من مجموعةٍ من الرسائل التي تركتها في صندوقٍ خشبيٍ قديم، ظننتُ أنني قد حفظتها جيدًا، لكن يبدو أن الزمن قد أضاعها."
شعر قلب لينا ببردٍ مفاجئ. "لم تجدها؟ لكنني متأكدةٌ من أنها كانت هنا." "انتظري قليلاً." قال السيد سعيد، وذهب إلى خزانةٍ خشبيةٍ قديمة، وظل يبحث فيها لبعض الوقت. ثم عاد يحمل صندوقًا صغيرًا، مغبرًا، يبدو أن الزمن قد عبث به. "كنتُ قد وضعتُ بعض الأشياء القديمة التي تركها الزبائن هنا. ربما تكون الرسالة من بينها."
فتحت لينا الصندوق بيدين مرتجفتين. كانت هناك أوراقٌ قديمة، صورٌ باهتة، وخصلاتٌ من الشعر. وبين كل ذلك، وجدت مظروفًا أبيض، كتب عليه اسمها بخطٍ أنيقٍ لم تعرفه إلا جيدًا. كان خط فارس.
ارتعش جسدها وهي تفتح المظروف. كانت الرسالة قصيرة، لكنها حملت في طياتها كمًا هائلاً من المشاعر:
"إلى لينا، نور عيني، إن كنتِ تقرأين هذه الكلمات، فاعلمي أنني ما زلتُ أنتظر. انتظرتُ طويلاً، وما زلتُ على استعدادٍ للانتظار أكثر. أعرف أن الظروف قد فرقت بيننا، لكن قلبي لم يفارقكِ أبدًا. أتذكرين تلك الليلة تحت سماء الصحراء، حين وعدنا بعضنا البعض؟ لم أنسَ وعدي. إن كانت لكِ أي رغبةٍ في العودة، أو حتى في مجرد التحدث، فأعلمي أن أبوابي مفتوحةٌ دائمًا. لا تطيلي الغياب، لأن غيابكِ يجعل الحياة تفقد معناها. أخوكِ، وصديقكِ، ومن يحمل لكِ في قلبه حبًا أبديًا، فارس."
تسللت دمعةٌ حارةٌ على خد لينا، وسرعان ما تلتها أخرى. كانت كلمات فارس كبلسمٍ لجراحها، وكوقودٍ لأملٍ كاد أن ينطفئ. لكنها لم تكن تعلم أن هذا الأمل، قد يحمل في طياته المزيد من المخاطر.
"أتعرفين هذا الشاب؟" سأل السيد سعيد، ملاحظًا دموعها. "نعم، إنه شخصٌ عزيزٌ جدًا عليّ." قالت لينا، بصوتٍ مختنقٍ بالعبرات. "شكرًا لك يا سيدي، لقد أعطيتني الأمل من جديد."
عندما خرجت لينا من المكتبة، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ملقيةً بظلالٍ طويلةٍ على المدينة. لم تعد تلك الفتاة التي دخلت المكتبة، بل كانت الآن تحمل في قلبها شعلةً جديدة، لكنها كانت تخشى أن تكون هذه الشعلة، بدايةً لنارٍ أكبر.
في طريق عودتها، استمرت في قراءة الرسالة مرارًا وتكرارًا. كلمات فارس كانت تعيد إليها ذكرياتٍ كثيرة، أيامًا كانت فيها السعادة بسيطةً، والحب نقيًا. لكنها كانت تعلم أن حياتها الآن ليست كذلك. زواجها من سالم، وضعها الاجتماعي، كل ذلك كان يمثل سدودًا أمام أي علاقةٍ مع فارس.
عندما وصلت إلى القصر، كان سالم قد عاد بالفعل. كان جالسًا في الصالة الرئيسية، يتحدث مع والدها. ارتسمت على وجهه علامات التعب، لكنه ابتسم عند رؤيتها.
"لينا، أهلاً بعودتكِ. كيف كان يومكِ؟" سألها، وكأن شيئًا لم يكن. شعرت لينا ببرودٍ مفاجئ. كيف لها أن تتظاهر أمامه؟ كيف لها أن تخفي الرسالة في قلبها، بينما هي تشعر بأنها قد خانته؟ "كنتُ في المكتبة." أجابت لينا باختصار، متجنبةً النظر في عينيه. "هل وجدتِ ما تبحثين عنه؟" سألها والدها، ضاحكًا. "نعم، وجدتُ شيئًا." قالت لينا، وهي تشعر بثقل الكلمات.
في تلك الليلة، لم تستطع لينا النوم. بقيت الرسالة بجوارها، تضيء خافتًا في ظلمة الغرفة. كانت كلمات فارس تتردد في أذنها، ووعد الحب الأبدي، وصداقته التي لم تتغير. لكنها كانت تعلم أن الواقع أعقد بكثير.
كانت تقف على مفترق طرق، والماضي يشدها من جهة، والمستقبل المجهول من جهةٍ أخرى. هل ستستمر في طريقها الحالي، أم ستغامر بكل شيءٍ من أجل حبٍ قد يكون ضائعًا؟ كانت زهرة الخزامى التي بحثت عنها في صحراء روحها، قد بدأت تنبت، لكنها كانت تخشى أن يُدفن نورها تحت سماءٍ ملبدةٍ بالغيوم.