زواج المصلحة الجزء الثاني

ريح التغيير وصدى الشك

بقلم سارة العمري

في أروقة قصر آل السالم، كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر. لم يكن سبب ذلك الحفل الكبير الذي استقبل فيه سالم الوفد التجاري الأجنبي، بل كان هناك شيءٌ أعمق، شيءٌ بدأ يتغلغل في حياة لينا وسالم، شيئًا أفرزه لقاء لينا بفارس.

كان سالم، بحكمته ورؤيته الثاقبة، قد بدأ يشعر بتغيرٍ ملحوظٍ في لينا. لم يكن الأمر متعلقًا فقط بالبرود، بل كان هناك نوعٌ من الانشغال والتوتر، تارةً يختفي ليحل محله بريقٌ غامضٌ في عينيها، وتارةً أخرى يعود القلق يرتسم على ملامحها. لقد لاحظ ابتعادها، وتفكيرها المستمر، وكأنها تحمل سرًا كبيرًا.

"لينا، هل أنتِ متعبةٌ من هذا الحفل؟" سأل سالم لينا بلطفٍ، بينما كانا يتحدثان مع أحد الضيوف. نظرت إليه لينا، وحاولت أن ترسم ابتسامةً طبيعية. "لا، أنا بخير. فقط... هناك الكثير من التفاصيل." "أعلم. لكنني ألاحظ أنكِ لستِ على ما يرام منذ بضعة أيام." قال سالم، ونبرته كانت تحمل شيئًا من القلق المصحوب بالفضول. "هل هناك ما يزعجكِ؟"

شعرت لينا بقلبها يضرب بقوة. هل اكتشف شيئًا؟ هل كان يعلم بلقاء فارس؟ "لا، لا شيء. مجرد إرهاق." أجابت لينا بسرعة، متجنبةً النظر في عينيه.

كانت هذه بداية تفتح عين سالم على احتمالاتٍ قد لا ترضيه. لقد كان يدرك أن زواجه من لينا لم يبدأ على أسسٍ من الحب، بل على تفاهمٍ بين العائلتين. لكنه كان يأمل أن ينمو الحب مع الوقت، وأن يصبح هذا الزواج قويًا. الآن، كان يشعر بأن شيئًا ما يهدد هذا الأمل.

في الجهة الأخرى، كان فارس يشعر بتفاؤلٍ لا يخلو من الحذر. لقاء لينا أعاده إلى الحياة. رأى في عينيها حبًا لم يغب، وأملًا لم ينطفئ. كان مستعدًا للمغامرة، لكنه كان يعرف أن سالم يمثل عقبةً كبيرة.

"ما رأيكِ أن نلتقي مرةً أخرى؟" سأل فارس لينا في محادثةٍ هاتفيةٍ سرية. "هذه المرة، دعنا نذهب إلى مكانٍ بعيدٍ عن أعين الجميع. ربما خارج المدينة." ترددت لينا. "لا أعرف يا فارس. سالم لا يزال هنا، وأخشى أن يلاحظ غيابي." "ولكننا بحاجةٍ إلى وضع خطة." قال فارس. "يجب أن نفكر فيما سنفعله. هل ستظلين في هذا الزواج؟ أم سنحاول إيجاد طريقةٍ للخروج؟"

لم يكن لدى لينا إجابةٌ جاهزة. كانت لا تزال غارقةً في التفكير، وفي التردد. كانت تحب فارس، وكانت ترغب في حياةٍ حقيقية معه، لكنها كانت تخاف من تدمير كل شيء، ومن تسببها في فضيحةٍ للعائلتين.

"لا أعلم يا فارس. أنا... أنا في حيرةٍ من أمري." قالت لينا بصوتٍ ضعيف. "لا تقلقي يا لينا. خذي وقتكِ. لكن اعلمي أنني سأظل هنا، أؤمن بكِ." قال فارس، محاولًا بث الطمأنينة في قلبها.

في هذه الأثناء، كانت الشيخة فاطمة، والدة لينا، تراقب ابنتها بقلقٍ متزايد. كانت ترى التغيير الذي طرأ عليها، وتشعر بأن هناك شيئًا ما يجري. لم تكن تعرف ما هو، لكنها كانت تشعر بأن حياتها الجديدة، التي بدت وكأنها بدايةً سعيدة، بدأت تتشابك فيها خيوطٌ معقدة.

"لينا، ألا ترين أن سالم يحبكِ؟" سألت الشيخة فاطمة ابنتها ذات مساء، بينما كانتا تحتسيان الشاي. "إنه رجلٌ طيبٌ، ولديه سمعةٌ طيبة. لماذا تبدين دائمًا متوترةً ومشتتة؟" "أنا فقط... لستُ معتادةً على هذه الحياة يا أمي." قالت لينا. "الحياة تحتاج إلى وقتٍ لتعتادين عليها، يا ابنتي. والحب يحتاج إلى بناء. هل أعطيتِ زواجكِ فرصةً حقيقية؟"

كانت كلمات والدتها تلامس جرحًا عميقًا في قلب لينا. كانت تعرف أن والدتها على حق، وأنها لم تمنح هذا الزواج فرصةً كاملة. لكن قلبها كان ينادي فارس.

في الجانب الآخر، بدأ سالم يتحرك. لم يكن شخصًا يستسلم بسهولة. بدأ يسأل عن أخبار لينا، وعن أماكن تواجدها. لم يكن يريد أن يواجهها باتهاماتٍ مبنيةٍ على شكوكٍ فارغة، لكنه أراد أن يتأكد.

"هل ذهبت لينا إلى المكتبة مؤخرًا؟" سأل سالم خادمه. "نعم يا سيدي، لقد ذهبت قبل يومين." أجاب الخادم. "وهل تحدثت مع أي شخصٍ هناك؟" "لم ألحظ ذلك يا سيدي. كانت تبدو وحدها."

كان سالم يشعر بأن هناك شيئًا غير مكتمل في هذه القصة. لم يكن مقتنعًا تمامًا بأنها مجرد إرهاق. بدأ يشعر بشيءٍ من الشك، وهو شعورٌ لم يعتده.

في أحد الأيام، وبينما كان سالم يتفقد بعض أوراق لينا في مكتبها، وجد ورقةً صغيرةً مطويةً بعناية. كانت تبدو كقصاصةٍ ورقيةٍ عادية، لكنه شعر بأنها غريبة. فتحها، ليجد عليها اسم "فارس" مكتوبًا بخطٍ نسائيٍ أنيق، وبجانبه تاريخٌ وزمنٌ محدد.

تجمد سالم في مكانه. كان يعلم أن هناك رجلًا يدعى فارس، وكان يعرف أنه كان هناك بعض التفاعل بينه وبين عائلتهم في الماضي. لكن لماذا اسم فارس مكتوبٌ بهذا الشكل، مع تاريخٍ وزمن؟ هل كانت لينا تخطط للقاءٍ سري؟

انتاب سالم شعورٌ غريبٌ بالخيانة، ممزوجٌ بالغضب. لم يكن يتوقع أن تكون لينا بهذا الشكل. لقد عاملها باحترام، ومنحها كل ما تستطيع أن تتمناه. فما الذي يدفعها للخيانة؟

قرر سالم أن يبدأ بالتحقيق. لم يكن يريد أن يواجه لينا مباشرةً، فقد يفسد الأمر أكثر. بل أراد أن يجمع المزيد من الأدلة. بدأ يراقب تحركاتها، ويتتبع أخبارها.

كانت لينا، في غفلةٍ عن سالم، تستعد للقاءٍ آخر مع فارس. كانا قد اتفقا على لقاءٍ في حديقةٍ مهجورةٍ خارج المدينة، وهي مكانٌ بعيدٌ عن أعين المتطفلين. كانت تأمل أن تجد في هذا اللقاء، الحل لمشاكلها، أو على الأقل، بعض الطمأنينة.

وصلت لينا إلى الحديقة، ووجدت فارس ينتظرها. كان يبدو قلقًا، لكن ابتسامته كانت دافئةً كالعادة. "لينا، لقد كنتُ قلقًا جدًا." قال فارس، وهو يحتضنها. "وأنا أيضًا." قالت لينا. "لقد شعرتُ بأنني مراقبةٌ مؤخرًا." "وماذا يعني ذلك؟" سأل فارس بقلق. "لا أعرف. لكن سالم... أشعر بأنه يشك في شيء."

تغيرت ملامح فارس. "لا تقلقي. سنكون حذرين. نحن لدينا بعضنا البعض، وهذا هو الأهم." وبينما كانا يتحدثان، لم يكونا يعلمان أن عينًا تراقبهم من بعيد. عينٌ تحمل غضبًا وحقدًا، عينٌ بدأت تتشكل حولهم شبكةً من المكائد.

كانت ريح التغيير قد بدأت تهب، وكانت تحمل معها صدى الشك، وربما بداية نهاية كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%