زواج المصلحة الجزء الثاني

بين ظلال الشك وخفقان الأمل

بقلم سارة العمري

انقضت أيامٌ وليالٍ، لم تجد فيها آيةُ السلوى إلا أن تسدل ستائرَ الأرقِ على عينيها، وعقاربُ الساعةِ تكادُ تعلنَ انتصارَ الليلِ الأبدي. كانت تجلسُ في شرفتها المطلةِ على حديقةِ منزلِها الفسيح، تتأملُ النجومَ المتلألئةَ في سماءٍ أظلمتْ بظلالِ الهموم. كلما تذكرتْ لقاءَها المفاجئَ بالأستاذِ فريد، شعرَ قلبُها بوخزةٍ غامضة، مزيجٍ من الارتياحِ والقلق. كانَ حديثُه عنها، واهتمامُه بوضعِها، ورغبتُه في مدِّ يدِ العون، كلُّ ذلكَ رسمَ في مخيلتِها صورةً لم تتوقعْ رؤيتَها في شخصٍ بدتْ لهُ في البدايةِ جافًّا وصلبًا.

لكنَّ الشكَّ كانَ يوسوسُ في أذنِها، يذكّرُها بظروفِ زواجِها الأول، بالاتفاقِ الذي كانَ قائمًا على المصالحِ الباردة. هلْ كانَ الأستاذُ فريدِ صادقًا في نيتِه؟ أمْ كانتْ كلماتُه مجردَ تكتيكٍ آخرَ لتقريبِها إليهِ تحقيقًا لماربَ أخرى؟ تنهدتْ بصوتٍ مكتوم، وشعرتْ بحرارةٍ تتصاعدُ في وجنتيها. لقدْ كانتْ أبيةً، قويةً، ولمْ تعتدْ أنْ تكونَ بيدقًا في لعبةِ أحد.

في تلكَ الليلة، لمْ تستطعْ النومَ أنْ تتسللَ إلى جفونها. استيقظتْ قبلَ بزوغِ الشمسِ بساعة، ارتدتْ ثيابَها الرياضيةَ، وتوجهتْ إلى الحديقة. الهواءُ كانَ نقيًّا، والنسيمُ العليلُ يحملُ عبقَ الياسمين. بدأتْ تمارينَها الصباحية، تحاولُ تفريغَ ما يعتملُ في صدرِها منْ قلقٍ وتساؤلات. في كلِّ خطوةٍ، في كلِّ تمرين، كانتْ تتذكرُ حديثَها معَ والدتِها، وكلماتِها الحكيمةَ عنْ ضرورةِ التمييزِ بينَ النياتِ الصادقةِ والأقنعةِ الخادعة.

"يا ابنتي، قلبُ المرءِ مرآةٌ، فإذا رأيتِ في مرآتِه نورًا، فثقي به، وإذا رأيتِ فيهِ ظلامًا، فاحذري." كانتْ هذهِ الكلماتِ تتكررُ في ذهنِها، تارةً كمواساة، وتارةً أخرى كتحذير.

في مكانٍ آخرَ منَ المدينة، كانَ الأستاذُ فريدِ يقضي ليلتَه وهوَ لا يغفلُ عنْ صورةِ آية. كانتْ عيناها الواسعتانِ، وحياؤُها المحبب، وقوةُ شخصيتِها التي تتناغمُ معَ رقةِ مشاعرِها، كلُّ ذلكَ قدْ أحدثَ في قلبِه شيئًا لمْ يعتدْ عليه. لقدْ كانَ زواجُه الأولُ عبارةً عنْ صفقةٍ خاليةٍ منَ المشاعر، مجردَ اتفاقٍ لإنهاءِ نزاعٍ قديمٍ وتأمينِ مصالحَ مشتركة. لمْ يتوقعْ يومًا أنْ يجدَ نفسَه أسيرَ ابتسامةٍ خجولة، أو أنْ يتوقفَ تفكيرُه عندَ طريقةِ حديثِها الهادئة.

كانَ يرى في آيةِ شيئًا فريدًا، شيئًا لا يتوفرُ في كثيرٍ منَ النساءِ اللاتي عرفهن. كانتْ عفيفةً، كريمة، وذاتَ مبادئَ راسخة. كانَ يرى فيها ضوءًا يستطيعُ أنْ ينيرَ حياتَه المظلمة، وأنْ يعيدَ إليهِ الأملَ في علاقةٍ مبنيةٍ على الاحترامِ والود. لكنَّه كانَ يدركُ تمامًا الشكوكَ التي قدْ تساورُها، والخوفَ الذي قدْ يعتري قلبَها. لقدْ كانَ ماضيها المؤلمَ عبئًا ثقيلًا، ولمْ يكنْ يريدُ أنْ يزيدَ منْ أعبائِها.

فكرَ مليًّا في الطريقةِ التي سيقاربُ بها الموضوع. كانَ يعلمُ أنَّ الانفتاحَ الكاملَ معَها هوَ السبيلُ الوحيدُ لكسبِ ثقتِها. كانَ يحتاجُ إلى وقت، إلى صبر، وإلى إثباتٍ عمليٍّ لصدقِ نواياهُ.

في صباحِ اليومِ التالي، تلقّتْ آيةُ اتصالًا هاتفيًّا. كانَ المتحدثُ هوَ الأستاذُ فريد. انقبضَ قلبُها قليلاً، واستجمعتْ كلَّ قواها.

"صباحُ الخيرِ يا آنسةَ آية،" قالَ بصوتٍ هادئٍ ورصين. "صباحُ النورِ يا أستاذَ فريد،" أجابتْ بصوتٍ حاولَتْ أنْ تجعلَه ثابتًا. "أتصلُ لأخبرَكِ بأنّني قدْ بدأتُ في إجراءاتٍ للمساعدةِ في قضيتِكِ. أعتقدُ أنَّ منْ واجبِنا جميعًا أنْ ندعمَ المرأةَ التي تتعرضُ للظلم."

شعرتْ آيةُ بارتياحٍ مفاجئ، لكنَّها لمْ تستطعْ كبتَ سؤالٍ تسللَ إلى لسانِها. "ولماذا كلُّ هذا الاهتمام، أستاذَ فريد؟"

ترددَ قليلاً قبلَ أنْ يجيب. "لأنّني أؤمنُ بالعدل، ولأنّني أرى فيكِ إنسانةً تستحقُّ كلَّ الدعم. بالإضافةِ إلى ذلك، أرى أنَّ هناكَ بعضَ الأمورِ التي يجبُ تسويتها منْ أجلِ مستقبلِنا المشترك، حتى لوْ كانَ هذا المستقبلُ مبنيًّا على ترتيباتٍ خاصة."

كانَ جوابهُ صريحًا، لكنَّه لمْ يخلوِ منْ الغموضِ الذي أثارَ في نفسِها مزيدًا منَ الأسئلة.

"مستقبلِنا المشترك؟" كررتْ بصوتٍ متعجب. "نعم، آية. أدركُ أنَّ ظروفَ زواجِنا لمْ تكنْ عادية، وأنَّ الثقةَ لمْ تُبْنَ بعد. لكنّني أرغبُ في بناءِ علاقةٍ تقومُ على الاحترامِ والتفاهم. أريدُ أنْ أعملَ معكِ لتحقيقِ أفضلِ ما يمكنُ لنا، سواءٌ كانَ ذلكَ في حياتِنا الشخصيةِ أو المهنية."

شعرتْ آيةُ بأنَّ كلماته تحملُ وزنًا، وأنَّ لديهِ رؤيةً أبعدَ منْ مجردِ صفقةٍ تجارية. لكنَّ الخوفَ القديمَ لمْ يفارقْها تمامًا.

"شكرًا لكَ على عرضِ المساعدة، أستاذَ فريد. سأفكرُ في الأمر."

"خذي وقتَكِ، يا آنسةَ آية. الأهمُّ عندي هوَ أنْ تعلمي أنَّني سأبقى سندًا لكِ. ولديّ اقتراحٌ آخر: هلْ تسمحينَ لي بدعوتِكِ إلى عشاءٍ رسميٍّ الأسبوعَ القادم؟ أودُّ أنْ أقدمَ لكِ بعضَ التفاصيلِ حولَ خطتي للمساعدةِ في قضيتِكِ، وأنْ نتحدثَ بصراحةٍ أكثرَ عنْ مستقبلِنا."

كانَ هذا دعوةً جريئة، تجاوزتْ حدودَ العلاقةِ الرسميةِ التي تربطُهما. لكنَّ آيةَ شعرتْ بأنَّها لا تستطيعُ رفضَها، خاصةً وأنَّها تتعلقُ بمساعدتِها في قضيتِها.

"حسنًا، أستاذَ فريد. أقبلُ دعوتَك."

"يسعدُني ذلك، آية. سأرسلُ لكِ التفاصيلَ لاحقًا."

أنهتْ آيةُ المكالمةَ وقلبُها يخفقُ بسرعة. كانَ الأسبوعُ القادمُ يبدو بعيدًا جدًّا، ومليئًا بالتساؤلات. هلْ كانتْ هذهِ بدايةً لشيءٍ جديد، شيءٍ حقيقي؟ أمْ أنَّها كانتْ مجردَ فصلٍ آخرَ منْ فصولِ المكرِ والخداع؟ لمْ يكنْ لديها جوابٌ، لكنَّ خيطًا رفيعًا منَ الأملِ بدأَ يتسللُ إلى روحِها.

في المساءِ، وبينما كانتْ تحضرُ العشاءَ معَ عائلتِها، وجدتْ نفسها تتحدثُ عنْ الأستاذِ فريد، وعنْ عرضِهِ بالمساعدة.

"يا بنيتي،" قالتْ والدتُها بابتسامةٍ حانية، "قلبُكِ دليلُكِ. استمعي إليهِ جيدًا، وانظري إلى أفعالِه أكثرَ منْ أقوالِه. اللهُ معَ الصادقين."

كانتْ كلماتُ والدتِها بلسمًا، لكنَّها لمْ تزلْ تشعرُ بأنَّ هناكَ معركةً ستدورُ في داخلِها، معركةٌ بينَ الحذرِ والأمل، بينَ الماضي والحاضر، وبينَ الشكِّ واليقين. لقدْ كانتْ آيةُ على أعتابِ مرحلةٍ جديدة، مرحلةٍ ستُعيدُ تشكيلَ مستقبلِها، ومصيرِها.

لمْ تدرِ آيةُ أنَّ هناكَ منْ يراقبُ تحركاتِها، وأنَّ وراءَ ستارِ الهدوءِ الظاهرِ، كانتْ هناكَ أيادٍ خفيةٌ تُحركُ خيوطَ اللعبة، لا تريدُ لها الخير. هلْ سيتمكنُ الأستاذُ فريدِ منْ حمايتِها منْ هذهِ المؤامرات؟ وهلْ ستستطيعُ آيةُ أنْ تثقَ بقلبِ رجلٍ بدأتْ معالمُه تتضحُ شيئًا فشيئًا، ولكنَّ ظلالَ الماضي كانتْ لا تزالُ تخيمُ على المستقبل؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%