الحب الصادق الجزء الثاني

همس الصحراء ونبض القلب

بقلم مريم الحسن

كانت الرمال الذهبية تمتد أمامه كبحر لا نهاية له، تحت سماء زرقاء قاتمة، يلسعها قرص الشمس الملتهب. وقف مالك، ابن الثلاثين ربيعاً، شامخاً كأحد صخور العصور التي تحكي الصمت. كانت الريح تعبث بخصلات شعره الأسود القاتم، وترسم خطوطاً خفيفة على جبينه الذي اعتاد على التأمل. في يده، كانت مخطوطة عتيقة، أوراقها صفراء كالذهب الباهت، تحكي قصصاً منسية عن أرض الأجداد، وعن حبٍّ نما بين واحات النخيل وزهر البرتقال.

نظر مالك إلى الأفق، حيث تتلاشى الكثبان في سرابٍ وهمي، وكأنه يبحث عن شيءٍ ما، عن صدى صوتٍ غاب، عن وجهٍ تاه في غياهب الزمن. كان قلبه، ذلك القلب الذي لطالما عرف بالصلابة والكرم، يضجُّ بتساؤلاتٍ لم يجد لها إجاباتٍ شافية. لقد عاد إلى هذه الأرض بعد سنواتٍ من الغياب، غيابٌ فرضته ظروفٌ قاسية، وغيابٌ ترك في روحه ندوباً عميقة.

تذكّر تلك الأيام، أيام طفولته بين هذه الرمال، حيث كانت ضحكاته ترنُّ في الأرجاء، وحيث كانت جدته، الحاجة فاطمة، تروي له حكايات الأبطال والصالحين، وتغرس في روحه بذور القيم والأخلاق. كانت جدته، تلك الشجرة الوارفة الظلال، بمثابة البوصلة التي توجه مساره، ومرآته التي يرى فيها أجمل ما في إنسانيته.

لكن الأقدار، تلك الماكرة التي لا تعرف رحمة، خطفتها منه مبكراً، وتركت فراغاً لم يستطع الزمن ترميمه. وبعدها، اضطر للسفر، للبحث عن رزقٍ يكفل حياةً كريمة له ولعائلته الصغيرة التي بناها بحبٍّ وإخلاص. غادر أرض الكرم والجود، تاركاً وراءه الذكريات، ووعداً دفينًا بالعودة.

وها هو ذا قد عاد، محملاً بمسؤولياتٍ جديدة، وحاملاً ثقل تجاربٍ قاسية. لم يكن عودته عادية، لم تكن مجرد زيارة. كانت عودته بدايةً لمرحلةٍ جديدة، مرحلةٌ أرادها أن تكون مختلفة، مرحلةٌ يستعيد فيها هويته، ويعيد بناء ما تهدم.

رفع بصره نحو بيت عائلته القديم، ذلك البيت الذي ما زال واقفاً بشموخٍ رغم عوامل الزمن، تتخلله نوافذٌ واسعة تطلُّ على ساحةٍ واسعة، تزينها أشجار النخيل الشاهقة، وتتوسطها نافورةٌ صامتة، كانت يوماً ما شاهداً على ضحكاتٍ وأحاديث لا تُحصى. شعر بالحنين يغمر روحه، شعورٌ يجمع بين لذة اللقاء وحرقة الفراق.

أمسك مالك بمفتاح البيت العتيق، مفتاحٌ يعود إلى جده، ثم سار بخطواتٍ ثابتة نحو الباب الخشبي الكبير، الذي نقشت عليه زخارفٌ هندسيةٌ تحاكي الفن الإسلامي الأصيل. شعر بأن كل ذرةٍ من الغبار المتراكم على عتبة الباب تحمل ذكرى، وكل شقٍّ في الجدران يحكي قصة.

عندما فتح الباب، انبعث منه عبيرٌ خفيفٌ من البخور القديم، ممزوجٌ برائحة التراب الرطب، ورائحة الزهور البرية التي كانت جدته تحب زراعتها. استقبلته الغرفة الرئيسية، ذات السقف العالي، والمفروشات التقليدية، والصور المؤطرة التي تجمدت فيها ابتسامات الماضي. استقبلته سكينةٌ غريبة، سكونٌ لم تعهده المدينة الحديثة التي اعتاد العيش فيها.

جلس مالك على أريكةٍ عتيقة، مكسوةٍ بالجلد الأحمر الباهت، ووضع المخطوطة أمامه. فتحها بحذر، وبدأت عيناه تتجولان بين السطور، وكأنها تبحث عن مفتاحٍ سريٍّ يفتح له أبواب الماضي، ويضيء له دروب المستقبل. كانت هذه المخطوطة، كما أخبرته والدته قبل رحيلها، تحمل في طياتها أسراراً عائلية، ورسائلٌ لم تكتمل، وشيئاً مهماً يتعلق بمسار حياته.

كانت الكلمات تتدفق أمامه، قصائدٌ قديمة، وأبياتٌ غزليةٌ لم يعرف قائلها، ووصفٌ دقيقٌ لليالي القمر، وأحاديثٌ عن النجوم. لكن هناك رسالةٌ واحدة، بخطٍ يختلف عن البقية، بخطٍ نسائيٍّ رقيق، هي ما لفتت انتباهه. بدأت الرسالة بعبارةٍ هزت كيانه: "إلى من سيحمل اسمي، وإلى من سينبض قلبه بذات الحب الذي شغف قلبي".

شعر مالك ببرودةٍ تسري في أطرافه، ثم بحرارةٍ تعود لتغمر روحه. لم يفهم المعنى الكامل لهذه الكلمات، لكنها أثارت فيه فضولاً عظيماً. من تكون هذه السيدة؟ وما هو هذا الحب الذي تتحدث عنه؟ ولماذا ترك هذا السؤال معلقاً في فضاء الزمن؟

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ترسل أشعتها الذهبية عبر النوافذ، ترسم لوحاتٍ ساحرة على جدران البيت. سمع مالك صوت أذان العصر، فانتابته رغبةٌ عارمةٌ في الصلاة، في التضرع إلى الله، في طلب العون والهداية.

وقف مالك، وأغلق المخطوطة بحذر. توجه نحو المطبخ، ليجد فيه بعض المؤن التي جهزتها والدته قبل سفره، وبعض الأطعمة التي كانت تحضرها له دائماً. أحسَّ بوجودها، بلمستها، كأنها ما زالت هنا، ترعاه وتحميه.

بعد صلاته، عاد إلى المخطوطة. كانت الساعات تمر ببطء، وهو يفك رموز تلك الرسالة الغامضة. اكتشف أن هذه الرسالة كتبتها جدته الكبرى، الحاجة زينب، وهي في ريعان شبابها. كانت تصف فيه قصة حبٍّ عظيمٍ لم يكتمل، قصة حبٍّ فرضت عليها الظروف الابتعاد عن محبوبها. كانت تتحدث عن أملٍ زرعته في قلب المستقبل، أملٍ بأن تجد من يحمل اسمها، ومن يكمل مسيرة هذا الحب.

قرأ مالك عن تفاصيل هذا الحب، عن لقاءاتهم السرية تحت ضوء القمر، عن تبادل النظرات، وعن الأحاديث التي كانت تتجاوز حدود الكلمات. كانت جدته تصف محبوبها بالرجل الصادق، الشهم، ذي القلب الكبير، الذي ورث حب الأرض والكرم من أهله.

وعندما وصل إلى جزءٍ من الرسالة يصف فيه صفات المحبوب، وجد تطابقاً غريباً مع صفاتٍ سمعها عن جده، والد والده. هل يمكن أن يكون هذا المحبوب هو جده؟ ولماذا لم يكتمل هذا الحب؟

استوقف مالك، وتعمق في النص. وجد أن جدته زينب كانت مخطوبةً لشابٍّ من عائلةٍ أخرى، شأنها شأن تقاليد ذلك الزمان. لكن ظروفاً قاهرة، وباءً اجتاح المنطقة، خطفت محبوبها قبل زفافهما. وبعدها، ورث هو الآخر تلك الأرض، وورث كرمها، وعادات أهلها.

كانت الرسالة تتضمن أيضاً وعداً، وعداً بالبقاء وفيةً لذكرى هذا الحب، ووعداً بأنها ستنتظر، تنتظر من يحمل اسم عائلتها، ومن يكون امتداداً لذلك الرجل الذي أحبته.

شعر مالك بأن هذه المخطوطة ليست مجرد وثيقة تاريخية، بل هي خريطةٌ تقوده إلى ماضٍ غامض، وإلى سرٍّ دفين. شعر بأن هناك مسؤوليةً تقع على عاتقه، مسؤوليةً تتجاوز حياته الشخصية.

خرج مالك إلى الساحة، تحت سماءٍ بدأت تتلألأ فيها النجوم. تنفس هواء الليل المنعش، وشعر بأن روحه تتجدد. كانت الصحراء، بجمالها الخلاب وصمتها المهيب، تلهمه. شعر بأنه جزءٌ من هذه الأرض، وأن تاريخها جزءٌ من تاريخه.

بينما كان يتأمل السماء، لمحت عيناه ضوءاً خافتاً يتسلل من نافذةٍ قريبة. كان ضوءاً خافتاً، يدل على وجود إنسان. هل هناك من يسكن في البيت المجاور؟

استوقف مالك، وتوجه نحو مصدر الضوء. كانت نافذةً صغيرة، تطلُّ على بيتٍ قديمٍ مجاور، ذي حديقةٍ واسعة. عبر النافذة، رأى ظلاً يتحرك، ظلاً يبدو لامرأة.

كانت هذه اللحظة، هذه الرؤية الغامضة، كافيةً لتشعل فضوله من جديد. من تكون هذه المرأة؟ ولماذا تعمل في هذا الوقت المتأخر من الليل؟

شعر مالك بأن هذه الأرض، هذه المخطوطة، وهذا الضوء الغامض، كلها تشير إلى نقطةٍ واحدة، إلى بدايةٍ جديدة. بدأ قلبه ينبض بوتيرةٍ أسرع، نبضٌ محمّلٌ بالأمل، وبالتشويق، وبالرغبة في اكتشاف ما تخفيه له الأيام القادمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%