الحب الصادق الجزء الثاني
عاصفةٌ مفاجئة واعترافٌ متردد
بقلم مريم الحسن
تواصلت الأيام في القصر، وبدت "ليلى" أكثر هدوءًا في الظاهر، لكن القلق كان يتغلغل في أعماقها. قررت أن تلتزم بنصيحة جدتها، وأن تستخير الله في كل ما يتعلق بمستقبلها. كانت تصلي بخشوع، وتطلب الهداية والتوفيق. في نفس الوقت، كانت تحاول أن تتجنب التفكير كثيرًا في "أحمد"، لكن صورته، وحديثهما، كانت تطفو على سطح ذكرياتها باستمرار.
في أحد الأيام، وبينما كانت "ليلى" مع صديقتها المقربة "نورة" في أحد المراكز التجارية الراقية، كانتا تتفحصان بعض الكتب، عندما لمحته. كان "أحمد" واقفًا في أحد الأقسام، يتحدث مع سيدةٍ ترتدي حجابًا أنيقًا. شعر "أحمد" بوجودها، والتفت، فالتقت عينيهما. كانت نظرةٌ سريعة، لكنها حملت الكثير من المشاعر المكبوتة. ابتسم "أحمد" ابتسامةً خفيفة، لكن "ليلى" شعرت بحمرةٍ خفيفة تعلو وجهها، فأسرعت باتجاه "نورة"، وكأنها تريد أن تهرب من نظراته.
"ما بكِ يا ليلى؟" سألت "نورة" وهي ترى تغير ملامح وجهها. "هل رأيتِ شيئًا ما؟"
"لا شيء يا نورة،" أجابت "ليلى" بصوتٍ خافت. "كنتُ فقط... أتذكر شيئًا."
لم تقتنع "نورة" تمامًا، لكنها لم تضغط عليها. كانت "نورة" تعلم أن "ليلى" قد تغيرت منذ لقائها الأخير، وأن هناك شيئًا ما يشغل بالها. "ليلى،" قالت "نورة" بعد لحظات، "والدتي تحدثت مع والدة الأمير "خالد" أيضًا. يبدو أنهم يريدون تسريع الأمور بشكلٍ كبير. إنهم يخططون لحفل خطبةٍ كبير خلال الشهر القادم."
اشتد قلق "ليلى". شهرٌ واحد! بدا الأمر كأنه حكمٌ قاسٍ. كيف يمكن لها أن تقرر مصيرها في هذه المدة القصيرة؟ وكيف يمكن لها أن تتجاهل ما شعرت به تجاه "أحمد"؟
في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" النوم. كانت الأفكار تتصارع في ذهنها. هل يجب أن تخبر والديها بمشاعرها؟ هل يجب أن تخاطر بإغضابهما؟ تذكرت كلمات جدتها مرةً أخرى: "استمعي إلى صوتكِ الداخلي."
في تلك الأثناء، كان "أحمد" يواجه أزمةً في عمله. لقد تلقى مكالمةً من محاميه، تخبره بأن هناك قضيةً جديدة قد رُفعت ضد مشروع "الواحة"، وأنها قد تؤثر سلبًا على سير العمل.
"يا أحمد،" قال المحامي بصوتٍ جاد، "هذه القضية معقدة، وتبدو وكأنها مدبرة. هناك معلوماتٌ مسربةٌ عن مخالفاتٍ لم تحدث، وهناك شهاداتٌ مزورة. أعتقد أن هناك جهةً ما تحاول بكل قوتها أن توقف المشروع."
شعر "أحمد" بالإحباط. لم يكن يتوقع هذا القدر من المكائد. لقد استثمر الكثير من وقته وجهده في هذا المشروع، وكان يؤمن بأهميته. "ماذا يمكنني أن أفعل يا بني؟" سأل "أحمد".
"علينا أن نتحرك بسرعة،" أجاب المحامي. "علينا جمع الأدلة التي تثبت براءة المشروع، وعلينا فضح من يقف وراء هذه الحملة. لا تقلق، سنعمل معًا بكل ما أوتينا من قوة."
بعد انتهاء المكالمة، شعر "أحمد" بالإرهاق. كانت حياته تتشابك بطرقٍ لم يتوقعها. بين مسؤولياته المهنية، وبين المشاعر المتنامية في قلبه تجاه "ليلى"، كان يشعر بأنه محاصر.
في يومٍ آخر، قررت "ليلى" أن تواجه الأمر. طلبت من والدتها أن تلتقي بها في حديقة القصر، بعيدًا عن أعين الآخرين.
"أمي،" قالت "ليلى" وهي تجلس بجوارها على مقعدٍ حجري، "أريد أن أتحدث معكِ بصراحة."
نظرت إليها "سارة" بعينين تتسائلان. "تفضلي يا ابنتي."
"بخصوص موضوع الأمير "خالد"... أعرف أنكِ ترغبين في هذه الزيجة، وأنها ستكون مفيدةً لنا. ولكني... لا أشعر بالارتياح التام. لم أتعرف عليه بشكلٍ كافٍ، ولم أشعر بالارتباط القلبي الذي يجمع بين المرء وزوجته."
تنهدت "سارة". "ليلى، أنتِ تعلمين أن الزواج ليس دائمًا عن الارتباط القلبي في البداية. الأهم هو التوافق، والعشرة الطيبة، والمسؤولية. الأمير "خالد" شابٌ صالح، ومن عائلةٍ محترمة."
"ولكن يا أمي،" قالت "ليلى" وعيناها تلمعان بالدموع، "ماذا لو لم أكن سعيدة؟ ماذا لو تزوجتُ شخصًا لا أحبه، وقضيتُ حياتي في ندم؟"
تأثرت "سارة" بكلمات ابنتها. كانت تعلم أن "ليلى" فتاةٌ حساسة، وأن سعادتها هي الأهم. "إذاً ماذا تريدين يا ليلى؟" سألت بصوتٍ هادئ.
"أريد فرصة،" قالت "ليلى". "فرصةٌ للتعرف على الأمير "خالد" بشكلٍ أعمق. فرصةٌ لأحدد ما إذا كان هذا هو الشخص المناسب لي حقًا. وأريد أيضًا... أريد أن أكون صادقةً معكِ، قلبي ليس مطمئنًا لهذه الخطوة."
ترددت "سارة" للحظة. كانت تعلم أن "ليلى" ليست فتاةً تهتم بالمظاهر أو بالثرثرة، وأنها تبحث عن شيءٍ حقيقي. "ماذا تقصدين بـ 'قلبكِ ليس مطمئنًا'؟ هل هناك شخصٌ آخر؟"
شعرت "ليلى" بالخجل، لكنها قررت أن تكون شجاعة. "في الحقيقة يا أمي، هناك شخصٌ قابلته، وشعرت معه بشيءٍ مختلف. شيءٌ يجعلني أشعر بالراحة والأمان."
نظرت إليها "سارة" بدهشة. "من هو هذا الشخص؟"
"إنه... إنه السيد "أحمد" الذي قابلناه في ذلك الحفل الخيري،" قالت "ليلى" بصوتٍ خافت. "لقد تحدثنا قليلًا، وشعرت أنه شخصٌ أصيل، وصاحب مبادئ."
صمتت "سارة" للحظة، وهي تستوعب كلام ابنتها. كانت تعرف "أحمد" بالسمعة، فهو شابٌ طموح، ومن أسرةٍ كريمة، لكنه ليس من مستوى الأمير "خالد". "ليلى، أنتِ تعلمين أن هذا الشخص مختلف تمامًا عن الأمير "خالد"."
"أعرف يا أمي،" قالت "ليلى". "ولكني أشعر أنني يجب أن أكون صادقةً مع نفسي. لا أريد أن أتزوج من شخصٍ لم أختره قلبي."
شعرت "ليلى" بأنها قد ألقت قنبلةً في هدوء عائلتها. كانت تعلم أن هذه الكلمات ستثير الكثير من الجدل، لكنها كانت مصممةً على الدفاع عن مشاعرها.
في الوقت نفسه، كان "أحمد" يعيش قلقًا مماثلًا. لقد قرر أن يبحث عن "ليلى"، وأن يتحدث معها مباشرة. علم من أحد الخدم الموثوقين أن "ليلى" غالبًا ما تتواجد في حديقة القصر في فترة ما بعد الظهيرة.
ذهب "أحمد" إلى القصر، وطلب مقابلة "ليلى" تحت ذريعةٍ تخص مشروعًا خيريًا مشتركًا. وافقت "ليلى" على المقابلة، لكن قلبها كان يدق بعنف.
عندما التقيا في الحديقة، كان الهواء يحمل عبق الورد. نظر "أحمد" إلى "ليلى"، ورأى فيها كل ما كان يتمناه. "ليلى،" بدأ "أحمد" بصوتٍ فيه تردد، "لقد فكرت كثيرًا في لقائنا الأخير، وفي كل ما دار بيننا. وأردت أن أخبركِ بشيءٍ مهم."
ارتعشت "ليلى" قليلاً. "ما هو يا سيد أحمد؟"
"أردت أن أخبركِ أنني... أنني معجبٌ بكِ كثيرًا،" قال "أحمد" وهو ينظر إلى عينيها. "لقد رأيتُ فيكِ شيئًا نادرًا، شيئًا يجعلني أرغب في التقدم إليكِ بشكلٍ رسمي، إذا سمحتِ لي بذلك."
شعرت "ليلى" بأنها على وشك السقوط. كانت هذه اللحظة التي كانت تتمنى حدوثها، والتي كانت تخاف منها في نفس الوقت. لقد كان اعترافًا صريحًا، ولكنه جاء في وقتٍ حساس جدًا.
"سيد أحمد،" قالت "ليلى" بصوتٍ مرتجف، "أنا... أنا أيضًا لدي ما أقوله. والدتي تريد أن تقرر بشأن خطبتي من الأمير "خالد"."
اتسعت عينا "أحمد" بصدمة. "هل أنتِ مخطوبة؟"
"ليس بعد،" أجابت "ليلى". "لكن الأمر قيد الدراسة. وقد تحدثتُ مع والدتي الآن، وأخبرتها ببعض مشاعري."
شعر "أحمد" بالإحباط. هل كان يأتي متأخرًا جدًا؟ هل كانت الفرصة تضيع من بين يديه؟
"ليلى،" قال "أحمد" بصوتٍ عميق، "أنا لا أريد أن أكون سببًا في أي مشكلةٍ لكِ. لكنني لا أستطيع أن أخفي عليكِ ما أشعر به. إذا كان قلبكِ يميل إليّ، فأنا مستعدٌ لمواجهة أي شيءٍ لكي أكون معكِ."
كانت الكلمات صادقة، لكن الظروف كانت معقدة. بينما كانت "ليلى" تشعر بصدق "أحمد"، كانت تعلم أن الطريق أمامهما لن يكون سهلًا. هل ستتمكن من التغلب على كل هذه التعقيدات؟ وهل سينجح "أحمد" في إثبات جدارته؟