الحب الصادق الجزء الثاني
غيمةٌ تلوح في سماء الصفاء
بقلم مريم الحسن
تنفستْ ليلى بعمقٍ وهي تُغلقُ بابَ الغرفةِ خلفها، شعورٌ غريبٌ يعتريها، مزيجٌ من السعادةِ والرهبة. حديثُها مع والدتها، الحاجة زينب، وما أسفرتْ عنه من تأكيدٍ على قرارِها بالارتباطِ الرسميّ من أحمد، كان بمثابةِ الضوءِ الأخضرِ الذي طالما انتظرتْهُ. ولكنْ، لم تكنْ تفكرُ في السعادةِ الغامرةِ فحسب، بل في مسؤولياتٍ جديدةٍ ستُلقى على عاتقِها، وفي هذا الزواجِ الذي بدأَ كصداقةٍ بريئةٍ تطورتْ لتُصبحَ رباطاً مقدساً.
تسللتْ إلى شرفتها المطلةِ على بستانِ البيتِ الذي تخللتْهُ أشجارُ البرتقالِ وزهرُ الياسمينِ، تلثمُ نسماتِ المساءِ العليلةَ. كانتْ السماءُ صافيةً، تزينها نجومٌ كحبّاتِ الألماسِ المتناثرةِ على قماشةٍ مخمليةٍ داكنة. تذكرتْ أولَ لقاءٍ جمعها بأحمد، في مكتبةِ الجامعةِ، حينَ سقطتْ كتبُها أرضاً، فمدَّ لها يدَ العونِ بابتسامةٍ أضاءتْ وجهَهُ. منذُ ذلكَ الحينِ، بدأتْ خيوطُ الودِّ تتشابكُ، لتُنسجَ قصةَ حبٍّ لم يكنْ يتوقعاها.
في الطرفِ الآخرِ من المدينةِ، كانَ أحمدُ جالساً في مجلسِ والدهِ، يبدو عليهِ الارتياحُ والسعادةُ. استعادَ شريطَ ذكرياتِهِ مع ليلى، تلكَ الفتاةِ الذكيةَ، الهادئةَ، ذاتِ القلبِ الكبيرِ. لم يكنْ يرى فيها مجردَ زوجةٍ مستقبليةٍ، بل شريكةَ حياةٍ، صديقةً، ونِعمَ العونِ في بناءِ مستقبلٍ يرضي اللهَ. كانَ والدُهُ، الحاجُّ محمود، ينظرُ إليهِ بفخرٍ، علماً منهُ بصدقِ نوايا ابنِهِ وتقواهُ.
"أحمد، هلْ أنتَ مستعدٌ للحديثِ مع السيدِ غالبٍ غداً؟" سألَ الحاجُّ محمود، بصوتٍ يحملُ نبرةَ الجديةِ الممزوجةِ بالحبِّ.
أومأَ أحمدُ برأسِهِ، "نعمْ يا أبي، لقدْ رتبتُ موعداً في الساعةِ العاشرةِ صباحاً."
"لا تنسَ أنْ تُبينَ لهُ حرصَنا على هذا الارتباطِ، وأنْ نُعربَ عنْ تقديرِنا الكبيرِ لعائلتِهِ. السيدُ غالبٌ رجلٌ ذو مكانةٍ، وتُقدّرُ عائلتُهُ العاداتِ والتقاليدِ."
"بالطبعْ يا أبي، سأبذلُ قصارى جهدي لأُبرزَ الاحترامَ والمودةَ التي نحملُها تجاهَهم."
في هذهِ الأثناءِ، كانتْ السيدةُ نورة، والدةُ أحمد، تُعدُّ بنفسِها للقاءٍ مهمٍّ. كانتْ قدْ تلقتْ اتصالاً من والدةِ خالدٍ، صديقِ أحمدِ القديمِ، تسألها عنْ إمكانيةِ لقاءٍ بينَ خالدٍ وشقيقتِها الأصغرِ، سارة. كانتْ نورةُ سعيدةً بهذهِ الفكرةِ، فخالدٌ شابٌ معروفٌ بدينِهِ وخلقِهِ، وسارةُ فتاةٌ عفيفةٌ، طموحةٌ، تستحقُّ شاباً كخالدٍ.
"هلْ أنتِ متأكدةٌ يا أمَّ خالدٍ؟" سألتْ نورةُ بصوتٍ يعلوهُ الابتهاجُ. "هذا خبرٌ سارٌّ حقاً. سارةُ تبدو لي كابنةٍ لأيِّ أمٍّ."
"أنا واثقةٌ يا نورة. لطالما راودتني هذهِ الفكرةُ. خالدٌ يحتاجُ إلى زوجةٍ تُعينهُ على دينهِ ودنياه، وأنا أرى في سارةَ كلَّ ما يتمناهُ."
"حسناً، سأتحدثُ مع سارةَ وأُرتّبُ موعداً للتعارفِ بينكما."
لم تعلمْ ليلى ولا أحمدُ ما يُخبئهُ لهما القدرُ من مفاجآتٍ، وأنَّ رحلةَ الاستعدادِ للزواجِ لنْ تكونَ مفروشةً بالوردِ والياسمينِ فقط، بلْ ستُعرّجُ على منعطفاتٍ غيرِ متوقعةٍ، تُظهرُ معادنَ الرجالِ وتُثبتُ صدقَ المشاعرِ.
في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ ليلى مبكراً، استقبلتْ شروقَ الشمسِ بقلبٍ خافقٍ. ارتدتْ ملابسَ محتشمةً، تعكسُ أناقتها البسيطةَ، وتوجهتْ نحو مطبخِ بيتِهم. والدتُها كانتْ تُعدُّ الفطورَ، ووالدُها، السيدُ غالبٌ، يقرأُ الجريدةَ.
"صباحُ الخيرِ يا أبي، صباحُ الخيرِ يا أمي." قالتْ ليلى بابتسامةٍ مشرقةٍ.
"صباحُ النورِ يا حبيبتي." ردَّتْ والدتُها. "أراكِ مبكراً اليومَ."
"أردتُ أنْ أُشارككما بعضَ الأفكارِ حولَ تجهيزاتِ الزواجِ."
جلسَ السيدُ غالبٌ، واضعاً الجريدةَ جانباً. "نحنُ نستمعُ يا ابنتي. نيتُكِ الطيبةُ تسعدُنا."
بدأتْ ليلى تتحدثُ عنْ قائمةِ المدعوينَ، وعنْ بعضِ التفاصيلِ الصغيرةِ المتعلقةِ بحفلِ الخطوبةِ الذي كانَ مقرراً بعدَ أسابيعٍ قليلةٍ. كانَ والداها يُصغيانِ باهتمامٍ، ويُبديانِ ملاحظاتٍ قيّمةً.
"الأهمُّ منْ كلِّ هذهِ التفاصيلِ يا ليلى هوَ أنْ يكونَ الزواجُ مباركاً، وأنْ تكونَ حياتُكما معاً سعيدةً وهادئةً." قالَ السيدُ غالبٌ، وهوَ يُمسكُ بيدِ ابنتِهِ. "أحمدٌ شابٌ واعدٌ، وأنا واثقٌ أنهُ سيُسعدُكِ."
"وأنا كذلكَ يا أبي." أجابتْ ليلى، وقدْ غمرتْها مشاعرُ الامتنانِ.
بينما كانَ أحمدُ يتوجهُ للقاءٍ مع والدِ ليلى، كانَ يتلقى رسالةً نصيةً من خالدٍ: "أحمد، أعتذرُ عنْ تأخري في الردِّ. هلْ تسمحُ لي بلقاءٍ قصيرٍ؟ لديَّ أمرٌ أودُّ التحدثَ معكِ فيهِ بشكلٍ عاجلٍ."
توقّفَ أحمدُ قليلاً، وهوَ يُفكرُ في الرسالةِ. خالدٌ لمْ يكنْ منْ عادتهِ أنْ يطلبَ لقاءً بهذا الشكلِ. شعرَ بقلقٍ بسيطٍ، ولكنهُ قررَ أنْ يُؤجلَ اللقاءَ حتى الانتهاءِ منْ التزاماتِهِ معَ عائلةِ ليلى.
"سأُقابلكَ بعدَ لقائي الحالي، متى يناسبُكَ؟" ردَّ أحمدُ.
"حالما تنتهي، أكونُ بالقربِ منْ مكتبِكَ." جاءَ الردُّ سريعاً.
كانَ القلبُ لا يزالُ يخفقُ بسعادةٍ، ولكنْ، كانتْ هناكَ غيمةٌ صغيرةٌ بدأتْ تلوحُ في سماءِ الصفاءِ، تحملُ معها تساؤلاتٍ وهمساً بالاضطراباتِ التي قدْ تُغيرُ مسارَ الأمورِ. فالعلاقاتُ الإنسانيةُ، حتى أسمى وأصدقُها، تتطلبُ يقظةً مستمرةً، وقدرةً على تجاوزِ ما قدْ يعترضُ طريقَها منْ تحدياتٍ.