الحب الصادق الجزء الثاني
اجتماعٌ حاسمٌ واعترافٌ مُفاجئٌ
بقلم مريم الحسن
اجتمعتْ عائلةُ ليلى، السيدُ غالبٌ والسيدةُ عائشةُ، وأحمدُ ووالدتهُ، السيدةُ نورةُ، في غرفةِ المعيشةِ الفسيحةِ. كانتْ الأجواءُ تحملُ مزيجاً منَ الترقبِ والهدوءِ. ورغمَ أنَّ هذا الاجتماعَ لمْ يكنْ رسمياً كجلسةِ الخطوبةِ، إلا أنَّهُ كانَ يحملُ وزناً كبيراً، فهو يُمثّلُ الخطوةَ الأولى نحو تأكيدِ الرباطِ المستقبليِّ.
بدأَ السيدُ غالبٌ الحديثَ بابتسامةٍ هادئةٍ، وهوَ يُخاطبُ السيدةَ نورةَ. "أشكرُكِ يا أختي على قبولِ دعوتِنا. نحنُ سعداءُ جداً بهذا الارتباطِ المباركِ بينَ ليلى وأحمدَ."
"الشكرُ لكَ يا أبا ليلى. نحنُ ممتنونٌ لهذهِ الفرصةِ. أحمدٌ شابٌ بارٌّ، ونحنُ نثقُ تماماً في اختيارِهِ. ليلى فتاةٌ رائعةٌ، ونحنُ على يقينٍ أنها ستُسعدُهُ." ردتْ السيدةُ نورةُ، وعينُها تلمعُ بالرضا.
تجاذبَ الأربعةُ أطرافَ الحديثِ، وتحدثوا عنْ بعضِ التفاصيلِ الأوليةِ المتعلقةِ بموعدِ الخطوبةِ، وعنْ قائمةِ المدعوينَ، وعنْ ترتيباتِ العرسِ. كانتْ ليلى وأحمدُ يستمعانِ بصمتٍ، تتناقلُ أعينُهما نظراتٌ تحملُ معانٍ أعمقَ منَ الكلماتِ. نظراتٌ تتحدثُ عنْ الحبِّ، والأملِ، وعنْ مستقبلٍ مشتركٍ يُبنى على أسسٍ سليمةٍ.
"لديَّ أمرٌ أودُّ طرحُهُ،" قالَ السيدُ غالبٌ فجأةً، وهوَ ينظرُ إلى أحمدَ. "أعلمُ أنَّكَ شابٌ طموحٌ، وأنَّكَ تسعى لبناءِ مستقبلكَ المهنيِّ. ولكنْ، أريدُ أنْ أسمعَ منكُ مباشرةً، ما هيَ رؤيتُكَ لمستقبلِكَ معَ ليلى؟ كيفَ ترى دورَكَ كزوجٍ؟"
أخذَ أحمدُ نفساً عميقاً، ونظرَ إلى السيدِ غالبٍ باحترامٍ. "يا عمَّ غالبٌ، أنا أرى في ليلى شريكةَ حياتي، ونِعمَ العونِ. أحلمُ ببناءِ أسرةٍ تُرضي اللهَ، أسرةٍ تقومُ على المودةِ، الرحمةِ، والاحترامِ المتبادلِ. سأسعى جاهداً لتوفيرِ كلِّ ما تحتاجهُ ليلى، ولتحقيقِ أحلامِها وطموحاتِها، جنباً إلى جنبٍ معَ أحلامي. الأهمُّ بالنسبةِ لي هوَ أنْ ننمو معاً، روحياً، واجتماعياً، ومهنياً."
أومأَ السيدُ غالبٌ برأسِهِ بتقديرٍ. "هذا كلامٌ طيبٌ يا بني. سمعتُ عنْ أخلاقِكَ، وعنْ دينِكِ. وهذا ما يُطمئنُ قلبي. ولكنْ، لديَّ أيضاً استفسارٌ بخصوصِ علاقتِكَ السابقةِ. هلْ كانتْ لكَ أيُّ ارتباطاتٍ جادةٍ قبلَ ليلى؟"
سادَ صمتٌ قصيرٌ، بدا فيهِ أحمدُ وكأنَّهُ يُفكرُ بعمقٍ. ثمَّ أجابَ بصوتٍ واضحٍ وصادقٍ: "لمْ تكنْ لي أيُّ علاقةٍ جديةٍ يا عمَّ غالبٌ. ولكنْ، قبلَ أنْ ألتقيَ بليلى، كنتُ على وشكِ الارتباطِ بفتاةٍ أخرى. كانتْ الأمورُ شبهَ محسومةٍ، ولكنَّني اكتشفتُ أنَّ نواياها لمْ تكنْ صافيةً، وأنَّها لمْ تكنْ تُناسبُني. لذلكَ، أنهيتُ الأمرَ قبلَ فواتِ الأوانِ. وأنا أُشكرُ اللهَ على هذهِ الحكمةِ التي أنعمَ بها عليَّ."
ارتسمتْ ابتسامةٌ على وجهِ السيدةِ عائشةَ، وهيَ تنظرُ إلى ابنتِها. كانَ الصدقُ في كلامِ أحمدَ يُريحُ قلبَها.
في هذهِ الأثناءِ، كانتْ السيدةُ نورةُ تتحدثُ معَ السيدِ غالبٍ بصوتٍ هامسٍ. "لقدْ ذكرتُ لكَ يا أبا ليلى، أنَّ خالدَ، صديقُ أحمدَ، يُفكرُ في الارتباطِ بسارةَ، أختِ ليلى. سارةُ فتاةٌ رائعةٌ، وأعتقدُ أنَّها ستكونُ نِعمَ الزوجةِ لخالدٍ."
"هذا خبرٌ سارٌّ. سارةُ فتاةٌ ذكيةٌ، وأنا أُحبُّ هدوءَها. إذا كانَ الأمرُ مُناسباً لهما، فسأكونُ سعيداً جداً." أجابَ السيدُ غالبٌ.
"لقدْ اتفقتُ معَ والدةِ خالدٍ على ترتيبِ لقاءٍ قريبٍ بينَ سارةَ وخالدٍ، ليتمكنا منَ التعرفِ على بعضِهما البعضِ بشكلٍ أفضلَ."
"ممتازٌ. دعونا نُركزُ الآنَ على ترتيباتِ خطوبةِ ليلى وأحمدَ، وبعدَ ذلكَ، يُمكنُنا التفكيرُ في ترتيباتِ سارةَ وخالدٍ."
بعدَ انتهاءِ الاجتماعِ، وبينما كانَ أحمدُ يستعدُّ للمغادرةِ، اقتربَ منهُ السيدُ غالبٌ. "أحمدُ، أريدُ أنْ أُحادثَكَ في أمرٍ هامٍّ، على انفرادٍ."
ذهبا إلى شرفةِ المنزلِ، حيثُ النسيمُ العليلُ يُداعبُ وجوهَهم.
"أحمدُ، أنا واثقٌ منْ حسنِ اختيارِكَ لليلى، ومنْ صدقِ نواياكَ. ولكنْ، بصفتي أباً، لا أستطيعُ أنْ أتجاهلَ مسؤوليتي تجاهَ ابنتي. سمعتُ بعضَ الأمورِ عنْ شخصٍ يُدعى وليدٌ، يُفترضُ أنهُ يُلاحقُ سارةَ. هلْ لديكَ أيُّ معلوماتٍ عنْ هذا الأمرِ؟"
شعرَ أحمدُ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ. لقدْ كانتْ همساتُ خالدٍ تُصبحُ الآنَ حقيقةً واقعةً. "نعمْ يا عمَّ غالبٌ. خالدٌ، صديقي، أخبرني أنَّ هناكَ شخصاً يُدعى وليدٌ، يُقالُ إنَّهُ ذو نفوذٍ، وأنَّهُ يُحاولُ التقربَ منْ سارةَ. خالدٌ نفسهُ يُفكرُ في التقدمِ لسارةَ، ويريدُ أنْ يتأكدَ منْ سلامتها."
توسعتْ عينا السيدِ غالبٍ. "وليدٌ؟ هلْ تعرفُه؟"
"لا أعرفُهُ شخصياً، ولكنْ، سمعتُ منْ خالدٍ أنَّهُ ذو سمعةٍ مشكوكٍ فيها. وأنَّهُ قدْ يُسببُ مشاكلَ."
"هذا مُقلقٌ جداً. يجبُ أنْ نحميَ سارةَ. هيَ ابنتُنا، ولا نرضى لها الظلمَ." قالَ السيدُ غالبٌ بجديةٍ. "هلْ أنتَ مُستعدٌ لمُساعدتي في هذا الأمرِ؟"
"بالطبعْ يا عمَّ غالبٌ. أيُّ شيءٍ في سبيلِ حمايةِ سارةَ. أنا وخالدٌ، سنتكاتفُ معَكَ."
شعرَ السيدُ غالبٌ بالارتياحِ، لوجودِ أحمدَ وخالدٍ بجانبهِ. لقدْ بدأَ الكشفُ عنْ خيوطِ مؤامرةٍ لمْ تكنْ ليلى ولا سارةُ على علمٍ بها. كانَ هذا الاعترافُ المُفاجئُ منْ أحمدَ، حولَ علاقتِهِ السابقةِ، قدْ فتحَ البابَ للكشفِ عنْ قضايا أخرى، قدْ تُشكلُ تهديداً على استقرارِ العائلتينِ.
بينما كانَ أحمدُ يُودِّعُ عائلةَ ليلى، نظرَ إلى الشارعِ، فرأى سيارةً سوداءَ فارهةً تتوقفُ بالقربِ منَ المنزلِ. ومنْ داخلِها، رأى شخصاً يُشبهُ الوصفَ الذي سمعهُ منْ خالدٍ. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ همساتٍ بعدَ الآنَ، بلْ أصبحَ تهديداً محسوساً.