الحب الصادق الجزء الثاني
سرٌّ يتكشّف تحت ضوء القمر
بقلم مريم الحسن
تسللت نسمات الليل الباردة عبر نافذة غرفة سارة، حاملةً معها عبق الياسمين المتسلق على جدران المنزل القديم. كانت تجلس على طرف فراشها، والضوء الخافت لمصباحها الليلي يلقي بظلال راقصة على وجهها الذي يعتوره قلقٌ عميق. لم تكن ليلة كأي ليلة، فقد استقرّ في قلبها شعورٌ غامضٌ بالخطر، أشبه بوجود شبحٍ يتربص في زوايا المنزل.
منذ أن زارهم الأستاذ رضوان، محامي العائلة، لم تهدأ روحها. كانت كلماته تحمل وزناً ثقيلاً، ونبرته الصارمة تركت في نفسها أثراً من الريبة. حديثه عن وصية جدها المرحوم، وعن وجود بنودٍ غامضةٍ لم تُكشف بعد، كان كقنبلةٍ موقوتةٍ انفجرت في عالمها الهادئ. الأهم من ذلك، كانت نظراته المتفحصة، وتلميحاته المبهمة حول "حماية ممتلكات العائلة من أي يدٍ طامعة". لمن كانت هذه التحذيرات؟ وما هي الأيدي التي يخشاها جدها؟
مرّت صورٌ سريعةٌ في ذهنها: وجه عمها الكبير، السيد عبد الرحمن، بابتسامته الماكرة وعينيه الجشعتين. لطالما شعرَتْ بأنّ طمعه في ثروة العائلة يفوق كل اعتبار. هل كان هو المقصود؟ هل كانت هناك خطةٌ ما تدور في الخفاء، خطةٌ قد تهدد مستقبلها ومستقبل عائلتها؟
مدّت يدها بخفةٍ نحو الرفّ الذي يعلو مكتبها، وأمسكت بصندوقٍ خشبيٍّ قديم، مزخرفٍ بنقوشٍ عربيةٍ عريقة. كان هذا الصندوق هديةً من جدها قبل وفاته بسنوات، وكان قد أوصاها بالحفاظ عليه وعدم فتحه إلا في "وقتٍ تعلم فيه الحكمة". كم مرةٍ تساءلت عن معنى هذه الكلمات! الآن، بدا وكأنّ الوقت قد حان.
ارتعشت أصابعها وهي تضع الصندوق على حجرها. كان القفل بسيطاً، مفتاحه الصغير معلّقٌ في سلسلةٍ رقيقةٍ حول عنقها، لا تفارقه أبداً. بصوتٍ خفيض، همست لنفسها: "يا جدّي، هل أتيتَ لتمنحني الدليل؟" أدخلت المفتاح في القفل، ودار به برفق. مع صوت "طَقّ"، انفتح الغطاء الخشبي.
لم تجد في الصندوق مجوهراتٍ أو كنوزاً ثمينة، بل مجموعةً من الرسائل القديمة، وأوراقاً صفراء، وصورةً صغيرةً باهتة. التقطت الرسائل، وبدأت تتفحص العناوين. كانت بخطّ جدها، موجهةً إلى شخصٍ يدعى "أمير". من هو أمير هذا؟
بدأت تقرأ أول رسالة. كانت بتاريخٍ يعود لعقدين من الزمن. كانت كلمات جدها تحمل شغفاً وحزناً في آنٍ واحد. يتحدث عن حبٍّ عميقٍ، وعن صعوباتٍ حالت دون هذا الحب. ذكر فيها اسم "فاطمة"، والدتها. هل كان جدها يحبّ والدتها قبل أن يتزوجها والدها؟ لم تسمع شيئاً كهذا من قبل.
ثمّ تملّكتها الدهشة وهي تقرأ رسالةً أخرى، هذه المرة مكتوبةٌ بخطٍّ نسائيٍّ رقيق، لا تعرفه. بدأت الرسالة بـ "حبيبي أمير". قلبها تسارع. هل كان أمير هو جدها، وكانت فاطمة هي المرأة التي يحبها؟ ثمّ تلاشت هذه الفرضية بسرعةٍ مع اسم المرسلة: "نورة". من هي نورة؟
بدأت الأوراق تتكشف، وبدأت تتكشف معها قصةٌ لم تخطر لها على بال. صورٌ قديمةٌ تظهر جدها شاباً يافعاً، برفقة امرأةٍ جميلةٍ ذات ملامحٍ حزينة. كانت هي "نورة". يبدو أنهما كانا عاشقين، لكنّ القدر لم يشأ لهما الاجتماع. ومن بين الأوراق، وجدت وثيقةٌ رسمية، يبدو أنها لعقد زواجٍ. لكنّها لم تكن باسم جدها، بل باسم شخصٍ آخر.
في تلك اللحظة، سمعت صوتاً قادماً من الخارج. صوت خطواتٍ خفيفةٍ على الدرج. توقفت عن التنفس، وعيناها متسعتان. هل كان هناك من يتسلل إلى المنزل؟ أمسكت بالصندوق بقوة، وقلبها يدقّ بعنفٍ في صدرها.
حاولت أن تسمع بوضوح. اقتربت من الباب، ووضعت أذنها عليه. سمعت همساتٍ. صوتٌ مألوفٌ، لكنّه ممزوجٌ بنبرةٍ لا تتناسب مع هدوء الليل. كان صوت عمها السيد عبد الرحمن. ومن يتحدث معه؟ لم تستطع تمييز الصوت الآخر بوضوح، لكنّ الكلمات القليلة التي وصلت إليها جعلتها تشعر بقشعريرةٍ تسري في عروقها.
"…يجب أن ننتهي من هذا الأمر الليلة… لا تدع سارة تكتشف أي شيء… الوصية… المال…"
انكمشت سارة على نفسها، وكأنّ الكلمات لسعتها. هل كان عمها يتحدث عن وصية جدها؟ هل كان يخطط لشيءٍ ضدها؟ ما علاقة السيد رضوان بكل هذا؟ بدأت الصورة تتضح، وإن كانت لا تزال ملبدةً بالغيوم. كان هناك سرٌّ عائليٌّ قديم، سرٌّ يرتبط بالمال، وبممتلكات العائلة، وأنّ هناك من يسعى لإخفائه أو استغلاله.
أدركت سارة أنّ الأوراق التي وجدتها في الصندوق ليست مجرد ذكرياتٍ قديمة، بل هي ربما مفتاحٌ لهذا السر. ربما كانت هذه الرسائل والوثائق دليلاً على شيءٍ ما، شيءٌ كان جدها يخشى أن يُكشف.
شعرت بالخوف، لكنّ الخوف لم يكن هو الشعور الوحيد. كان هناك شعورٌ بالاستياء، وبالغضب. كيف يمكن لأحدهم أن يفكر في التلاعب بممتلكات عائلتها؟ كيف يمكن لأحدهم أن يخفي الحقيقة؟
عادت إلى الصندوق، ونظرت إلى الأوراق بجديةٍ أكبر. كانت الوثيقة التي وجدتها، عقد الزواج، تحمل توقيع جدها. لكنّ الزوج والزوجة لم يكونا هو. كان هناك اسمٌ آخر، اسمٌ لشخصٍ كان جدها يرتبط به بعلاقةٍ قوية، ويبدو أنه كان سبب بعض آلامه.
فجأة، سمعت الباب الرئيسي للمنزل يُفتح بصوتٍ خفيض، ثمّ يُغلق. اختفت الخطوات. هل كان عمها قد غادر؟ أم أنه ذهب إلى مكانٍ آخر في المنزل؟
نظرت سارة إلى الساعة. الوقت تأخر. كانت تعرف أن عليها اتخاذ قرار. هل تواجه عمها فوراً؟ أم أنها تبحث عن مزيدٍ من الأدلة؟ الشك ينهش قلبها، والخوف يتربص بها. لكنّها لم تكن الفتاة التي تستسلم بسهولة. جدها، ذلك الرجل الحكيم الذي ترك لها هذا الصندوق، لم يكن ليتركها بدون سلاح.
أغلقت الصندوق برفق، ثمّ حملته بين ذراعيها. نظرت إلى الغرفة، إلى الهدوء الذي أصبح الآن يثير قلقها. أضاءت الغرفة بالكامل، ثمّ بدأت تبحث عن مكانٍ آمنٍ لإخفاء الصندوق. لم تكن متأكدةً مما سيحدث، لكنّها كانت تعلم شيئاً واحداً: لن تسمح لأي شخصٍ بأن يفسد إرث عائلتها، وأن يسرق منها مستقبلها.
وقفت في وسط الغرفة، تنظر إلى الظلام الذي يحيط بها. كانت تعلم أنّ هذه الليلة هي نقطة اللاعودة. وأنّ كل ما سيحدث بعد ذلك سيكون نتيجةً للكشف عن هذا السرّ. رفعت رأسها، ونظرت إلى السماء من خلال النافذة. القمر كان بدراً، يلقي بنوره الفضيّ على كل شيء. هل كان هذا النور سيمنحها القوة لتمضي قدماً؟
كان عليها أن تفكر. وأن تخطط. وأن تواجه. لأنّ الصمت لم يعد خياراً. ولأنّ الخطر كان أقرب مما تتصور.