الحب الصادق الجزء الثاني

همسات الماضي وتهديدات الحاضر

بقلم مريم الحسن

عاد الهدوء إلى المنزل، لكنّه كان هدوءاً زائفاً، كالسكون الذي يسبق العاصفة. بقيت سارة واقفةً في وسط غرفتها، والصندوق الثقيل بين يديها، وقلبها يخفق بعنفٍ أشبه بضربات الطبول الحربية. ما سمعته من حديث عمها لم يكن مجرد شكوك، بل كان تأكيداً لمخاوفها. كان هناك تآمرٌ يدور في الظلام، وأنّ السيد عبد الرحمن، برغم مظهره الخارجيّ الهادئ، كان يخطط لشيءٍ خطير.

نظرت إلى الأوراق المبعثرة فوق سريرها، ثمّ إلى وثيقة الزواج الغامضة. من هو هذا الرجل الآخر الذي يحمل توقيع جدها؟ ومن هي "نورة"؟ تساءلت إن كانت هذه المعلومات هي المفتاح لحلّ لغز الوصية، أو ربما لتكشف عن حقائق أعمق حول تاريخ عائلتها.

قررت سارة أن تبحث عن مكانٍ آمنٍ لإخفاء الصندوق. لم يكن بإمكانها تركه في غرفتها، فقد يصبح هدفاً سهلاً. تجولت بنظرها في الغرفة، ثمّ اتجهت نحو مكتب جدها القديم، الذي ظلّ مغلقاً منذ وفاته. كان له بابٌ سريٌّ، افتحه جدها أحياناً عندما كان يريد خصوصيةً تامة. علمت بوجوده من والدتها، لكنها لم تستخدمه قط.

انتقلت إلى المكتب، وبدأت تفحص الجدران المحيطة به. كانت الأصابع تعرف أين تبحث. مررت يديها على النقوش الخشبية، تبحث عن أيّ علامةٍ تدل على وجود آليةٍ خفية. وبعد لحظاتٍ من البحث الدقيق، شعرت بنقطةٍ بارزةٍ لا تبدو طبيعية. ضغطت عليها بلطف. سمعت صوت "طقطقة" خافتة، وانفتحت لوحةٌ صغيرةٌ في الجدار، لتكشف عن تجويفٍ مظلم.

وضعت الصندوق بعنايةٍ داخل التجويف، وأغلقت اللوحة. أصبحت الآن محميةً، على الأقلّ في الوقت الحالي. لكنّ الأمان لم يكن كافياً. كانت بحاجةٍ إلى فهم. بحاجةٍ إلى معرفة الحقيقة كاملة.

في تلك الأثناء، كان السيد عبد الرحمن، عمّها، قد عاد إلى مكتبه في الطابق السفلي. كان يجلس خلف مكتبه الفاخر، ووجهه يعكس مزيجاً من القلق والإصرار. في يده، كان يقلّب خاتماً ذهبياً، كان يخصّ والده، أي جدّ سارة.

"هل أنت متأكدٌ من أن الفتاة لا تشكّ في شيء؟" سأل، موجهاً كلامه إلى الرجل الواقف أمامه، والذي كان يرتدي ملابس داكنة، وعيناه تخفيان الكثير.

أومأ الرجل برأسه: "لا، سيدي. لقد كنتُ أراقبها. كانت متأثرةً بكلمات الأستاذ رضوان، لكنّها لم تربط أيّ شيءٍ ببعضه. هي لا تعلم شيئاً عن وجود تلك الوثائق."

"تلك الوثائق… يجب أن تختفي. بأي ثمن." قال عبد الرحمن بلهجةٍ قاسية، مشيراً إلى الأوراق التي كانت في يد الرجل. "هل تأكدت من أن كل شيءٍ تمّ حسب الخطة؟"

"نعم، سيدي. لقد حصلتُ على ما نريد. الأستاذ رضوان سيفعل ما اتفقنا عليه. سيتصرف كما لو أنه يدافع عن مصلحة العائلة، لكنّه في الحقيقة يخدم مصلحتنا." أجاب الرجل بابتسامةٍ ماكرة.

"جيد. هذا المال يجب أن يعود إلى أصحابه الحقيقيين. لا يجب أن يصل إلى يد الفتاة. إرث والدي لم يُبذل في الهواء. وأنا لستُ مستعداً لأرى كل ذلك يضيع." قال عبد الرحمن، وعيناه تلمعان بالجشع.

في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة بشعورٍ متجددٍ بالخطر. قررت أن تذهب إلى منزل جدتها، السيدة فاطمة، السيدة العجوز التي كانت تعيش حياةً هادئةً في ضواحي المدينة، وتتحدث كثيراً عن الأيام الخوالي. ربما كانت السيدة فاطمة تعرف شيئاً عن هذا السرّ.

وصلت سارة إلى منزل جدتها، وجدت السيدة العجوز جالسةً في فناء المنزل، تتأمل الزهور. بدت السيدة فاطمة شاحبةً وهزيلةً، لكنّ عينيها كانت تحملان بصيصاً من الحكمة القديمة.

"جدتي، كيف حالك؟" سألت سارة، واحتضنتها بحنان.

"أهلاً بكِ يا ابنتي. هل أتيتِ لزيارتي؟" أجابت السيدة فاطمة بابتسامةٍ متعبة. "ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟"

جلست سارة بجانبها، وبدأت تسرد لها ما حدث. تحدثت عن زيارة الأستاذ رضوان، وعن حديثه عن الوصية، وعن شعورها بأنّ هناك شيئاً مفقوداً. ثمّ، بترددٍ، سألت عن "نورة".

ارتعش وجه السيدة فاطمة عند سماع الاسم. حبست أنفاسها للحظة، ثمّ قالت بصوتٍ مرتعش: "نورة؟ من أخبركِ بهذا الاسم؟"

"وجدته في رسائل جدّي. هل تعرفينها يا جدتي؟" سألت سارة، وعيناها ترقبان رد فعل جدتها.

تنهدت السيدة فاطمة بعمق. "نورة… كانت صديقةَ جدّكِ. بل أكثر من صديقة. كانت… كانا يحبان بعضهما البعض كثيراً."

"ولماذا لم يتزوجا؟" سألت سارة.

"الأسباب كانت كثيرة ومعقدة يا ابنتي. الظروف، والعادات، وضغط العائلة. كان جدّكِ مضطراً للزواج من أخرى. لكنّ حبّه لنورة ظلّ في قلبه. ربما… ربما هذه الرسائل التي وجدتها تكشف عن قصةٍ أعمق." قالت السيدة فاطمة، وعيناها مغرورقتان بالدموع. "لكنّ هناك أمراً آخر يجب أن تعرفيه. قبل زواجه من والدتك، كان جدّكِ قد تزوج عرفياً من نورة. لكنّ هذا الزواج لم يُعلن. ثمّ… حصلت أمورٌ جعلته يتخلى عنها."

"تخلى عنها؟ وكيف؟" سألت سارة.

"لقد عُرض عليه مالٌ كثير، ووعدٌ بمستقبلٍ أفضل. كان جدّكِ شاباً طموحاً، يريد أن يؤسس نفسه. ربما… ربما عُرض عليه مالٌ ليس له. مالٌ كان يجب أن يكون لنا. أنا." قالت السيدة فاطمة، وبدأت تبكي بصمت.

صُدمت سارة. هل كان جدها قد أخذ مالاً من السيدة فاطمة؟ وهل كانت هذه هي الحقيقة التي حاول عمها إخفاءها؟

"ماذا تقصدين يا جدتي؟" سألت سارة.

"عندما كنتُ صغيرة، عُرض عليّ مبلغٌ كبيرٌ من المال من قبل شخصٍ غريب. قيل لي إنّ هذا المال هو لتعويضٍ عن شيءٍ ما، ولتأمين مستقبلي. لم أفهم حينها. لكنّي علمتُ فيما بعد… علمتُ أنّ هذا المال كان إرثاً لي من طرفٍ بعيدٍ جداً، وكان يجب أن يُسلّم إليّ فور بلوغي. لكنّ جدّكِ، أمير، هو من استلمه… وبدلاً من أن يسلمني إياه، اختفى… ثمّ علمتُ أنّه تزوج من والدتك. ثمّ… عرفتُ أنّ المال الذي استلمه لم يكن لتعويضي، بل كان ثمناً للتخلي عن نورة." قالت السيدة فاطمة، وصوتها يرتعش.

"لكنّ هذا المال… هل كان من حقّ جدّي أن يأخذه؟" سألت سارة.

"لا. بل كان مالاً سُلب مني. وكان وعداً لم يُنفذ. وكان هناك أيضاً… كان هناك وثيقةٌ أخرى… عقدٌ يثبت حقّي في هذا المال… لكنّها اختفت." قالت السيدة فاطمة، ودموعها تنهمر على وجهها.

شعرت سارة بالدوار. كانت هذه الحكاية معقدةً جداً، وأكثر ألماً مما تخيلت. هل كان عمها عبد الرحمن يعرف كل هذا؟ وهل كان يحاول استغلال هذا السرّ لإبقائها بعيدةً عن ميراثها؟

"يا جدتي، هل تتذكرين أي شيءٍ عن هذه الوثيقة؟ هل كانت مع الرسائل؟" سألت سارة.

"لا أتذكر التفاصيل بدقة. لكنّي أعرف أنّ جدّكِ كان يخشى أن تُكشف هذه الحقيقة. وربما… ربما ترك دليلاً في مكانٍ ما." قالت السيدة فاطمة.

نظرت سارة إلى السماء، ثمّ إلى منزلها الذي يبعد عنها بمسافة. لقد شعرت بوجود شبحٍ في منزلها، والآن اكتشفت أن هذا الشبح له تاريخٌ طويل، وله علاقةٌ مباشرةً بمصيرها. كانت تعلم أنّ عليها مواجهة عمها. وأنّها بحاجةٍ إلى العثور على تلك الوثيقة. لأنّ المال الذي ذكره عمها، والذي أراد أن يبعدها عنه، ربما كان حقّها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%