الحب الصادق الجزء الثاني

خيوط الحقيقة المتشابكة

بقلم مريم الحسن

خرجت سارة من منزل جدتها السيدة فاطمة وهي تحمل في قلبها ثقلاً أكبر من ذي قبل. كانت الحكاية التي سمعتها من جدتها أقرب إلى قصةٍ نسجها الخيال، لكنّ الدموع في عيني السيدة العجوز، والرجفة التي كانت في صوتها، أكدت لها أنّ الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، كانت واضحةً أمامها. جدّها، الرجل الذي لطالما احترمته، كان قد تورط في قصةٍ معقدةٍ من الحبّ والخيانة، قصةٌ ربما كلّفت السيدة فاطمة حقّها.

"مالٌ سُلب منها، ووعدٌ لم يُنفذ…" كانت هذه الكلمات تتردد في ذهن سارة. هل كان عمها عبد الرحمن يعرف كل هذا؟ وهل كان تحذيره لها هو محاولةٌ لإبقائها بعيدةً عن حقّها الحقيقي، الذي ربما ورثته عن السيدة فاطمة؟

في طريق عودتها إلى المنزل، مرّت سارة أمام مكتبةٍ قديمةٍ ومزدحمة، كانت تعرفها منذ صغرها. كانت مليئةً بالكتب القديمة، والوثائق التاريخية، وربما… ربما هناك معلوماتٌ تساعدها. استوقفت سيارتها، ودخلت المكتبة، حيث استقبلتها رائحة الورق القديم والغبار.

بعد فترةٍ من البحث، عثرت على قسمٍ خاصٍ بالتاريخ المحليّ، وبعض الكتب التي تتناول تاريخ العائلات العريقة في المنطقة. بدأت تتصفح الكتب بتأنٍ، وتبحث عن أيّ ذكرٍ لاسم جدّها "أمير"، أو عن أيّ معلوماتٍ تتعلق بعائلتها.

مرّت ساعاتٌ وهي غارقةٌ في البحث، حتى وقع نظرها على كتابٍ قديمٍ بغلافٍ جلديّ. كان عنوانه: "أسرار البيوت العتيقة: قصصٌ وحقائق من ماضي مدينتنا". بدا الكتاب واعداً. فتحته، وبدأت تتصفحه.

بعد رحلةٍ شاقةٍ بين الصفحات، عثرت على فصلٍ يتحدث عن عائلةٍ معروفةٍ في المدينة، كانت قد اشتهرت بثروتها وجشعها في القرن الماضي. وخلال قراءة هذا الفصل، وجدت ذكراً لشخصٍ يدعى "السيد غالب"، وهو رجلٌ كان قد جمع ثروةً طائلةً بطرقٍ ملتوية، وكان معروفاً بابتزازه للآخرين. ثمّ، وجدَتْ ذكراً لـ "السيدة نورة"، وهي امرأةٌ كانت قد تزوجت من رجلٍ غنيٍّ، لكنّها لم تجد السعادة في حياتها.

والأهم من ذلك، وجدت سارة سطرين صغيرين، ذكرا فيهما أن السيد غالب قد ساعد بعض الشباب الواعدين في المدينة، مقابل حصوله على خدماتٍ معينة. ومن بين هؤلاء الشباب، ذُكر اسم "الشاب أمير"، الذي استفاد من دعم السيد غالب المادي، مقابل "تعهدٍ بالولاء والسكوت".

"تعهدٌ بالولاء والسكوت؟" همست سارة لنفسها. هل كان جدّها مداناً للسيد غالب؟ وهل كان هذا هو سبب استلامه للمال، وهو المال الذي قيل إنّه سُلب من السيدة فاطمة؟

زاد الارتباك في رأس سارة. بدت الأمور تتشابك أكثر فأكثر. كانت هناك قصة حبّ بين جدّها ونورة، ثمّ زواجٌ عرفيّ، ثمّ تخلي عن نورة، واستلام مالٍ غامض، ثمّ وعدٌ بالولاء والسكوت لشخصٍ يدعى السيد غالب. ومن جانبٍ آخر، كانت هناك السيدة فاطمة، التي ادّعت أنّ جدّها سلبها حقّها.

عندما عادت إلى المنزل، شعرت سارة بثقلٍ جديد. كان عليها أن تواجه عمها. كان عليها أن تجد تلك الوثيقة التي تتحدث عنها جدتها. كانت تعلم أنّ عمها لن يدعها تجدها بسهولة.

ذهبت سارة إلى غرفة جدها القديمة، وفتحت التجويف السريّ في الجدار. أمسكت بالصندوق الخشبيّ، وأخذت تقلب الرسائل والأوراق مرةً أخرى. كانت تبحث عن أيّ شيءٍ قد يربط جدّها بالسيد غالب، أو قد يوضح طبيعة "المال المسلوب" من السيدة فاطمة.

بين الأوراق، وجدت رسالةً مكتوبةً بخطّ جدّها، لكنّها لم تكن موجهةً إلى "أمير"، بل إلى "نورة". كانت الرسالة مليئةً بالاعتذار والشوق، ويتحدث فيها عن "ضغوطٍ شديدةٍ اضطرته إلى اتخاذ قراراتٍ صعبة". وذكر فيها اسم "السيد غالب"، ووصفه بأنه "شخصٌ لا يرحم، ولا يترك أحداً في حاله".

"لقد اضطررتُ يا نورة… اضطررتُ لقبول عرضه. مقابل مساعدته، وافقتُ على أن أتعهد بالسكوت عن أمرٍ ما… أمرٌ سيحمينا جميعاً… لكنّ الثمن كان غالياً… غالياً جداً." قرأت سارة، وشعرت بأنّ قلبها يعتصر ألماً.

هل كان هذا "الأمر" الذي وعد جدّها بالسكوت عنه هو قضية السيدة فاطمة؟ هل كان جدّها قد تواطأ مع السيد غالب ضد السيدة فاطمة؟

استمرت سارة في البحث، وفجأة، وقع نظرها على ورقةٍ أخرى. كانت عبارة عن بيانٍ ماليّ، يبدو أنه كشف حسابٍ قديم. وعليه، كان هناك مبلغٌ كبيرٌ من المال، مكتوبٌ بالخطّ اليدويّ، مع عبارة: "تعويضٌ عن الأضرار، دفعٌ للسيدة نورة، بضمانة السيد غالب."

"السيدة نورة؟" تعجبت سارة. هل كانت هذه هي نورة التي تحدثت عنها جدتها، أم شخصٌ آخر؟

ثمّ، نظرت إلى اسم العائلة المكتوب في أسفل الورقة: "آل منصور". هذه ليست عائلة جدّها. هل كان جدّها قد استلم هذا المال نيابةً عن شخصٍ آخر؟

وفجأة، تذكرت شيئاً. تذكرت أنّ والدة السيد عبد الرحمن، زوجة جدّها الثاني، كانت تُدعى "منيرة". هل كانت "منيرة" هي "نورة"؟ أم أنّ هناك "نورة" أخرى؟

في تلك اللحظة، سمعت سارة صوتاً عند باب غرفتها. أسرعت بإغلاق الصندوق، وإعادته إلى مكانه في التجويف السريّ. ثمّ ذهبت إلى الباب، وبصوتٍ ثابت، سألت: "من هناك؟"

"أنا، يا ابنتي. عمّك عبد الرحمن." جاء الردّ بصوتٍ هادئ، لكنّه يحمل نبرةً غريبة.

فتحت سارة الباب، ووجدته يقف أمامها، بابتسامةٍ متكلفة. "كنتُ أمرّ، ورأيتُ نور غرفتكِ مضاءً. هل كلّ شيءٍ على ما يرام؟"

شعرت سارة بأنّ دمها قد تجمد في عروقها. كان يعرف أنها تستيقظ متأخراً. هل كان يراقبها؟

"نعم، يا عمّي. كلّ شيءٍ على ما يرام. كنتُ فقط أراجع بعض الكتب القديمة." قالت سارة، محاولةً إخفاء توترها.

"الكتب القديمة؟ حقاً؟ هل وجدتي شيئاً مثيراً للاهتمام؟" سأل، وعيناه تفحصان الغرفة بنظرةٍ ثاقبة.

"لا شيءٌ مهمّ. مجرد ذكريات." قالت سارة، ثمّ سألته: "هل كان جدّي، الحاج أمير، يعرف شخصاً يدعى السيد غالب؟"

تصلّبت ملامح عبد الرحمن للحظةٍ وجيزة، لكنّه سرعان ما استعاد رباطة جأشه. "السيد غالب؟ نعم، أظنّ أنّه كان تاجراً قديماً. لكنّي لا أعرف تفاصيل كثيرة. لماذا تسألين؟"

"كنتُ أبحث في بعض الوثائق القديمة، ووجدتُ ذكراً له." قالت سارة، وهي تشعر بأنّ الحقيقة تتكشف ببطء، ولكنّها لا تزال محاطةً بالأسرار.

"الوثائق القديمة… إنّها غالباً ما تحمل قصصاً غريبة." قال عبد الرحمن، ثمّ أضاف بلهجةٍ تحمل تحذيراً مبطناً: "لكنّ الأفضل هو أن نترك الماضي في ماضيه. وأن نركز على مستقبلنا. أليس كذلك؟"

شعرت سارة بأنّ هذا ليس مجرد حديثٍ عاديّ. كان هناك تهديدٌ خفيّ في كلماته. كان يدرك أنها تبحث عن شيءٍ ما، وأنّها تقترب من الحقيقة.

"بالتأكيد يا عمّي. المستقبل أهم." قالت سارة، ثمّ قالت: "تصبح على خير."

أومأ عبد الرحمن برأسه، ثمّ غادر. تركت سارة الباب مغلقاً، وتنفست بعمق. لقد أدركت شيئاً مهماً. عمّها عبد الرحمن كان يعرف أكثر مما يقول. وكان يحاول حمايتها، أو ربما… إبعادها عن حقيقةٍ قد تضرّ بمصالحه.

نظرت إلى التجويف السريّ، ثمّ إلى الصندوق بالداخل. كانت تعلم أنّ الرحلة لم تنتهِ بعد. وأنّ الحقيقة الكاملة لا تزال مختبئةً في مكانٍ ما، تنتظر من يكشفها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%