الحب الصادق الجزء الثاني
بريق الأمل في عيون الصحراء
بقلم مريم الحسن
جلست نور، وقد امتلأت عيناها ببريقٍ لم تدرك وجوده من قبل. كانت كلمات جدتها، والحاج مالك، والرسالة القديمة، تتشابك في ذهنها، لتنسج قصةً جديدة، قصةً بدأت تتشكل أمام عينيها. كانت تشعر بأنها جزءٌ من هذا السرد التاريخي، وأن مصيرها مرتبطٌ بماضي عائلتها.
"يا الحاجة عائشة، هل تتذكرين اسم الرجل الذي أحبته جدتي زينب؟" سأل مالك، وعلامات الترقب بادية على وجهه.
تنهدت الحاجة عائشة، ووضعت يدها على قلبها. "آه يا بني، لم يبقَ في ذاكرتي سوى ظلالٍ باهتة. كان اسمه... كان اسمه..." توقفت، ثم أكملت ببطء، "كان اسمه... صالح".
"صالح؟" ردد مالك الكلمة، وكأنها صدىً لأغنيةٍ قديمة. "وهل كان من عائلتنا؟"
"لم يكن من عائلتك يا بني، بل كان من عائلةٍ أخرى، عائلةٍ معروفةٍ بالكرم والتقوى، عائلةٍ كانت تسكن قريتنا منذ أزمانٍ طويلة. لكنهم... لكنهم هاجروا منذ زمنٍ بعيد، ولم يعد لهم خبر".
"هاجروا؟ إلى أين؟" سأل مالك، وعيناه تبحثان عن أي تفصيلٍ قد يضيء له الدرب.
"لا أعرف إلى أين بالضبط يا بني. لكنهم رحلوا في ظروفٍ غامضة، لم يبقَ منهم أحدٌ في هذه المنطقة. قيل إنهم انتقلوا إلى بلادٍ بعيدة، بحثاً عن رزقٍ أفضل".
شعر مالك بخيبة أملٍ طفيفة، لكنه لم يستسلم. "هل يوجد أي شيءٍ آخر قد يساعدني في البحث؟ ربما وثائقٌ أخرى، أو قصصٌ أخرى؟"
"لدينا بعض الأوراق القديمة التي جمعتها جدتي، ربما تجد فيها شيئاً"، قالت نور، بلهفة. "لقد كنت أتفحصها الليلة الماضية، فوجدت رسائلٌ أخرى، وصورٌ قديمة".
"صور؟" صاح مالك، وقد تملكه الفضول. "هل هناك صورٌ للعائلة؟"
"نعم، هناك صورٌ لجدتي زينب، وصورٌ لبعض أقاربها. ربما تجد في ملامحهم شيئاً يذكرك بشيءٍ ما".
انتقلت نور مع مالك إلى غرفةٍ أخرى، كانت أشبه بمكتبةٍ صغيرة، مليئةً بالكتب القديمة، والأرفف الخشبية، والصناديق المليئة بالأوراق. بدأت نور تبحث بين الأوراق، وهي تشعر بمسؤوليةٍ كبيرة.
بينما كانت نور تبحث، جلس مالك، وبدأ يتأمل المكان. رأى الكتب التي قرأتها جدته، وشعر بوجودها. رأى المفروشات البسيطة، التي تحكي عن حياةٍ قاسية، لكنها مليئةٌ بالحب.
"لقد أحبت جدتك رجلاً اسمه صالح، وقدر لها أن تفارقه. والآن، أنتِ يا نور، تبحثين عن قصصٍ تشبه قصتها، وتتحدثين عن حبٍّ لم يكتمل. هل يمكن أن يكون هذا قدراً؟" سأل مالك، وهو ينظر إلى نور.
ابتسمت نور ابتسامةً خجولة. "لا أعرف يا الحاج مالك. لكنني أشعر بأن هناك شيئاً قوياً يربطنا ببعضنا البعض، وبماضي عائلاتنا".
بعد بحثٍ طويل، رفعت نور ورقةً قديمة، وابتسمت. "وجدتها! هذه رسالةٌ أخرى من جدتي زينب، تتحدث فيها عن رجلٍ أحبته، وتصف فيه صفاته. وتقول إنها تركت له وعداً، بأن تنتظره، وبأنها ستبني حياتها على أسسٍ من الوفاء له".
قرأت نور الرسالة بصوتٍ عالٍ. كانت كلماتٌ قوية، مليئةٌ بالشوق، وبالحب، وبالتضحية. وصفٌ لرجلٍ صاحب عينين كسماء الصحراء، وصوتٍ كهمس الريح، وقلبٍ ينبض بالوفاء.
"هذا هو صالح"، قالت نور، وهي تنظر إلى مالك. "لقد كان رجلاً استثنائياً".
"وهل كانت هذه الرسالة موجهةٌ إليه؟" سأل مالك.
"نعم، يبدو كذلك. وفي نهاية الرسالة، كتبت جدتي زينب: "إلى من سيجد هذه الكلمات، وإلى من سيحمل اسمي، ويحفظ أمانتي. أبشرك بأن الحب الذي زرعته، سينمو ويكبر، وأن العائلة التي بنيتها، ستكون مصدر خيرٍ وبركة. وأول من سيحمل اسمي، سيكون نوراً لمن حوله".
"نوراً لمن حوله؟" كرر مالك الكلمة، وهي ترنُّ في أذنيه. "اسمك نور، أليس كذلك؟"
أومأت نور برأسها، وبدا عليها الارتباك.
"وهل جدتي زينب تركت لكِ وصيةً محددة؟" سأل مالك.
"ليست وصيةً بالمعنى الحرفي، بل هي رسالةٌ تحمل بشارةً. بشارةً بأن من يحمل اسمها، سيجد الخير والبركة. وهي تتحدث عن بناء عائلةٍ كريمة، وعن نشر العلم والمعرفة".
شعر مالك بشعورٍ غريب، مزيجٍ من الأمل، والمسؤولية، والفضول. كان يشعر بأن هذه القصة، التي بدأت كذكرى قديمة، تتجسد أمامه الآن، وأن نور هي جزءٌ أساسيٌّ من هذه القصة.
"لقد قرأت في أرشيف عائلتكِ أيضاً، عن رجلٍ من عائلةٍ اسمها 'العنبر'، كان له ابنةٌ اسمها زينب، تزوجت من رجلٍ آخر بعد أن فقدت محبوبها. هل يمكن أن تكون هذه العائلة هي عائلتنا؟" سأل مالك، بنبرةٍ تحمل بعض الشك.
"عائلة العنبر؟" ردت الحاجة عائشة، وقد بدت عليها علامات التفكير. "اسمٌ ليس مألوفاً لدي. لكنني أعرف أن جدتي زينب، تزوجت من رجلٍ اسمه... اسمه..."
"اسمه كان محمد؟" قاطع مالك، بلهفة. "هل تزوجت الحاجة زينب من رجلٍ اسمه محمد؟"
"نعم! نعم يا بني، اسمه كان محمد. الحاج محمد، الذي أسس هذه القرية، والذي كان يتمتع بكرمٍ وشجاعةٍ لا مثيل لهما".
اتسعت عينا مالك. "وهل كان الحاج محمد والد أبي؟"
"نعم يا بني، هو والدي. إذن، الحاجة زينب هي جدتي الكبرى، وأنت، يا مالك، تحمل اسم عائلةٍ كانت نبراساً لهذه الأرض".
شعر مالك بأن كل القطع بدأت تتلاءم. جدته زينب، حبها الضائع، وزواجها من جده محمد. ونور، التي تحمل اسمها، والتي يبدو أنها امتدادٌ لتلك الروح الطيبة.
"لقد تركت جدتي زينب، وعداً بأن من يحمل اسمها، سيكون نوراً لمن حوله"، قال مالك، وهو ينظر إلى نور. "وأنتِ، يا نور، كنتِ دوماً نوراً لهذه القرية، بنشاطك، وعلمك، وطيبتك".
بدت نور متأثرةً، وعيناها تلمعان بالدموع. "لم أكن أعرف كل هذا يا الحاج مالك. لقد كنت أظنها مجرد قصةٍ قديمة".
"إنها ليست مجرد قصة يا نور. إنها قصةٌ حية، تنتظر من يكملها. قصةٌ تبدأ بالوفاء، وتنتهي بالحب".
نظرت الحاجة عائشة إلى مالك ونور، وقالت: "يبدو أن القدر قد جمعكما لسببٍ ما. لقد مرت عائلتنا بالكثير من التحديات، لكننا دائماً وجدنا القوة في الإيمان، وفي الحب. وأنا على ثقةٍ بأنكما ستكونان بدايةً لفصلٍ جديدٍ من الخير والبركة".
شعر مالك بأن قلبه يخفق بقوة. كان يشعر بمسؤوليةٍ كبيرة، وبأملٍ متجدد. كانت هذه الليلة، قد فتحت له آفاقاً جديدة، آفاقاً تتجاوز حدود ما كان يتخيله.
"سأبقى هنا"، قال مالك، بجدية. "سأبقى لأحمي هذه الأرض، ولأعيد بناء ما تهدم. وسأساعد نور في إكمال ما بدأته جدتها زينب".
ابتسمت نور، وابتسمت الحاجة عائشة. كان المستقبل يبدو مشرقاً، مليئاً بالأمل، ومليئاً بالحب.