الحب الصادق الجزء الثاني

رمالٌ تتهاوى

بقلم مريم الحسن

تتفاقم الأزمة الداخلية لأروى. لم تعد تستطيع التنفس في أجواء منزلٍ تشعر فيه بأنها محاطةٌ بالأكاذيب. كل كلمةٍ ينطق بها فارس، كل لمسةٍ منه، تحمل في طياتها ثقلاً من الغموض والخداع. إنها ترى في عينيه الآن بريقاً خافتاً، لمعةً تختفي بسرعة، وكأنها تظاهرٌ بارعٌ بصدقٍ زائف.

في كل مرةٍ يلتقيان فيها، كانت أروى تعيش صراعاً داخلياً عنيفاً. هل تواجهه بما تعرف؟ هل تكشف له أنها رأت الصور، وأنها سمعت المكالمات؟ أم أنها ستستمر في لعب دور الزوجة الواثقة، بينما قلبها ينزف ألماً؟ كانت تخشى المواجهة، لأنها تعرف أن فارس ليس بالرجل الذي يمكن أن يتقبل النقد أو المواجهة بسهولة. بل إنها تتخوف من أن يؤدي ذلك إلى رد فعلٍ عنيفٍ، ربما يشكل خطراً عليها.

في إحدى الأمسيات، وبينما كانت جالسةً مع فارس في غرفة الجلوس، حاول أن يقترب منها عاطفياً. تحدث عن حبٍ أبدي، عن بناء مستقبلٍ مشرق، عن رغبته في الإنجاب. كانت كلماته تشبه السمّ المدسوس في كأسٍ من العسل. كل جملةٍ يقولها، كانت تثير في داخلها شعوراً بالاشمئزاز والنفور. كانت ترى أمامه الآن صورةً أخرى لفارس، صورةٌ متناقضةٌ مع ما كانت تعتقده.

"أروى، هل أنتِ بخير؟" سأل بصوتٍ فيه شيءٌ من القلق. "تبدين شاردة الذهن مؤخراً." تظاهرت بالابتسام. "نعم، أنا بخير. ربما أنا متعبةٌ فقط." "أشعر بأن شيئاً ما يزعجك. هل هناك ما يمكنني فعله؟" سأل، وعيناه تراقبان رد فعلها بدقة. كانت لحظةٌ حاسمة. هل تقول له الحقيقة؟ هل تواجهه بأسراره؟ ارتجفت أطراف أصابعها، وشعرت وكأنها تقف على حافة هاوية. "فارس..." بدأت ببطء، محاولةً أن تضبط صوتها. "أنا... أنا أشعر بأن هناك أشياءً لا أعرفها عنك." تجمد فارس للحظة، ثم استعاد رباطة جأشه. "ماذا تقصدين؟" "أقصد... أنني أحياناً أشعر بأن هناك جوانب مخفية في حياتك، أشياءٌ لا تشاركها معي." قالت، وهي تشعر بأن صوتها يرتعش. نظر إليها نظرةً سريعة، ثم ابتسم ببرود. "يا أروى، أنا رجلٌ عادي، والجميع لديهم أسرارهم الصغيرة. هذه ليست أشياءً مهمة، ولا تستحق أن تقلقي بشأنها." "لكنني أشعر بأن هذه الأشياء مهمة. وأنا بحاجةٍ إلى أن أعرف." قالت، وعيناها تلتقيان بعينيه، محاولةً أن ترى ما وراء الستار.

هنا، تغير وجه فارس. اختفت ابتسامته الباردة، وحلت محلها نظرةٌ حادة، وكأنها نظرة الصياد الذي كشف فريسته. "أروى، أنا لا أحب هذه الأسئلة." قال بصوتٍ فيه تهديدٌ مبطّن. "من الأفضل لكِ أن تركزي على حياتنا، وعلى مستقبلنا، بدلاً من البحث عن أشياءٍ لا تعنيكِ." شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها. كانت تعلم أن هذا الرجل لا يمكن الوثوق به، وأنه قد يكون خطيراً. "لكنني أحتاج إلى الصدق، فارس. لا يمكن لعلاقتنا أن تستمر على أساسٍ من الأكاذيب." قالت، وهي تشعر بأن قوتها الداخلية بدأت تتلاشى. ضحك ضحكةً قصيرة، خاليةً من أي معنى. "أكاذيب؟ أنا لم أكذب عليكِ. أنتِ فقط تخافين من المستقبل، وهذا طبيعي." "ليس الخوف من المستقبل هو ما يزعجني، بل الخوف من ماضيك، ومن حاضرك الذي تخفيه عني." قالت، وعيناها تفيضان بالدموع.

في تلك اللحظة، شعر فارس بأن الأمر يخرج عن سيطرته. نهض من مكانه، وبدأ يمشي ذهاباً وإياباً في الغرفة. "إذا كنتِ تشكين فيّ، فربما هذه العلاقة ليست مناسبة لكِ." قال فجأة، بنبرةٍ قاسية. ارتعشت أروى. هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟ هل سيستخدم هذا كوسيلةٍ للضغط عليها؟ "أنا لا أشّك فيك، فارس. أنا فقط أريد الحقيقة." قالت، وهي تشعر بأن جسدها يرتجف. "الحقيقة هي أنني أريد بناء حياةٍ معكِ، وأنتِ تضعين العراقيل أمامي." قال، وتوقف أمامها. "إذا كنتِ لا تثقين بي، فلا داعي للاستمرار."

كان كلامه كالصاعقة. لم تكن تتوقع أن يستخدم هذا التكتيك. شعرت بأنها محاصرة، لا تعرف ماذا تفعل. هل تصدق كلامه؟ هل تتركه؟ أم تواجهه بكل ما تعرفه؟

في تلك الليلة، لم تنم أروى. كانت تفكر في كل كلمةٍ قالها فارس، وفي كل نظرةٍ ألقاها. أدركت أن هذا الرجل لا يحبها، بل ربما يحاول استغلالها. أدركت أن حبها له كان أعمى، وأنها سمحت له بالتلاعب بمشاعرها.

وفي صباح اليوم التالي، وبينما كانت أروى تستعد للخروج، تلقت رسالةً نصيةً على هاتفها. الرسالة كانت من رقمٍ مجهول. قرأت الرسالة، فشعرت بالصدمة. كانت الرسالة تحتوي على معلوماتٍ جديدة، معلوماتٍ تكشف عن تورط فارس في أعمالٍ غير قانونية، وعن علاقاته بمجرمين. كانت الرسالة تتضمن تهديداً مبطناً، بأنها إذا حاولت كشف أمره، فسيكون مصيرها سيئاً.

شعرت أروى بأنها في مأزقٍ حقيقي. أدركت أن فارس ليس مجرد رجلٍ خائن، بل هو رجلٌ خطير، رجلٌ متورطٌ في أعمالٍ إجرامية. لم تعد هذه مجرد مشكلةٌ عاطفية، بل أصبحت مشكلةٌ تتعلق بسلامتها الشخصية.

كانت تقف في صالة المنزل، وقلبها يخفق بعنف. لم تعد تعرف من تثق به، ولا إلى أين تذهب. شعرت بأنها وحدها في مواجهة هذا العالم المظلم. لكن في وسط كل هذا الخوف، كانت هناك شرارةٌ صغيرة من الشجاعة تتوقد بداخلها. شرارةٌ تدفعها إلى مواجهة هذا الخطر، واستعادة حياتها، مهما كان الثمن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%