الحب الصادق الجزء الثاني

مواجهةٌ مع الذات

بقلم مريم الحسن

بدأت أروى ونور في نسج خيوط البحث، متسللتين إلى عالم فارس الغامض بحذرٍ شديد. لم يكن الأمر سهلاً، فالشكوك كانت تغلغل في كل زاوية، والأسرار كانت تتوارى خلف جدرانٍ صماء. قررتا البدء بجمع أدلةٍ قوية، تخدمهما في أي مواجهةٍ مستقبلية، أو في حالة الاضطرار للجوء إلى مساعدةٍ خارجية.

في البداية، ركزتا على التحقق من المعلومات الواردة في الرسالة المجهولة. بدأت نور، بفضل علاقاتها الواسعة في مجال الأعمال، في البحث عن أي معلوماتٍ متعلقةٍ بشركاتٍ مشبوهة، أو معاملاتٍ ماليةٍ غير قانونية قد يكون فارس متورطاً فيها. كانت العملية تتطلب جهداً كبيراً، والكثير من الصبر، لأن فارس، بطبيعته المراوغ، كان قد غطى آثاره جيداً.

في غضون ذلك، بدأت أروى في مراقبة فارس بشكلٍ أكثر تركيزاً. لم تعد مجرد مراقبةٍ عاطفية، بل مراقبةٌ تحليلية. كانت تسجل أوقات خروجه ودخوله، الأشخاص الذين يلتقي بهم، وأي مكالماتٍ تبدو مشبوهة. كانت تشعر أحياناً بالذنب لتجسسها، لكنها كانت تذكر نفسها بأن سلامتها، وربما سلامة الآخرين، قد تعتمد على ما تكتشفه.

وفي أحد الأيام، وبعد عودته من إحدى الرحلات المفاجئة، وجد فارس أروى في صالة المنزل. كان يبدو متعباً، لكن عينيه كانتا تحملان بريقاً مألوفاً من التوتر. "أين كنتِ؟" سأل بنبرةٍ حادة، وكأنه يتهمها. "كنت في المنزل، يا فارس." أجابت أروى بهدوء، وهي تحاول إخفاء ارتباكها. "هل أنت بخير؟ تبدو متعباً." اقترب فارس منها، ونظر في عينيها بتمعن. "أروى، هل تخفين عني شيئاً؟" تجمدت أروى للحظة. كان سؤاله مفاجئاً، لكنه لم يكن مفاجئاً بالقدر الذي كانت تخشاه. "ماذا أخفي عنك يا فارس؟" سألت، محاولةً أن تبدو طبيعية. "لا أعرف. ولكن أشعر بأنكِ تتصرفين بغرابةٍ منذ فترة." قال، ثم جلس على الأريكة، وأخذ يفرك صدغيه. "أنا... أنا تحت ضغطٍ كبير هذه الأيام." "ما هو هذا الضغط؟" سألت أروى، وهي تجلس بجانبه، وبدأت تشعر بأن الفرصة قد تكون سانحةً لمواجهته، ولو بشكلٍ جزئي. "هل يتعلق الأمر بعملك؟" تردد فارس قبل أن يجيب. "نعم. بعض الصفقات المعقدة. بعض الأشخاص الصعبين." "هل هم الأشخاص الذين سمعتُك تتحدث إليهم على الهاتف؟" سألت أروى، بجرأةٍ مفاجئة. تغير وجه فارس. اختفى التعب، وحلت محله نظرةٌ حادة، فيها مزيجٌ من المفاجأة والغضب. "ماذا تسمعين؟" سأل بنبرةٍ تحذيرية. "أسمع ما لا يجب أن أسمعه، يا فارس. وأرى ما لا يجب أن أراه." قالت أروى، وهي تشعر بأن قلبها يدق بعنف، لكنها كانت مصرةً على المواجهة. "أرى أنك تخفي عني الكثير. وأرى أن هناك أموراً لا أقبل بها."

كانت لحظةً مشحونةً بالتوتر. نظر إليها فارس ببرود، ثم قال: "إذا كنتِ لا تثقين بي، ولا ترغبين في البقاء معي، فربما يجب أن ننهي الأمر." كانت كلماته كالصقيع الذي يلسع روحها. شعرت بأنها على وشك الانهيار، لكنها تذكرت ما قالته نور: "أنتِ لستِ وحدكِ." "لن أنهي الأمر بهذه السهولة يا فارس." قالت أروى، بنبرةٍ قويةٍ ومختلفة. "لن أنهي الأمر قبل أن أعرف الحقيقة كاملةً. والحقيقة ليست مجرد ثقة، بل هي الصدق والنزاهة." "وماذا تعنين بالحقيقة؟" سأل، وهو ينهض من مكانه، ويبدأ في التجول في الغرفة. "أعني الصور التي وجدتها، وأعني الرسائل التي تلقيتها، وأعني المكالمات التي تتحدث فيها عن أشخاصٍ لا يريد أحدهم أن يراه الآخر." قالت أروى، بصوتٍ ثابت، بينما كانت عيناها تتابعان تحركاته.

تجمد فارس. لم يتوقع أن تكشف كل شيءٍ دفعةً واحدة. بدا وكأنه فقد السيطرة. "من أعطاكِ هذه المعلومات؟" سأل بصوتٍ خافت، فيه نبرةٌ من الذهول. "هذا لا يهم. المهم هو أنني أعرف. وأنا بحاجةٍ إلى أن أفهم، لماذا فعلت كل هذا؟" سألت أروى.

استمر فارس في التجول، وكأنه يبحث عن مخرجٍ لنفسه. صمته كان أبلغ من أي كلام. كان صمتاً مليئاً بالذنب، وبالخجل، وبالخوف. "أنا... أنا مررت بظروفٍ صعبة." قال أخيراً، بنبرةٍ متعبة. "كنت مضطراً لفعل بعض الأشياء. ولكنني لم أرد أن أخبركِ. لم أرد أن أخيفكِ." "ولكنك أخفتني." قالت أروى. "أخفتني بأفعالك، وبأكاذيبك." "أروى، أنا..." بدأ، ثم توقف، وكأن الكلمات تخونه.

في هذه اللحظة، شعرت أروى بأنها قد وصلت إلى مفترق طرقٍ حاسم. لم يعد الأمر متعلقاً بحبٍ أو بخيانة، بل بشخصٍ يدعي الحب، ولكنه غارقٌ في الظلام. أدركت أن قوة حبها لا يجب أن تكون سبباً في تدمير نفسها.

"فارس، إذا كنتَ حقاً تحبني، فستسعى لإصلاح نفسك. ستتوقف عن هذه الأفعال، وستبحث عن طريقٍ للحلال." قالت أروى، بنبرةٍ مليئةٍ بالأمل، لكنها كانت تعلم أن هذا الأمل قد يكون واهياً. "أنا بحاجةٍ إلى أن أرى تغيراً حقيقياً، وليس مجرد وعودٍ زائفة."

وقف فارس أمامها، وعيناه مليئتان بمزيجٍ من الأسى والندم، لكن أروى لم تستطع أن تقرأ ما وراء هذه النظرة. هل كانت صادقة؟ أم مجرد تمثيلٍ آخر؟ كانت تعلم أنها بحاجةٍ إلى وقت، وإلى مساحة، لتعيد ترتيب أفكارها، ولتقرر ما هو الأفضل لمستقبلها، ولمستقبلها الروحي. بدأت تدرك أن الحب الحقيقي، الحب الحلال، لا يقوم على الأسرار والخداع، بل على الشفافية، والصدق، والتقوى. وهذه هي القيمة التي بدأت تدافع عنها بشدة، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن كل ما بنته مع فارس.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%