ابتسامتك حياتي
سحابة فرح في سماءٍ رمادية
بقلم سارة العمري
كانت الشمس قد أوشكت على المغيب، تلقي بآخر أشعتها الذهبية على واجهة قصر الحمراء الأشم، فتصبغ جدرانه العتيقة بلونٍ نادرٍ، مزيجٍ بين الحمرة والخُضرة، كأن التاريخ نفسه يتنفس الألق. لكن هذه اللوحة البديعة لم تجد صداها في نفس "نور"، ففي عينيها كانت الألوان باهتة، والسماء رماديةٌ كالح. وقفت على شرفة جناحها، تتأمل الأفق بعيداً، وكأنها تبحث عن شيءٍ لا يمكن للبصر أن يدركه. لم تكن تبحث عن وجهٍ غائب، أو ذكرىٍ محفورةٍ في صخر، بل كانت تبحث عن معنى، عن سببٍ يجعل هذه الحياة، بكل ما فيها من زخرفٍ وبهجةٍ ظاهرية، تفتقر إلى جوهرٍ حقيقيٍ يمنحها دفئها.
كانت "نور" في مقتبل العمر، لكن هموماً بدت أثقل من سنواتها قد نسجت حول روحها قناعاً من جديةٍ ربما لم تعتدها فتيات جيلها. كانت جميلةً، نعم، بجمالٍ عربيٍ أصيلٍ، تزينه عيونٌ واسعةٌ كليلٍ حالكٍ، وشعرٌ أسودٌ كأجنحة الغربان إذا انقضت. لكن جمالها لم يكن سلواها، بل كان أحياناً عبئاً، يجذب إليها الأنظار التي قد لا تفهم خبايا روحها، ولا تدرك عمق الصمت الذي يسكنها.
سمعت صوت خطواتٍ خفيفةٍ تقترب، فتنهدت ثم استدارت، وقد ارتسم على وجهها ابتسامةٌ اضطراريةٌ، بالكاد تخفي زفرةً تكاد تخنقها. كانت "أمينة"، مربيتها ورفيقة دربها منذ نعومة أظفارها، امرأةٌ عجوزٌ، نالت من الحياة ما يكفي لتبصر الأمور بعينٍ حكيمة، ونالت من حب "نور" ما يكفي لتقرأ أفكارها قبل أن تنطق بها.
"ما الذي يشغل بال مولاتنا؟" قالت "أمينة" بصوتٍ هادئٍ، وهي تتقدم بحذرٍ، تحمل في يديها صينيةً صغيرةً عليها فنجانٌ من القهوة العربية الأصيلة، تفوح منها رائحةٌ زكيةٌ تذكر بالبيت والأهل.
نظرت "نور" إلى الفنجان، ثم إلى وجه "أمينة" المليء بالحنان، وقالت بصوتٍ خافتٍ: "لا شيء، يا أمينة. مجرد أفكارٍ عابرة."
"الأفكار العابرة غالباً ما تكون رسائلٌ من القلب، وليست مجرد رياحٍ تمر." ردت "أمينة" وهي تضع الصينية على طاولةٍ صغيرةٍ قريبة. "أرى في عينيكِ شيئاً يثقل كاهلكِ. هل هو قرارٌ ما؟ أم خبرٌ أزعجكِ؟"
جلست "نور" على كرسيٍ فاخرٍ، واحتست رشفةً من القهوة، ثم قالت: "المسألة أكبر من قرارٍ أو خبرٍ، يا أمينة. إنها مسألةُ مستقبلٍ، ومسألةُ رغباتٍ، ومسألةُ ما أراه في هذا القصر الكبير، ولا أجده في داخلي."
"أتحدثين عن الزواج؟" سألت "أمينة" بلهجةٍ لا تخلو من الفضول، ولكنها كانت أيضاً مليئةً بالترقب، فهي تعلم مدى حرص والدي "نور" على تزويجها من رجلٍ صالحٍ، ذي نسبٍ وشرفٍ.
"الزواج." كررت "نور" الكلمة وكأنها تستطعم مرارتها. "الجميع يرى فيه نهايةً، نهايةً لمرحلةٍ، وبدايةً لمرحلةٍ أخرى. لكنني أراه مجرد فصلٍ آخر في كتابٍ لم أجد بعد عنوانه. كل ما أراه هو مجرد أساليبٍ لا تتغير، ووعودٍ كأنها نسجت من بخارٍ سرعان ما يتلاشى."
"يا ابنتي، الزواج ليس نهايةً، بل هو بدايةٌ لحياةٍ جديدةٍ، تشاركين فيها نصفك الآخر، وتبنين معه أسرةً، وتخلقين مستقبلاً." قالت "أمينة" بحكمةٍ، ثم وضعت يدها على يد "نور" بلطف. "والرجال الصالحون موجودون، لكنهم قد لا يظهرون في الأماكن التي تبحثين فيها."
"أين أبحث يا أمينة؟" سألت "نور" بلهجةٍ فيها شيءٌ من اليأس. "في هذه الحفلات الرسمية التي يتبادل فيها الناس المجاملات الفارغة، ويقدمون فيها أطنانٌ من الوعود الزائفة؟ أم في المجالس التي يتبارى فيها الرجال في سرد مآثرهم، وكأنهم قد حسموا أمر الدنيا بأسره؟"
تنهدت "أمينة" وقالت: "قلبكِ يا ابنتي هو دليلكِ، إن استرشدتِ به. ابحثي عن الرجل الذي يرى فيكِ ما لا يراه الآخرون، الذي يمنحكِ الأمان، ويسكنكِ الروح، والذي يجعل لكِ ابتسامةٌ صادقةٌ كابتسامتكِ التي تخفينها."
"ابتسامتي؟" هزت "نور" رأسها بخفة. "ابتسامتي أصبحت عملاً نادراً، لا أمنحها إلا لمن يستحقها حقاً. وأخشى أنني لن أجد هذا الشخص."
كانت "نور" قد رأت الكثير من الزيجات التي بدأت ببريقٍ خادعٍ، وانتهت بصدىٍ أجوف. والدها، السيد "خالد"، رجل الأعمال الشهير، كانت حياته مليئةً بالرحلات والاجتماعات، ووالدتها، السيدة "ليلى"، كانت منغمسةً في عالم الموضة والأزياء، ولم يكن لديهما وقتٌ كافٍ ليمنحا ابنتهما الحب الذي تحتاجه، سوى من خلال توفير كل ما تطلبه من رفاهيةٍ مادية.
في تلك اللحظة، سمعت "نور" صوت جرس الباب، ثم صوت الخدم وهم يرحبون بالضيوف. عرفت أن والدها قد دعا بعض رجال الأعمال لعشاءٍ، وكالعادة، سيكون حضورها واجباً، وإن كان حضوراً بلا روح.
"لقد حان وقت اللقاء، يا أمينة." قالت "نور" وهي تقف، وتعدل من ثوبها الأنيق، الذي اختارته لها والدتها بعنايةٍ فائقة. "أتمنى أن يأتي اليوم الذي أجد فيه سبباً لابتسامةٍ لا تخفي خلفها شيئاً."
ذهبت "نور" إلى قاعة الاستقبال، حيث كان والدها يستقبل ضيوفه. كان الجو مليئاً بالضجيج، والأحاديث تتداخل، والعطور تتنافس. بدت "نور" كأميرةٍ خرجت من قصةٍ خيالية، لكن عينيها ظلتا تحملان ذلك القدر من الحزن الذي أرهق روحها.
من بين الحضور، لفت انتباهها رجلٌ شابٌ، كان يقف بعيداً عن المجموعة الرئيسية، يتحدث بهدوءٍ إلى أحدهم. كان يبدو مختلفاً عن الآخرين. لم يكن يرتدي البذلة الفاخرة كالبقية، بل كان يرتدي قميصاً بسيطاً وبنطالاً أنيقاً. كان شعره مصففاً بعنايةٍ، وعيناه تلمعان بذكاءٍ وفطنة. لم تكن "نور" تعرفه، لكنها شعرت بجاذبيةٍ غريبةٍ تجاهه، كأنها رأت في عينيه شيئاً لم تره في عيون الآخرين.
ابتعدت "نور" عن والديها، وتوجهت نحو ذلك الرجل، وكأنها تسير نحو قدرٍ لا مفر منه. ومع كل خطوةٍ، كان قلبها يخفق بقوةٍ أكبر، وكأنها على وشك اكتشاف سرٍ طالما بحثت عنه.