ابتسامتك حياتي
همسات الماضي تعود لتطارد الحاضر
بقلم سارة العمري
في بيت الجدة "أمينة"، كانت الأجواء لا تزال تعمها السكينة والصفاء، لكن شيئاً غامضاً بدأ يتسلل إلى حياة "لمياء". لم يكن مجرد قلق داخلي، بل كانت هناك علامات خارجية تشير إلى أن ماضي "فراس" لم يزل يحمل في طياته أسراراً.
في أحد الأيام، بينما كانت "لمياء" في زيارة لبيت خالها "سالم" لتهنئته بنجاح ابنه في امتحاناته، ألقتها الصدفة أمام "ريم"، ابنة عم "فراس" البعيدة. كانت "ريم" فتاة في مثل سن "لمياء"، لكنها كانت تتمتع بجرأة واندفاع لم تكن "لمياء" تملكها. كانت "ريم" قد اعتادت على رؤية "فراس" في المناسبات العائلية، وكانت تحمل تجاهه مشاعر إعجاب عميقة، لم يدركها "فراس" قط.
في البداية، كان لقاؤهما ودياً. تبادلتا الأحاديث العامة، وسألت "ريم" عن حال "فراس" بلهفة واضحة، وهو ما لم تمر ملاحظته على "لمياء". شعرت "لمياء" بوخزة غريبة في قلبها، شعور لم تعتده.
بعد أن انصرفت "لمياء"، جلست "ريم" مع والدتها "بهية"، وهي إحدى أخوات والده "فراس" الكبرى. بدأت "بهية" تتحدث بحذر، وكأنها تحاول استدراج "ريم" لقول ما في صدرها. "يا ابنتي، أرى أنك معجبة بفراس. إنه شاب وسيم وطيب، لكنه في طريقه للزواج من ابنة عمته لمياء. هل تعرفين شيئاً عنه؟"
نظرت "ريم" إلى والدتها بعينين متسائلتين، ثم قالت بلهجة فيها إحباط: "أعرف أنه سيتقدم لخطبة لمياء. لكن هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ هل سمعتِ شيئاً عن ماضيه؟"
ترددت "بهية" قليلاً، ثم قالت بصوت منخفض: "لقد سمعت همسات... همسات عن علاقة قديمة كانت له في فترة الجامعة. علاقة لم تستمر، لكنها كانت قوية. البعض يقول إن الفتاة كانت متعلقة به كثيراً، وأنها تعرضت لأزمة نفسية بعد انفصالهما."
ابتلعت "ريم" ريقها بصعوبة. كانت هذه المعلومات بمثابة هدية لمن يريد أن يكشف أسرار "فراس". شعرت بأن هناك فرصة لإحداث تغيير في مسار الأحداث.
في اليوم التالي، استغلت "ريم" فرصة لقائها بـ "لمياء" مرة أخرى، هذه المرة في السوق، حيث كانت "لمياء" تتسوق بصحبة والدتها. اقتربت "ريم" بابتسامة مصطنعة، وبدأت تتحدث مع "لمياء" عن "فراس".
"لقد سمعت أن فراس سيخطبك؟" سألت "ريم" بنبرة فيها مزيج من التعجب والسخرية. "أتمنى لك التوفيق يا لمياء. إنه شاب جيد، لكنه يحمل في قلبه أشباحاً من الماضي."
نظرت "لمياء" إلى "ريم" بارتياب. "ماذا تقصدين بأشباح الماضي؟"
"فقط... هناك قصة قديمة،" قالت "ريم" وهي تتظاهر بالتردد. "قصة حب قوية كانت تربطه بفتاة قبل أن يلتقي بك. يبدو أنه كان متعلقاً بها جداً، وأن فراقهما لم يكن سهلاً. لا أدري ما إذا كان قد تجاوز هذه القصة حقاً أم لا."
شعرت "لمياء" بأن الأرض تميد بها. عادت الشكوك التي كادت أن تتلاشى لتعصف بقلبها مرة أخرى، بل هذه المرة بشكل أقوى وأشد فتكاً. لم تكن الشكوك مجرد همسات من خالتها، بل كانت الآن قادمة من شخص يعرف "فراس" عائلياً.
عادت "لمياء" إلى المنزل وقلبها يعتصر ألماً. لم تستطع أن تتحدث مع والدتها، خشية أن تثير قلقها، أو أن تبدو ضعيفة. قررت أن تواجه "فراس" بهذا الأمر.
في لقائهما التالي، كانت "لمياء" شاحبة الوجه، وعيناها تحملان بريقاً من الحزن. لم تستطع أن تخفي ما تشعر به.
"فراس،" قالت بصوت مرتعش، "هل كان لديك علاقة حب قوية في الجامعة؟ فتاة كنت متعلقاً بها كثيراً؟"
نظر "فراس" إلى "لمياء" بدهشة. لم يتوقع هذا السؤال. تردد قليلاً، ثم قال بصراحة: "نعم يا لمياء، كانت هناك فتاة. كانت علاقة صداقة قوية تحولت إلى إعجاب. لكنها لم تكن حباً بالمعنى العميق الذي قد تتخيلينه. انتهت العلاقة لأسباب كثيرة، ولم أندم على انتهائها."
"لكن البعض يقول إنك كنت متعلقاً بها كثيراً، وأن فراقكما كان مؤلماً لها."
تنهد "فراس" بعمق. "ربما كانت متعلقة بي أكثر مما كنت متعلقاً بها. لم أرغب في إيذائها، لكننا كنا في مرحلة عمرية كنا نتعلم فيها كيف نبني علاقاتنا. لقد تعلمت من هذه التجربة، وتجاوزتها. لم تعد تشغل بالي بأي شكل من الأشكال."
"ولماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟" سألت "لمياء" وعيناها مليئتان بالدموع. "هل كنت تخفيني هذا الأمر؟"
"لم يكن هناك سبب لأخبرك بذلك يا لمياء،" أجاب "فراس" بهدوء. "لم أكن أرى أهمية لذكر ماضٍ انتهى. كنت أركز على حاضرنا ومستقبلنا. وهل تعتقدين أنني كنت سأبدأ بناء علاقة معك، أو أتقدم لخطبتك، لو كانت هذه العلاقة القديمة لا تزال تؤثر علي؟"
نظرت "لمياء" إلى "فراس" محاولة قراءة صدقه في عينيه. شعرت بصدق كلماته، لكن آثار ما سمعته من "ريم" ومن كلام والديها المبطن لم تكن قد تلاشت تماماً.
في هذه الأثناء، كانت "ريم" تستغل كل فرصة لتتحدث مع "لمياء" أو مع أي شخص قد يبلغ "فراس" عن اهتمامها به. كانت ترسل له رسائل عابرة، تتظاهر بالسؤال عن أحواله، لكنها كانت تحمل في طياتها رسائل أعمق.
"فراس،" كتبت له ذات مرة، "أتمنى أن تكون بخير. تذكرت أيام الجامعة، وكيف كنا نجلس في المكتبة لساعات. لو كنت أعرف أنك ستبتعد كل هذا البعد، ربما ما سمحت للصداقة أن تتحول إلى شيء آخر."
وصلت الرسالة إلى "فراس" بينما كان منهمكاً في مساعدة "أحمد" في البحث عن فرصة عمل جديدة. شعر بالضيق من هذه الرسائل التي بدأت تظهر من العدم، وتشوش على صفاء علاقته بـ "لمياء".
قال لـ "أحمد" وهو ينظر إلى هاتفه: "هذه "ريم"، ابنة عمي. بدأت تتواصل معي بشكل غريب. لا أدري ما الذي يدور في رأسها."
"ربما هي معجبة بك يا فراس،" قال "أحمد" بابتسامة. "من منا لم يواجه مثل هذه المواقف؟ فقط كن واضحاً معها، ولا تدعها تتجاوز حدودها."
"هذا ما أحاول فعله،" قال "فراس" وهو يغلق هاتفه. "لكنني قلق على "لمياء". أخشى أن تؤثر هذه الأمور عليها."
بالفعل، كانت "لمياء" تتأثر. كانت ترى في تواصل "ريم" المستمر مع "فراس" تهديداً صامتاً. بدأت تتذكر كلمات خالتها "سعاد"، وبدأت تشعر بأن هناك من يحاول التسلل إلى حياتها.
"فراس،" قالت له في لقائهما التالي، "لماذا تتحدث "ريم" معك كثيراً؟ هل هي علاقة صداقة قوية؟"
"يا لمياء،" قال "فراس" وهو يمسك بيديها بحنان. "لقد قلت لكِ، هي ابنة عمي. تواصلنا قليل جداً، وهي بدأت ترسل لي رسائل مؤخراً. أنا لا أرد عليها إلا بالحد الأدنى، ولا أهتم بتفاصيل ما تقوله. كل اهتمامي لكِ أنتِ."
"لكنها تحاول إقناعني بأن هناك شيئاً بينكما،" قالت "لمياء" وهي تخفي نظرة من الحزن.
"لا تصدقي أي شيء تسمعينه يا لمياء،" قال "فراس" بحزم. "هذه مجرد محاولات لخلق الشكوك. نحن نعرف ما بيننا، ونحن نبني علاقة على أسس سليمة. لا تدعي همسات الماضي، ولا رسائل الحاضر المريبة، تعكر صفاء حبنا."
لكن رغم طمأنة "فراس"، بقيت "لمياء" تشعر بشيء من القلق. كانت تدرك أن هناك من يريد أن ينشر الشكوك في حياتها، وأنها بحاجة إلى قوة إيمان أكبر لكي تتجاوز هذه المحن.
في تلك الليلة، وبينما كانت "لمياء" تقلب صفحات كتاب كانت قد استعارته من مكتبة الجدة، سقطت منه ورقة قديمة. كانت ورقة رسالة بخط يد الجدة "أمينة"، كتبتها وهي في شبابها. كانت الرسالة موجهة إلى جدها "عبد الرحمن"، وتقول فيها: "يا نور عيني، إن كانت الحياة قد ألقت بنا في دروب مختلفة، فلا تدع الدنيا تفرق بين قلبين جمعهما الحب. أبقِ على الشمعة مضاءة، فإنها تنير لنا الطريق حتى في أحلك الليالي."
شعرت "لمياء" بأن هذه الرسالة جاءت في وقتها تماماً. تذكرت أن الحب الحقيقي يتطلب صبراً وجهداً، وأن هناك دائماً من يحاول أن يطفئ شعلته. أخذت تتأمل "فراس" بعينين تلمعان بالأمل، وقررت أن تواجه هذه التحديات بثقة، وأن تحافظ على شعلة حبها مضاءة، حتى في وجه الرياح التي حاولت أن تطفئها.
لكن الغموض الذي أحاط بعلاقة "فراس" القديمة، ورسائل "ريم" المريبة، لم يكونا سوى بداية لصراع أكبر. كانت هناك أسرار أخرى تنتظر أن تنكشف، وأقنعة أخرى تنتظر أن تسقط. كانت "لمياء" على وشك أن تكتشف أن هناك ما هو أعمق من مجرد شابة معجبة، وأن هناك قوى تحاول بشتى الطرق أن تعيق طريقها نحو سعادتها.