ابتسامتك حياتي
قلق الأم وحكمة الجد
بقلم سارة العمري
عادت ليلى إلى منزلها، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، لا علاقة لها بالزعفران الذي تحمله. كانت رائحة جدتها الممزوجة بعبق الخزامى تفوح من أرجاء البيت، تبعث فيها شعورًا بالأمان. لكن فور أن دخلت، وجدت والدتها، "أمينة"، تقف في الصالة، وبدت عليها علامات القلق المعتادة.
"أين كنتِ يا ليلى؟ تأخرتِ كثيرًا. وجدتكِ سألت عنكِ." قالت أمينة بصوت يحمل نبرة من العتاب المخفف.
"كنت في سوق العطارين يا أمي. أبحث عن زعفران لجدتي." أجابت ليلى، وحاولت أن تبدو هادئة.
"سوق العطارين؟ لم تخبريني أنكِ ذاهبة. هل وجدتِ ما أردتِ؟" نظرت أمينة إلى الحقيبة في يد ابنتها، ثم إلى وجهها. كانت أمينة، كأي أم، تراقب ابنتها بتركيز، وتحاول أن تقرأ ما يدور في خلجها.
"نعم، الحمد لله. وجدتُ أفضل أنواع الزعفران." أضافت ليلى، ثم تذكرت الهدية التي اشترتها. "وهذه ليلة أختي." أخرجت اللآلئ الصناعية، وقدمتها لأمها.
"ما هذه؟ جميلة جدًا." امسكت أمينة بالقلادة، وتأملتها. "لكن لماذا لم تخبريني؟"
"أردتُ أن تكون مفاجأة لها." قالت ليلى، وشعرت أن حوارها مع أمها يسير في اتجاه لا تريده. "والآن، دعيني أذهب لأطمئن على جدتي."
صعدت ليلى الدرج، متجنبة أسئلة أمها الزائدة. كانت تعلم أن أمينة تحبها، لكن قلقها أحيانًا يكون مفرطًا، خاصة بعد وفاة والدها قبل سنوات، فقد أصبحت تتشبث بليلى وأختها أكثر.
دخلت ليلى غرفة جدتها، "فاطمة"، لتجدها جالسة على سريرها، وشحوب وجهها يزداد. كانت عيناها، رغم ضعفها، تحملان بريقًا من الود والحكمة.
"يا حبيبتي، تأخرتِ." قالت الجدة فاطمة بصوت واهن. "هل وجدتي ما أردتِ؟"
"نعم يا جدتي. انظري." فتحت ليلى علبة الزعفران، وقدمتها لجدتها.
نظرت الجدة إلى الزعفران، وابتسمت بضعف. "تبارك الرحمن. هذا هو الزعفران الذي ذكرته لي والدتكِ. يبدو أنكِ وجدتِ الجيد."
"نعم، بمساعدة رجل طيب في السوق. اسمه أحمد. كان لطيفًا جدًا." قالت ليلى، وفكرت للحظة في أحمد.
"أحمد؟" رفعت الجدة فاطمة حاجبها بتعجب. "هل تعرفينه؟"
"لا، لم أكن أعرفه. كان لقاءً عابرًا. اصطدمت به، فسقطت بعض الأشياء مني، فساعدني. ثم دلني على هذا الدكان." شرحت ليلى، وشعرت ببعض الارتباك.
"سبحان الله. اللقاءات التي تأتي بلا موعد غالبًا ما تحمل خيرًا." قالت الجدة بحكمة، ثم أضافت: "ولكن كوني حذرة يا ابنتي. هذه الأيام، لا تعرفين نوايا الناس دائمًا."
"نعم يا جدتي، أفهم. لكني شعرت أنه رجل طيب." ردت ليلى، وعينها في عين جدتها.
"القلب الطيب دليل على حسن الخلق، وهذا ما نبحث عنه. لكن الحذر واجب، خاصة لامرأة شابة مثلكِ. لا تجعلي طيبة قلبكِ تغرقكِ في بحر من المخاطر. تذكري كلام والدكِ، كان دائمًا يقول: 'احذري من سيل الكلام المعسول، فهو غالبًا ما يخفي تحته سمًا زعافًا'."
تذكرت ليلى كلام والدها، الذي كان دائمًا يحثها على التفكير بعمق، وعدم الانجراف وراء المشاعر اللحظية. "أعدكِ يا جدتي، سأكون حذرة."
"والآن، دعينا نتحدث عن أمر آخر." قالت الجدة فاطمة، وغيرت الموضوع. "ما أخباركِ مع دراستكِ؟ هل اقترب موعد الامتحانات؟"
"نعم يا جدتي، بعد شهر تقريبًا. أشعر بالتوتر قليلًا."
"لا تخافي. أنتِ طالبة مجتهدة. توكلي على الله، وسييسر لكِ أموركِ. هل تحتاجين شيئًا؟ مساعدة في البحث؟"
"ربما أحتاج منكِ بعض النصائح. أنتِ لديكِ خبرة واسعة في هذه الأمور."
جلست ليلى بجوار جدتها، وبدأت تتحدث معها عن دراستها، وعن أحلامها المستقبلية. كان حديثًا يبعث على الطمأنينة، ويشعرها بأنها ليست وحدها في مواجهة صعوبات الحياة.
في تلك الأثناء، كانت أمينة تراقب من شرفة غرفتها، وترى ابنتها تتحدث مع والدتها. ابتسمت بحزن. كانت تتمنى لو أن ليلى تتزوج قريبًا، لتجد من يحميها ويساندها. لكنها كانت تعرف أن الزواج ليس بالأمر الهين، وأنها تريد لابنتها أفضل زوج.
"يا رب، هب لي لابنتي زوجًا صالحًا، يخافك فيها، ويتقي الله فيها." همست أمينة، واضعة يدها على قلبها.
كانت تتذكر كيف تقدم لخطبتها شاب من عائلة محترمة، شاب كان يتمتع بأخلاق عالية، ويخاف الله. لكنه كان يعيش في بلد بعيد، ولم تستطع ليلى أن تبتعد عن عائلتها. لقد رفضت العرض، وأمينة لم تكن تستطيع أن تجبرها.
"ربما كان ذلك أفضل لها." فكرت أمينة. "أن تجد زوجًا قريبًا، لتبني معه أسرة قوية."
لكنها كانت تعرف أيضًا أن القلوب لا تختار، وأن النصيب يأتي كما يشاء الله.
نهاية الفصل تركت ليلى تشعر بالراحة بعد حديثها مع جدتها، لكنها كانت أيضًا تحمل في قلبها تحذيرًا جديدًا. أما أمينة، فكانت تفكر في مستقبل ابنتها، وتدعو الله أن يختار لها الخير. والزعفران، كان مجرد بداية لشيء أكبر.