الفصل 17 / 25

ابتسامتك حياتي

همس الماضي وصخب الحاضر

بقلم سارة العمري

كانت ليلةً حالكة السواد، لا يكسر صمتها إلا همسات الريح المتسللة عبر نوافذ بيت العمر. جلست فاطمة في غرفتها، وعيناها ترنوان إلى ضوء القمر الشاحب المنعكس على جدران الغرفة. لم تعد مجرد فتاةٍ تنتظر خطيبها، بل أصبحت امرأةً تحمل على عاتقها ثقل أسرارٍ كانت تظنها مدفونةً إلى الأبد.

تسللت الذكريات إليها كشبحٍ مزعج، تعيد شريط حياتها بسرعةٍ محمومة. أيام الطفولة البريئة، ضحكاتها مع أخويها، دفء حضن أمها الذي افتقدته بشدة، ووجه أبيها الوقور الذي كان يمثل لها الأمان المطلق. لكن كل هذه الصور الجميلة كانت تعتريها غشاوةٌ من الألم والخوف، كلما طافت بذهنها الكلمات الأخيرة التي سمعتها من جدتها قبل رحيلها.

"فاطمة يا ابنتي، هناك أمرٌ غامضٌ يحيط بعائلتنا. أمرٌ يتعلق بشرفنا وأمانةٍ حملتها جدتكِ، وجدتكِ حملتها، وأخشى أن تمتد لعنتها إليكِ. لا تدعي أي إنسانٍ يعرف ما سأقوله لكِ الآن، فالحذر واجبٌ، والصدق هو ملاذكِ الأخير."

كانت الجدة قد ألقت هذه الكلمات في أذن فاطمة وهي على فراش الموت، ممسكةً بيدها الصغيرة، وعيناها تخبران قصةً أعمق مما تقوله الشفاه. لم تفهم فاطمة وقتها معنى تلك الكلمات، كانت صغيرةً جدًا، لكن وقعها الغريب ظل محفورًا في ذاكرتها. ومع مرور السنوات، ومع كل محاولةٍ للتساؤل أو الاستفسار، كانت تجد جدارًا صامتًا من التكتم يحيط بكل ما يتعلق بماضي العائلة الغابر، وبخاصةً ماضي والدها قبل زواجه من والدتها.

ثم جاءت رسالةُ عمها الغامضة، تلك الرسالة التي فتحت أبوابًا للجحيم، وكشفت عن وجوهٍ لم تكن تتوقعها. "احذري يا ابنتي، فمن حولكِ قد لا يكونون ما يبدون عليه. هناك من يسعى لخراب بيتكِ، ومن يتربص بكِ وبسمعتكِ."

كانت الرسالةُ بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الشك في قلبها. من هذا العم الذي لم تقابله قط، والذي يظهر فجأةً ليكشف عن هذه التحذيرات؟ ولماذا يخاف على سمعتها وهي على أعتاب زواجٍ مبارك؟

وفي الوقت نفسه، كان قلبها يتألم على أحمد. حبيبها، خطيبها، الرجل الذي رأت فيه تجسيدًا لكل ما تحلم به من صفاتٍ نبيلةٍ وكرمٍ أخلاق. كيف لها أن تشك في نزاهته وهو الذي كان دائمًا مصدر ثقتها وأمانها؟ لكن الشك، إذا بدأ، يتسلل كالحيةٍ سامةٍ تلتف حول العقل والقلب.

تذكرت حديثها الأخير مع عمتها، السيدة أمينة. كانت عمتها دائمًا محتفظةً بنوعٍ من الغموض، لكن هذه المرة، شعرت فاطمة ببرودٍ غريبٍ في نبرتها، وبنظراتٍ كانت تائهاً، وكأنها تخفي شيئًا. "كل شيءٍ سيكون على ما يرام يا فاطمة، لا تقلقي. احمدٌ شابٌ صالحٌ، وسيصونكِ." كانت كلماتها تبدو مطمئنةً، لكن فاطمة لم تشعر إلا بالارتياب.

تذكرت أيضًا لقاءها المفاجئ مع تلك المرأة الغريبة في السوق، المرأة التي بدا على وجهها أثر الزمن، لكن عينيها كانتا تحملان بريقًا غريبًا، بريقًا رأته قبل ذلك في أحلامها. "أنتِ ابنةُ فلان، أليس كذلك؟" قالتها بصوتٍ خفيض، وكأنها تتحدث إلى نفسها. ثم استدارت واختفت بين الزحام. من تكون هذه المرأة؟ وما علاقتها بها؟

في تلك الليلة، لم تستطع فاطمة النوم. استيقظت مبكرًا، قبل بزوغ الفجر، وارتدت ملابسها البسيطة، وتوجهت إلى مكتبة أبيها. كانت تعلم أن هناك شيئًا ما، معلومةً ناقصةً، صورةً غير مكتملة. كان أبوها، رحمه الله، رجلًا يحب التاريخ ويحتفظ بالكثير من الوثائق القديمة. ربما يجد بين أوراقه ما يفسر ما يحدث.

بدأت تقلب في الصناديق القديمة، تتفحص الأوراق الصفراء، تبحث عن أي شيءٍ يثير الشبهات. كانت الروائح القديمة تتصاعد من الأوراق، روائح الأمس، روائح قصصٍ تنتظر أن تُروى. وبين كومةٍ من الأوراق المتعلقة بتجارة أبيها، عثرت على مظروفٍ قديمٍ، مختومٍ بختمٍ غريبٍ لم تعرفه. كان عليه اسم أبيها، لكن لم يكن عليه اسم المرسل.

ارتجفت يداها وهي تفتح المظروف. بداخله ورقةٌ واحدةٌ، مكتوبةٌ بخطٍ عتيقٍ، بدا مألوفًا بطريقةٍ غريبة. بدأت تقرأ، وكلماتٌ صدمتها، وفصلت بين عالمها الهادئ وبين واقعٍ مظلمٍ لم تتخيله قط.

"إلى ابني العزيز، بعد كل هذه السنين. أرجو أن تجد هذه الرسالة طريقها إليك، وأن تمنحك القوة لتغفر لي ما فعلت. لقد تضمنت حياتي خياراتٍ صعبة، أدت إلى تضحياتٍ مؤلمة. اسمي هو…، وقد كنتُ في ما مضى قريبًا جدًا من عائلتك. لكن ظروفًا قاسيةً، وخوفًا من بطش…، جعلني أتوارى عن الأنظار. أما بالنسبة للطفلة…، فإنها ابنتي. لقد تركتها في رعايةٍ آمنةٍ، وأقسمتُ أن أبقى بعيدًا، حفاظًا على حياتها وحياتك. أتمنى من الله أن تكون قد عاشت حياةً كريمة، وأن لا تحمل ذنب أبيها."

توقفت فاطمة عن القراءة، وفمها مفتوحٌ من الصدمة. لم تستطع أن تستوعب ما قرأت. "ابنتي؟" هل كان يعني أبيها؟ هل كان لديها أختٌ سريةٌ؟ ومن هي هذه "ابنتي" التي يتحدث عنها؟

واصلت القراءة، وعيناها تدمعان. كشفت الرسالة عن قصةٍ معقدةٍ عن علاقةٍ سريةٍ سابقةٍ لأبيها، وعن طفلةٍ وُلدت خارج إطار الزواج، تم التخلي عنها خوفًا من عواقبٍ اجتماعيةٍ وخوفًا من شخصٍ قويٍ ونافذٍ في المجتمع. كان ذلك الشخص، حسب ما أشارت إليه الرسالة، متورطًا في أمورٍ مشبوهةٍ، وكان يكره أي شيءٍ يمس سمعة العائلات الرفيعة.

ثم جاءت الفقرة التي أذهلتها حقًا. "وعليك يا ابني، أن تعلم أن هذه الفضيحة، وإن كانت مدفونةً، فإنها تكمن كالقنبلة الموقوتة. فهناك من يعرف سرها، ومن قد يستغلها لشقاقٍ عائليٍ أو ابتزازٍ. أطلب منك، يا ولدي، أن تحمي شقيقتك، وأن لا تدع هذه الحقيقة تخرج إلى العلن إلا إذا اضطررت لذلك، ولمصلحةٍ أكبر. فاحذر ممن يظهرون اللطف، فبعضهم يطمع في مالٍ أو مكانة، وبعضهم يسعى للانتقام."

أغمضت فاطمة عينيها، وكأنها تحاول أن تبعد هذه الحقيقة المرعبة. هل كانت هذه الرسالة موجهةً إلى أبيها؟ هل كان لأبيها سرٌ بهذا القدر من الخطورة؟ ومن هي "الشقيقة" التي يتحدث عنها؟

فجأةً، تذكرت شيئًا. لقاءها الأول مع جدتها. قبل أن تمرض جدتها، كانت فاطمة تسمعها تتحدث همسًا مع جدتها الأخرى، أم والدتها. كانت الجدة تقول شيئًا عن "أمانةٍ" وعن "أختٍ ضائعةٍ". وقتها، لم تفهم شيئًا. هل كانت هذه الأمانة هي سر هذه الطفلة؟

ثم طافت بذهنها صورةُ عمتها، السيدة أمينة. هل كانت عمتها تعرف شيئًا عن هذا الأمر؟ ولماذا بدت تلك النظرة الغريبة في عينها؟ هل كانت تخاف عليها، أم تخاف من شيءٍ آخر؟

والآن، رسالة عمها الغامضة. "احذري يا ابنتي، فمن حولكِ قد لا يكونون ما يبدون عليه. هناك من يسعى لخراب بيتكِ..." هل كان هذا العم يقصد هذا السر؟ هل كان يعلم بوجود أختٍ سريةٍ لأبيها، وأن هذه الحقيقة قد تكون سببًا في تدمير زواجها؟

وقلبها يؤلمها على أحمد. هل كان له دخلٌ في كل هذا؟ هل كان يعلم شيئًا؟ لماذا اختفى فجأةً في الأيام الأخيرة؟ هل كان يبحث عن إجاباتٍ هو الآخر؟ أم كان يهرب من مواجهةٍ قادمة؟

نهضت فاطمة من مكانها، وشعرت بالدوار. العالم الذي كانت تعيش فيه، عالم الحب البريء والخطوبة السعيدة، بدأ ينهار من حولها. أصبحت محاصرةً بين ماضي غامضٍ وحاضرٍ مضطربٍ.

نظرت إلى صورة أبيها وأمها المعلقة على الحائط. وجه أبيها الهادئ، ووجه أمها المشرق. كيف يمكن أن يحمل أبوها كل هذا السر؟ وكيف يمكن لأمها أن تعيش حياتها دون أن تعلم؟

ارتدت وشاحها، وقررت أن تخرج. لا يمكنها أن تبقى حبيسة جدران الخوف والشك. عليها أن تبحث عن الحقيقة، حتى لو كانت مريرةً. عليها أن تواجه هذا الغموض الذي يحيط بها.

فتحت باب الغرفة، وأخذت نفسًا عميقًا. كان الهواء باردًا، لكنه منعش. همست لنفسها: "لن أستسلم. سأجد الحقيقة، وسأحمي نفسي، وسأحمي من أحب."

كانت تلك الليلة نقطة تحولٍ في حياة فاطمة. نقطةٌ لم يكن بعدها رجوع. بدأت رحلتها نحو كشف الأسرار، رحلةٌ قد تغير كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%