ابتسامتك حياتي
مواجهة الحقيقة وغموض الأسباب
بقلم سارة العمري
تسمرت فاطمة في مكانها، كأنها تمثالٌ من شمعٍ. صوت أحمد، الذي كان دائمًا يبعث الطمأنينة في قلبها، جاء هذه المرة كضربةٍ مفاجئةٍ، كاشفًا عن هشاشة العالم الذي بنته حول نفسها. ارتجف جسدها، وارتدت السيدة نورة، ببطءٍ، إلى داخل الصندوق. لم تكن مستعدةً لمواجهة أحمد بهذه الهشاشة، وهي تحمل أسرارًا بدأت تتكشف كخيوطٍ من ذهبٍ ممزوجٍ بالظلام.
"أحمد؟" تمتمت بصوتٍ خافتٍ، بالكاد مسموع. "نعم، أنا هنا."
توجهت بخطواتٍ مترددةٍ نحو الباب، وضعت يدها على مقبض الباب، تتنفس بعمقٍ، محاولةً لملمة شتات نفسها. أخذت تفكر: هل يجب أن تخبره بما اكتشفته؟ هل سيفهم؟ أم سيزيد الأمر سوءًا؟
فتحت الباب ببطءٍ. كان أحمد واقفًا على العتبة، يبدو عليه القلق الشديد. عيناه تبحثان عنها، وبدت وكأنها تحملان نظرةً غريبةً، خليطًا من الارتياح والخوف.
"فاطمة، لقد كنت قلقًا جدًا عليكِ. لم تجيبيني على هاتفي، وعندما جئت إلى هنا، وجدتكِ غير موجودة. هل أنتِ بخير؟"
اقترب منها، ومد يده ليلمس وجهها، لكنها تراجعت خطوةً إلى الوراء، بشكلٍ لا إرادي. لاحظ أحمد ارتباكها، وتغيرت ملامحه.
"ما الأمر يا فاطمة؟ هل حدث شيءٌ؟" سأل بصوتٍ هادئٍ، لكنه كان مليئًا بالترقب.
نظرت فاطمة في عينيه. كانت تبحث عن أي أثرٍ للكذب أو الخداع، لكنها لم تجد سوى قلقٍ حقيقيٍ. ومع ذلك، لم تستطع أن تقرر ما إذا كانت ستخبره بكل شيءٍ.
"أنا بخير يا أحمد. فقط... كنتُ أفكر." قالت، وحاولت أن تبتسم، لكن ابتسامتها كانت باهتةً.
"تفكير؟ في هذا الوقت المتأخر؟" سأل، وأومأ برأسه نحو الصندوق الخشبي الذي كانت تضمه. "ماذا وجدتِ؟"
ترددت فاطمة. بدا وكأن كل شيءٍ يؤدي إلى هذا الصندوق، وإلى هذه الأسرار. شعرت بأنه لا يمكنها أن تخفي عنه شيئًا بعد الآن. لقد وصل الأمر إلى نقطةٍ لا يمكن التراجع عنها.
"أحمد، هناك أشياءٌ تحدث. أشياءٌ لم أتوقعها أبدًا." بدأت تتكلم، وصوتها يرتجف قليلًا. "لقد وجدتُ... وجدتُ رسائلَ ورسالةً قديمةً في مكتبة أبي، وفي منزل جدتي."
تغير لون وجه أحمد. بدا وكأنه يفهم إلى أين تتجه المحادثة.
"رسائل؟ عن ماذا؟" سأل، وقد بدا وكأنه يستعد لأسوأ الأخبار.
"رسائلٌ تتحدث عن... عن سرٍ كبيرٍ في عائلتنا. سرٌ يتعلق بوالدي. يبدو أنه... يبدو أن لوالدي أختٌ سريةٌ."
صمت أحمد للحظةٍ، وكأن الكلمات كانت ثقيلةً على لسانه. نظر إلى الأسفل، ثم عاد لينظر إليها.
"أختٌ سريةٌ؟ كيف ذلك؟"
"لا أعرف كل التفاصيل، لكن الرسائل تشير إلى علاقةٍ سابقةٍ لوالدي، وإلى طفلةٍ ولدتها هذه العلاقة، تم التخلي عنها خوفًا من المجتمع. والطفلة هي... نورة."
عندما نطقت باسم "نورة"، بدا وكأن شيئًا ما قد تغير في أحمد. ارتفع حاجبه قليلًا، ونظرت إليه فاطمة بانتباهٍ.
"نورة؟" قال، وكأنه يستعيد ذكرى. "لم أسمع بهذا الاسم من قبل."
"أنا أيضًا لم أسمع به كثيرًا، إلا همساتٍ من جدتي. لكن هذه الصورة، وهذا الصندوق... كل شيءٍ يشير إلى أنها أخت والدي."
"وهل... هل تحدثت الرسائل عن أي شيءٍ آخر؟" سأل أحمد، وبدت نبرته مختلفةً، وكأنه يتجنب شيئًا ما.
"نعم، تحدثت عن خطرٍ يحيط بهذه الحقيقة. عن أن هناك من يعرف بهذا السر، وقد يستغله. وعن أن شخصًا قويًا كان يضغط في الماضي. وكانت هناك تحذيراتٌ بأن أحذر ممن يظهرون اللطف."
نظرت فاطمة إلى أحمد مباشرةً. "أحمد، هل كنت تعلم بهذا؟ هل كان غيابك لهذا السبب؟"
شعر أحمد بحرجٍ واضحٍ. نظر إلى الجانب، ثم عاد لينظر إليها، وقد بدت عينيه تحملان شيئًا لم تستطع فهمه.
"فاطمة، الأمر معقدٌ جدًا. وكنتُ أحاول أن أفهم بعض الأشياء بنفسي. ولكن ليس بهذه الطريقة."
"ماذا تقصد؟" سألت، وبدأ قلبها يخفق بقوةٍ مرةً أخرى.
"لقد كان هناك بالفعل بعض الضغوط التي تتعلق بعائلتي. وبعض الأشخاص الذين يحاولون... التدخل." قال أحمد، وبدا وكأنه يختار كلماته بعنايةٍ فائقةٍ.
"تدخل في ماذا؟"
"في... في موضوعٍ يتعلق بوالدكِ. وبميراثٍ قديمٍ. لم أكن أفهم تمامًا ما هو، لكن عمك، السيد فؤاد، حاول أن يقدم لي بعض المعلومات."
"عمي؟" قالت فاطمة، وفجأةً بدأت الأمور تتضح بطريقةٍ مرعبة. "هل تحدثت مع عمي؟ وماذا قال لك؟"
"قال إن هناك قضيةً معقدةً تتعلق بعائلتكِ، وأن هناك من يحاول استغلال هذه القضية لإلحاق الضرر بكم. وبدأ يذكر اسم... والدكِ، واسم امرأةٍ أخرى."
"اسم امرأةٍ أخرى؟ من؟" سألت فاطمة، وشعرت بأنها تقف على حافة الهاوية.
"لم يتضح الاسم تمامًا، لكنه أشار إلى علاقةٍ ما، وأن هناك صلةً بين هذه القضية وبين... خطبتكِ مني. قال إن هناك من يحاول منع هذه الزيجة."
"محاولة منع الزواج؟ ولماذا؟"
"لأنه... لأن هذه الزيجة قد تكشف بعض الحقائق." قال أحمد، وبدا وكأنه يصارع ليقول هذه الكلمات.
"وماذا عن السيارة السوداء؟ هل كنت أنت؟" سألت فاطمة.
نظر أحمد إليها باستغرابٍ. "سيارة سوداء؟ لا، لم أكن أنا. كنتُ أحاول فقط أن أجدكِ."
كانت فاطمة تشعر وكأنها في دوامةٍ. كل معلومةٍ تكشف عن أخرى، وكلها تقود إلى نقطةٍ واحدةٍ: الخطر.
"أحمد، الرسالة التي وجدتها في مكتبة أبي تقول: 'فاحذر ممن يظهرون اللطف، فبعضهم يطمع في مالٍ أو مكانة، وبعضهم يسعى للانتقام.' هل تعتقد أن عمي... فؤاد... هو من يقصد؟"
نظر أحمد إليها، وقد بدا عليه شيءٌ من الحيرة. "لا أعرف يا فاطمة. السيد فؤاد يبدو مهتمًا جدًا بأمركِ. لكن... هناك شيءٌ ما في طريقة حديثه. شيءٌ لا يبدو بريئًا تمامًا."
"وهل هو من قال لك إن هناك من يحاول منع الزواج؟"
"نعم. قال إن هذه الزيجة قد تكون خطرًا على الجميع، وأن هناك من يسعى لإثارة الفتنة."
"إثارة الفتنة؟"
"هذا ما قاله."
"إذًا، هو يعلم بكل شيءٍ؟ هو يعلم بوجود نورة، وبسر والدي؟"
"يبدو أنه يعلم الكثير. وكان يحاول أن يحذرني."
"لكنه يبدو أنه يحاول أن يخيفني أيضًا." قالت فاطمة، وبدأت تشعر بالغضب يتسلل إلى قلبها.
"ربما. لا أعرف ما هو هدفه الحقيقي. لكنه ألمح إلى أن هناك شخصًا آخر... شخصًا أقوى، يحاول استغلال هذه الأسرار."
"من هو؟"
"لم يذكر اسمًا. لكنه قال إن هذا الشخص يحاول السيطرة على كل شيءٍ، وأن هذه الزيجة بيننا قد تعرقل خططه."
"وإذا كانت نورة هي أخت والدي، فهل لها حقٌ في شيءٍ؟ في الميراث؟"
"ربما. هذا ما كان يحاول أن يشير إليه السيد فؤاد. وكأن الأمر كله يتعلق ببعض الأمور المالية القديمة، وأن كشف سر نورة سيؤثر على هذه الأمور."
"فهل تعتقد أن عمي هو من كان يراقبني؟"
"لا أستطيع الجزم. لكنه كان يتواصل معي كثيرًا مؤخرًا، ويحاول أن يجمع معلوماتٍ عنكِ وعن الوضع."
"ولماذا لم تخبرني؟"
"كنتُ أحاول أن أفهم كل شيءٍ أولًا. كنتُ أبحث عن أجوبةٍ. لم أرد أن أقلقكِ دون داعٍ. لكن الأمر أصبح أكبر من ذلك."
وقفت فاطمة، وشعرت بأن الأرض تدور بها. كل هذا الكلام، كل هذه الأسرار، كانت تضعها في موقفٍ لا تحسد عليه.
"إذًا، أنت تقول إن عمي فؤاد هو من حذرني؟ وهو نفسه من يراقبني؟ وهو من حاول أن يمنع زواجي؟"
"لا أعرف بالضبط. لكن يبدو أنه يلعب دورًا مزدوجًا. يحاول أن يبدو كمن يريد حمايتكِ، ولكنه في نفس الوقت... لديه دوافعٌ أخرى."
"وما هي دوافعه؟"
"يبدو أنه يريد أن يسيطر على بعض الأمور العائلية. وأن هذه الزيجة قد تضعه في موقفٍ صعبٍ."
"وهل تعتقد أن هذا الشخص القوي الذي تحدث عنه عمي، هو من يريد أن يمنع زواجنا؟"
"يبدو كذلك. وكأن كشف سر نورة، ووجودنا معًا، سيخلق مشكلةً له."
"مشكلةً؟"
"نعم. وكأن هناك شيئًا في الماضي، يتعلق بوالدكِ، وبنورة، وبأمرٍ ماليٍ، وهذا الشخص يحاول إخفاء كل ذلك."
"وهل تعتقد أن عمي فؤاد هو نفسه هذا الشخص القوي؟"
"لا، يبدو أنه أصغر منه. ربما هو مجرد أداةٍ أو وسيطٍ."
"وماذا عن السيارة السوداء؟ هل تعتقد أن هذا الشخص هو من كان يراقبني؟"
"ربما. أو ربما شخصٌ آخر أرسله. لا أعرف."
نظرت فاطمة إلى أحمد. كان يبدو مرهقًا، وعيناه تحملان نظرةً من اليأس.
"أحمد، هل أنت متأكدٌ أنك لم تعرف شيئًا عن نورة من قبل؟"
"بالتأكيد. لم يذكر والدي أو والدتي هذا الاسم قط. ولو كنتُ أعرف، لكانت الأمور مختلفةً."
"إذًا، كل ما يحدث الآن، هو نتيجةٌ لهذا السر القديم."
"يبدو كذلك."
"وماذا عن عمك، السيد فؤاد؟ هل تعتقد أنه سيساعدنا؟"
"لا أستطيع أن أقول. يبدو أنه يحاول أن يستفيد من الموقف. لكنه قد يضطر للتعاون معنا إذا رأى أن ذلك في مصلحته."
"وماذا عن أحمد؟" سألت فاطمة، وبدا وكأنها تستجمع كل قوتها. "هل أنت حقًا هنا لتساعدني؟ أم أنك واحدٌ من الذين يلعبون هذه اللعبة؟"
نظر إليها أحمد، وقد بدت عيناه مليئةً بالأسى. "فاطمة، لا يمكنني أن ألومكِ على شككِ. لكنني أقسم لكِ، أنني أحبكِ، وأنني أريد حمايتكِ. كل ما أردتُ فعله هو أن أفهم كل شيءٍ، وأن أجد طريقةً لحمايتكِ من كل هذه المؤامرات."
"وإذا كان عمي هو من يخطط لهذه الأمور، فكيف سنتصرف؟"
"علينا أن نواجه الأمر. علينا أن نكتشف من هو هذا الشخص القوي، وما هو هدفه. وعلينا أن نكشف عن حقيقة نورة، ونعطيها حقها، مهما كانت العواقب."
"ولكن كيف؟"
"سنبدأ بخطوةٍ واحدةٍ. سنواجه عمكِ. سنطلب منه أن يقول كل ما يعرفه. ثم سنرى إلى أين سيقودنا ذلك."
وقفت فاطمة، وشعرت بقوةٍ جديدةٍ تتسلل إلى عروقها. لم تعد مجرد فتاةٍ مذعورةٍ، بل أصبحت امرأةً مصممةً على كشف الحقيقة، مهما كانت.
"حسنًا يا أحمد. هيا بنا. سنواجه عمي."