ابتسامتك حياتي

همسٌ في سوق العطارين

بقلم سارة العمري

كان الهواء في سوق العطارين يعبق بروائحٍ مختلطةٍ، بين عبير الورد والياسمين، وشذى البخور والعود، وزخم الأعشاب والتوابل. ضوضاءٌ خفيفةٌ من الباعة والمتسوقين، تندمج مع أصواتٍ خافتةٍ لآلاتٍ تراثيةٍ، تخلق جواً حميماً، يعيد الروح إلى زمنٍ مضى، زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط، والعلاقات أصدق.

وسط هذا الزخم، كان "يوسف" يقف أمام دكانه الصغير، الذي امتلأت رفوفه بأصنافٍ لا حصر لها من الأعشاب الطبية، والبخور الفاخر، والزيوت العطرية. لم يكن "يوسف" مجرد عطارٍ، بل كان يعرف أسرار هذه الأعشاب، وقصص كل بخورٍ، وفوائد كل زيتٍ. كان رجلاً في أواخر العشرينيات، نحيلاً، ذا لحيةٍ خفيفةٍ، وعينين واسعتين، تغوصان في أعماق الروح. كان يمتلك هدوءاً نادراً، وابتسامةً دافئةً، تجعل كل من يقابله يشعر بالألفة والراحة.

كان اليوم أشبه بأي يومٍ آخر، حتى لمعت عينا "يوسف" حين لمحها قادمة. "نور". لم يكن يعرف اسمها، لكنه رأى جمالها حين مرت بجوار دكانه قبل أسابيع. كانت ترتدي ثوباً فضفاضاً، وحجاباً ينم عن حشمةٍ ورقي. لكن ما أسر قلبه حقاً، هو ذلك الحزن الخفي في عينيها، ذلك الشوق الذي بدا أنه لا يجد مستقراً.

اليوم، كانت "نور" تبدو مختلفة. لم تعد تحمل ذلك القناع من الجدية، بل بدا عليها شيءٌ من الفضول، وربما الأمل. اقتربت من دكان "يوسف"، وتوقفت أمامه، وكأنها ترى كنوزاً لم تعتدها.

"السلام عليكم." قالت "نور" بصوتٍ فيه رنينٌ جميلٌ.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." رد "يوسف" بابتسامةٍ طفيفة، وعيناه لا تفارقان وجهها. "أهلاً وسهلاً. هل تبحثين عن شيءٍ معين؟"

نظرت "نور" حولها، ويداها تلمسان بلطفٍ أكياس الأعشاب المعلقة، ثم قالت: "في الحقيقة، لا أعرف. كل هذه الأشياء تبدو جميلةً. ما هذا؟" وسألت وهي تشير إلى وعاءٍ زجاجيٍ كبيرٍ يحتوي على بتلاتٍ وردٍ مجففة.

"هذه بتلات وردٍ بلدي." أجاب "يوسف". "لإعداد الشاي، أو لتعطير المنزل. رائحتها تبعث على الهدوء."

"الهدوء." تمتمت "نور" لنفسها. "كم أحتاج إليه."

"هل تعانين من الأرق؟" سأل "يوسف" بصدقٍ، وعيناه تبحثان عن إجابةٍ في عينيها.

ترددت "نور" قليلاً، ثم قالت: "ربما. لكن ليس الأرق الجسدي بالضرورة. أرق الروح."

ابتسم "يوسف" ابتسامةً واسعة، ملأت وجهه إشراقاً. "أرى أنكِ تبحثين عن ما هو أعمق من مجرد رائحةٍ طيبة. أنتِ تبحثين عن سكينةٍ."

"تماماً." قالت "نور"، وقد شعرت بأن هذا الرجل يفهمها أكثر من أي شخصٍ آخر قابلته. "كيف لي أن أجدها؟"

"السكينة تبدأ من الداخل، يا أختي." قال "يوسف" بهدوءٍ. "ولكن أحياناً، تساعدنا بعض الأشياء في تهيئة الأجواء. مثلاً، البخور الذي أعده بنفسي، مزيجٌ من خشب الصندل، والمسك، والعنبر. يساعد على تصفية الذهن، وجلب الراحة."

أومأت "نور" برأسها، وواصلت النظر إلى المعروضات. "وما هذه؟" سألت، مشيرةً إلى مجموعةٍ من الزيوت الملونة في قواريرٍ زجاجيةٍ صغيرة.

"هذه زيوتٌ أساسيةٌ." أجاب "يوسف". "زيت اللافندر للنوم العميق، وزيت النعناع للتركيز، وزيت البرغموت لتحسين المزاج. لكل منها فوائده الخاصة."

"تحسين المزاج." تكررت "نور" الكلمة، وكأنها تسمعها لأول مرة. "يبدو أن لديكِ كل ما تحتاجه الروح."

"أنا هنا لأقدم ما أستطيع." قال "يوسف" بتواضع. "والحمد لله، أجد في عملي لذةً وسعادةً."

"وماذا عنكِ؟" سأل "يوسف" بعد لحظةٍ من الصمت. "هل تجدين في عملكِ لذةً؟"

تغيرت ملامح "نور" قليلاً، واكتسى وجهها بظلالٍ من الحزن. "عملي؟" قالت بنبرةٍ ساخرةٍ قليلاً. "أنا لا أعمل. أنا مجرد ابنةٌ لعائلةٍ لها اسمٌ كبيرٌ. حياتي محددةٌ ببروتوكولاتٍ، ومليئةٌ بالفعاليات الاجتماعية التي لا تعني لي شيئاً."

"لكنكِ تبحثين عن شيءٍ." قال "يوسف" بنبرةٍ تحمل فضولاً صادقاً. "ما الذي تبحثين عنه حقاً؟"

نظرت "نور" في عينيه، ورأت فيهما صدقاً وبريقاً، فقررت أن تتحدث. "أبحث عن معنى." قالت بصوتٍ مخنوق. "أبحث عن سببٍ يجعلني أبتسم ابتسامةً حقيقية. أبحث عن إنسانٍ يرى ما وراء هذا القناع الذي أرتديه، ويقدر ما في داخلي، لا ما أملكه."

شعر "يوسف" بشيءٍ يتغير في داخله. لم تكن "نور" مجرد فتاةٍ جميلةٍ أخرى، بل كانت روحاً تبحث عن ملاذ. "كلنا نبحث عن ذلك، يا أختي." قال بهدوء. "لكن الطريق قد يكون طويلاً، والأماكن قد تكون خادعة."

"وأنت؟" سألت "نور" بفضول. "هل وجدت ما تبحث عنه؟"

ابتسم "يوسف" ابتسامةً واسعة، لكنها كانت تحمل شيئاً من الحزن. "أنا أعمل جاهداً لأجده. وأؤمن بأن الله لن يضيع سعى عبدٍ مؤمن."

تحدثا طويلاً، عن الحياة، عن الأحلام، عن الصعوبات. وجدت "نور" في حديثها مع "يوسف" راحةً لم تشعر بها من قبل. لم تكن تبحث عن حبٍ في هذه اللحظة، بل كانت تبحث عن فهمٍ، وعن منفذٍ لتفريغ ما في صدرها.

"عليّ الذهاب الآن." قالت "نور" أخيراً، وقد تذكرت واجباتها. "شكراً جزيلاً لك، سيدي. لقد أنرتَ دربي."

"لا شكر على واجب." أجاب "يوسف". "وإذا احتجتِ أي شيءٍ، فدكاني مفتوحٌ دائماً. وربما... قد أجد لكِ ما يعينكِ على تحسين المزاج." ثم ناولها قارورةً صغيرةً من زيت البرغموت، وبضع بتلاتٍ من الورد المجفف.

أخذت "نور" القارورة والبتلات، وابتسمت ابتسامةً بدت هذه المرة أكثر صدقاً. "شكراً جزيلاً." ثم انصرفت، تاركةً "يوسف" واقفاً يتأمل أثرها، وقلبه يختلط فيه مزيجٌ من الإعجاب، والشفقة، والأمل.

في طريق عودتها إلى قصرها الفاخر، فتحت "نور" قارورة زيت البرغموت، وشمته بعمق. ثم أخذت بتلة وردٍ، ومررتها على شفتيها. لأول مرةٍ منذ زمنٍ طويل، شعرت بأن هناك خيطاً رفيعاً يربطها بالحياة، خيطٌ بدأ ينسج من همسةٍ في سوق العطارين.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%