ابتسامتك حياتي
نداءٌ من بستان الورود
بقلم سارة العمري
كانت "نور" قد عادت للتو من سوق العطارين، ولا تزال روائح الأعشاب والزيوت العطرية تفوح من ملابسها. لم تفقد تأثير حديثها مع "يوسف"، بل على العكس، كانت تشعر بصفاءٍ غريبٍ في ذهنها، وبشيءٍ من البهجة الخفيفة التي بدأت تتسلل إلى قلبها. في غرفتها، جلست قرب النافذة، ووضعت قارورة زيت البرغموت بجوارها، تنظر إلى حديقة القصر الواسعة، التي بدأت تزهر في الربيع.
لم تكن "نور" تهتم كثيراً بحديقة القصر، فهي لا ترى فيها سوى منظرٍ جميلٍ لا أكثر. لكن اليوم، ومع هذا الصفاء الذي غمرها، بدأت ترى الأشياء بمنظورٍ مختلف. بدأت ترى جمال الورد المتفتّح، وعبق الياسمين المنتشر، وحركة الفراشات الملونة.
فجأةً، سمعت صوتاً يناديها من بعيد. صوتٌ رقيقٌ، يشبه نداء الطفولة. "نور! نور!"
نظرت "نور" حولها، مستغربةً. لم يكن أحدٌ في القصر يناديها بهذه الطريقة. اقتربت من النافذة، ونظرت نحو بستان الورود، ورأت فتاةً صغيرةً، تقف وسط الزهور، وتلوح لها بيدها. كانت الفتاة ترتدي ثوباً ملوناً، وشعرها الأشقر يتطاير في الهواء.
"من هذه؟" سألت "نور" نفسها، وقد شعرت بفضولٍ شديد. لم تر هذه الفتاة من قبل في القصر.
قررت "نور" أن تنزل إلى الحديقة. ارتدت عباءةً خفيفةً، ونزلت الدرج، وتوجهت نحو بستان الورود. كلما اقتربت، بدا أن الفتاة تبتسم لها ابتسامةً واسعةً، وتمد يدها إليها.
عندما وصلت "نور" إلى الفتاة، توقفت مذهولةً. كانت الفتاة تقف أمام شجرة وردٍ كبيرةٍ، تحمل في يدها وردةً حمراءَ قانية. عيناها كانتا واسعتين، مليئتين ببراءة الطفولة، وشعرها الأشقر كان متلألئاً تحت أشعة الشمس.
"أهلاً بكِ!" قالت الفتاة بصوتٍ عذبٍ. "لقد كنت أنتظركِ."
"من أنتِ؟" سألت "نور" بحذر، وهي تنظر إلى الفتاة بعينين مليئتين بالدهشة. "ومن أين عرفتِ اسمي؟"
"أنا... أنا ليلى." قالت الفتاة، ثم ابتسمت ابتسامةً ساحرة. "ولم أعرف اسمكِ، بل سمعته يتكرر في أحلامي. أنتِ دائماً موجودةٌ في أحلامي."
"في أحلامك؟" لم تفهم "نور" ما تقوله الفتاة. "لكنكِ طفلةٌ صغيرةٌ. كيف يمكن أن ترايني في أحلامك؟"
"لا أدري." أجابت "ليلى" ببساطة. "لكنكِ تبدين لي دائماً كأنكِ أختي الكبرى. وأنا أحبكِ كثيراً." ثم مدت يدها، وقدمت لـ "نور" الوردة الحمراء.
أخذت "نور" الوردة، وشعرت بشيءٍ دافئٍ يغمر قلبها. لم تشعر بهذه المحبة الصادقة منذ زمنٍ طويل. "شكراً لكِ، يا ليلى." قالت بصوتٍ اهتز قليلاً. "وهل لديكِ عائلةٌ هنا؟"
"نعم." أجابت "ليلى" ببراءة. "أنا أعيش هنا. أتعلمين؟ لقد أتيتُ إلى هذا القصر منذ فترةٍ، وأحببتُه كثيراً. خاصةً هذا البستان."
"حقاً؟" قالت "نور"، وبدأت تتذكر. هل صحيحٌ أن عائلتها قد تبنت طفلةً صغيرةً؟ لم يكن لديها ذاكرةٌ واضحةٌ عن هذا الأمر.
"أنا ابنة عمكم، أليس كذلك؟" سألت "ليلى"، وكأنها تقرأ أفكار "نور". "لقد جاءتني أمي وقالت لي إنني سأعيش مع عائلةٍ جديدةٍ، وأنهم سيحبونني."
"ابنة عمي؟" كررت "نور" الكلمة، وشعرت باضطرابٍ كبير. هل هذا صحيحٌ؟ لم يكن أحدٌ قد أخبرها بهذا الأمر.
"نعم. أمي قالت لي إنكِ ستكونين أمي الثانية." قالت "ليلى" بتفاؤلٍ، ثم بدأت تلعب بالوردة في يدها.
شعرت "نور" وكأنها تقف على حافة عالمٍ آخر. هذا اللقاء لم يكن متوقعاً، وهذا الطفل لم يكن في حساباتها. بدأت تتذكر بعض الأحاديث التي كانت تسمعها بين والديها، عن قريبٍ لهم في بلادٍ بعيدة، وعن ظروفٍ صعبةٍ مروا بها. ربما كانت هذه هي "ليلى".
"تعالي، لنتجاوز هذا البستان." قالت "نور" محاولةً إخفاء ارتباكها. "ربما نجد والدتي."
"حسناً!" قالت "ليلى" بسعادةٍ، وبدأت تسير بخطواتٍ سريعةٍ، و"نور" تتبعها، وقلبها لا يزال يخفق بعنف.
بينما كانتا تسيران، بدأت "نور" تتحدث مع "ليلى" عن أحلامها، وعن الأشياء التي تحبها. و"ليلى" كانت تجيب ببراءةٍ، وتتحدث عن الألوان، وعن الموسيقى، وعن حبها الكبير للحيوانات.
"وأنتِ، هل تحبين القطط؟" سألت "ليلى". "أنا أحبها كثيراً. لدي قطةٌ صغيرةٌ اسمها 'فرح'."
"فرح." ابتسمت "نور". "اسمٌ جميلٌ. وأنا أحب القطط أيضاً."
"حقاً؟" قالت "ليلى" بسعادةٍ. "إذن، قد نكون متشابهتين كثيراً."
مع كل كلمةٍ، كانت "نور" تشعر بأن هذا اللقاء الغريب قد غيّر شيئاً فيها. هذه الطفلة، ببراءتها وحبها الصادق، كانت تذكرها بأشياءَ لطالما نسيتها. كانت تذكرها بأن الحياة ليست مجرد اجتماعاتٍ رسميةٍ، وبروتوكولاتٍ باردةٍ.
وصلتا إلى مدخل القصر، حيث كانت والدتها، السيدة "ليلى"، تتحدث إلى بعض الضيوف. نظرت السيدة "ليلى" نحو ابنتهما، وشعرت بدهشةٍ حين رأت "ليلى" الصغيرة تمسك بيد "نور".
"نور؟ من هذه الطفلة الجميلة؟" سألت السيدة "ليلى".
"يا أمي، هذه ليلى." قالت "نور" بصوتٍ واضحٍ. "ابنة عمنا. لقد عرفتني على نفسها."
نظرت السيدة "ليلى" إلى "ليلى"، ثم إلى "نور"، وقد بدا على وجهها شيءٌ من المفاجأة، ثم ابتسامةٍ خفيفة. "أهلاً بكِ يا حبيبتي." قالت وهي تحتضن "ليلى". "أتمنى أن تشعري بأنكِ في بيتكِ."
"شكراً يا خالتي." قالت "ليلى" ببراءة. "أنا سعيدةٌ جداً لأنني وجدتكِ."
شعرت "نور" بشيءٍ من الغرابة، لكنها لم تستطع أن تنكر أن وجود "ليلى" قد أضفى على حياتها شيئاً من البهجة. نظرت إلى "ليلى"، ورأت فيها أملاً، ورأت فيها سبباً جديداً لابتسامةٍ قد تكون صادقةً.
"والآن، ماذا سنفعل؟" سألت "ليلى" ببراءة، وهي تنظر إلى "نور" وإلى والدتها. "هل سنذهب لنجلب 'فرح'؟"
"بالتأكيد يا صغيرتي." قالت السيدة "ليلى"، وهي تنظر إلى "نور" بنظرةٍ فيها شيءٌ من الرجاء. "ولكن قبل ذلك، ربما نذهب لنتناول بعض الحلوى."
ابتسمت "نور" ابتسامةً حقيقيةً، وربما كانت هذه أول ابتسامةٍ صادقةٍ تشعر بها منذ زمنٍ طويل. "حسناً، يا أمي." قالت. "هيا بنا."
شعرت "نور" وكأنها قد بدأت رحلةً جديدةً، رحلةً لا تعرف نهايتها، لكنها تحمل في طياتها أملًا، وأشياءً لم تكن تتوقعها.