ابتسامتك حياتي

ظلالٌ في رواق الذاكرة

بقلم سارة العمري

بعد لقاء "ليلى" الصغيرة، بدا أن حياة "نور" قد اكتسبت لوناً مختلفاً. لم تعد الوحدة تضغط على صدرها بنفس القوة، ولم يعد الصمت يثقل روحها. كانت "ليلى" كفراشةٍ ملونةٍ، حطت على أزهار حياتها الباهتة، وأضفت عليها حيويةً وبهجة. بدأت "نور" تقضي وقتاً أطول معها، تلعب معها، تقرأ لها القصص، وتشاركها أحلامها الصغيرة.

لكن تحت هذا السطح الهادئ، كانت هناك ظلالٌ تتجمع، وتساؤلاتٌ بدأت تراود "نور" بحدة. كيف يمكن أن تكون "ليلى" ابنة عمها، ولم تكن تعرف بوجودها؟ ولماذا لم يتحدث والداها عن هذا الأمر من قبل؟ كانت والدتها، السيدة "ليلى"، تتجنب الحديث عن تفاصيل عائلتها البعيدة، وكانت والدها، السيد "خالد"، دائماً ما ينشغل بأعماله.

في إحدى الليالي، بينما كانت "نور" تتأمل السماء المرصعة بالنجوم من شرفة جناحها، تذكرت حديثاً قديماً سمعته من جدتها، قبل وفاتها. حديثٌ عن أختٍ لوالدتها، هاجرت إلى بلدٍ بعيدٍ، ثم انقطعت أخبارها. هل يمكن أن تكون "ليلى" حفيدة هذه الأخت؟

في صباح اليوم التالي، قررت "نور" أن تواجه والدتها. كانت السيدة "ليلى" تجلس في حديقة القصر، ترتشف قهوتها الصباحية، وسط الزهور التي طالما أحبتها.

"صباح الخير يا أمي." قالت "نور" وهي تجلس بجوارها.

"صباح النور يا حبيبتي." ردت السيدة "ليلى" بابتسامةٍ دافئة، ولكنها لم تخفِ تلك الظلال الخفيفة التي كانت تلوح في عينيها.

"أمي، أريد أن أسألكِ عن شيءٍ." قالت "نور" بجدية. "من هي ليلى حقاً؟ وكيف أتت إلى هنا؟"

تجمدت السيدة "ليلى" لبرهة، ثم تنهدت وقالت: "ليلى هي ابنة عمي، السيدة 'فاطمة'. لقد اضطرت لظروفٍ قاهرةٍ، أن ترسل ابنتها إلينا. وهي الآن تعيش معنا."

"ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟" سألت "نور" بلهجةٍ تحمل بعض الاستياء. "ولماذا لم تذكروا لي شيئاً عن عمّتي فاطمة؟"

شعرت السيدة "ليلى" بالضيق، وبدأت تنظر إلى عيني ابنتها بعمق. "يا ابنتي، القصة معقدةٌ بعض الشيء. عمّتكِ فاطمة... كانت تعيش حياةً صعبةً. تزوجت رجلاً لم يكن مناسباً لها، ومنذ سنواتٍ طويلةٍ، انفصلت عنه. وبعد ذلك، مرت بظروفٍ ماليةٍ قاسيةٍ. لم نكن نستطيع أن نساعدها كثيراً في ذلك الوقت، ثم انقطعت أخبارنا. وبعد فترةٍ طويلةٍ، تواصلت معنا، تطلب منا أن نعتني بطفلتها 'ليلى' لبعض الوقت، حتى تتمكن من تدبير أمورها. لقد وعدتنا بأنها ستأتي لزيارتها قريباً."

"وعدتها؟" سألت "نور" متفاجئةً. "إذن، هي ليست مقيمةً معنا بشكلٍ دائم؟"

"لا يا حبيبتي." قالت السيدة "ليلى" بحزن. "إنها أمانةٌ. وواجبٌ علينا أن نرعاها حتى تعود والدتها."

فهمت "نور" حينها. كانت "ليلى" ضيفةً، وليست فرداً من العائلة. هذا الاكتشاف أحدث في قلبها صراعاً. كانت قد أحبت "ليلى"، وارتبطت بها، لكن فكرة أنها قد ترحل في أي لحظةٍ، كانت مؤلمةً جداً.

"ولكن، لماذا لم تخبرني أمي بهذا من قبل؟" سألت "نور" بعمق. "لماذا كل هذه الأسرار؟"

"ليست أسراراً بالمعنى الدقيق للكلمة يا ابنتي." قالت السيدة "ليلى" بحكمة. "بل هي أشياءٌ لم تكن لتهمكِ في وقتها. لقد كنتِ صغيرةً، ولم يكن من المفترض أن تحملي هموم الآخرين. والآن، ومع وجود 'ليلى'، أردتُ أن أرى كيف ستتعاملين مع الأمر، وكيف ستتصرفين. هل ستكونين قاسيةً، أم ستمنحينها حبكِ."

نظرت "نور" إلى والدتها، ورأت في عينيها حكمةً وعمقاً. أدركت أن والدتها كانت تختبرها، ربما. كانت تختبر مدى قدرتها على العطاء، ومدى حبها للبشر.

"أنا أحب ليلى يا أمي." قالت "نور" بصوتٍ قوي. "وهي تحبني. لن أدعها تذهب."

ابتسمت السيدة "ليلى" ابتسامةً نصراوية. "كنت أعلم أنكِ ستكونين كذلك. قلبكِ طيبٌ يا ابنتي، وهذا ما كنتُ أتمناه دائماً."

في تلك اللحظة، اقترب السيد "خالد"، والد "نور"، منهم. بدا عليه بعض القلق.

"ليلى؟ هل أنتِ بخير؟" سأل السيد "خالد" ابنته. "كنت أبحث عنكِ."

"أنا بخير يا أبي." قالت "نور". "كنت أتحدث مع أمي."

"جيد." قال السيد "خالد" وهو ينظر إلى زوجته. "هناك أمرٌ مهمٌ أود أن أتحدث فيه معكما."

جلسا جميعاً، وبدا أن هناك شيئاً ثقيلاً سيقال.

"أتذكرون ابنة عمي، 'فاطمة'؟" سأل السيد "خالد".

"نعم." قالت السيدة "ليلى". "لقد ذكرتها للتو لـ 'نور'."

"لقد تواصلت معي اليوم." قال السيد "خالد" بنبرةٍ تحمل بعض الحزن. "إنها في حالةٍ يرثى لها. لا تملك شيئاً، وقد أصبحت مريضةً جداً."

صدمت "نور" بهذا الخبر. كانت تعتقد أن "ليلى" ستعود إلى والدتها قريباً، لكن يبدو أن الأمور تتجه نحو الأسوأ.

"ماذا قالت؟" سألت السيدة "ليلى" بقلق.

"قالت إنها لا تملك مكاناً تذهب إليه، وأنها قد تحتاج للبقاء هنا لفترةٍ أطول." قال السيد "خالد" وهو ينظر إلى "نور". "لقد طلبت مني أن أستقبلها."

سكتت "نور" لبرهة. كانت تتمنى أن ترى والدة "ليلى" بحالةٍ صحيةٍ أفضل، لكن فكرة أن تعيش والدة "ليلى" معهم في القصر، كانت شيئاً آخر. لم تكن تعرف كيف ستكون علاقتها بها.

"وهل سنفعل ذلك؟" سألت "نور" والدها. "هل سنستقبلها؟"

"هذا واجبنا يا ابنتي." قال السيد "خالد" بجدية. "إنها قريبتنا، ولن نتركها وحدها في هذه الظروف."

أدركت "نور" حينها أن حياتها، التي كانت تسير في روتينٍ مملٍ، قد بدأت تتغير بشكلٍ جذري. لم تعد مجرد "نور"، ابنة رجل الأعمال الثري. أصبحت جزءاً من شبكةٍ معقدةٍ من العلاقات الأسرية، والمسؤوليات الإنسانية.

"حسناً." قالت "نور" بعد لحظةٍ من التفكير. "سنفعل ذلك."

شعرت "نور" بأن هناك عبئاً جديداً قد وقع عليها، لكنها لم تشعر بالخوف. بل شعرت بنوعٍ من القوة. كانت هذه التجربة، رغم صعوبتها، قد كشفت لها عن معدنها الحقيقي، وعن قدرتها على التكيف، وعلى العطاء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%