ابتسامتك حياتي
أغلال الماضي
بقلم سارة العمري
كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بخجل عبر ستائر غرفته، تحمل معها وعدًا بيوم جديد، لكنه يوم لم يكن يحمل في طياته أي بشرى لسليم. ظل مستيقظًا طوال الليل، تدور في رأسه الأفكار كدوامة لا تتوقف. صوت الرجل الغريب، الذي أطلق على نفسه اسم "أبو نادر"، كان يرن في أذنيه كصدى مرعب. "شيء أغلى" كانت تلك الكلمة تفغر فمها كوحش في الظلام، مهددة بابتلاعه.
كانت قطعة الأثرية التي يفكر فيها، تمثال صغير من العاج، عليه نقوش قديمة، يصور رجلًا يحتضن امرأة، تعبيرات الحب العميق بادية على وجهيهما. ورثتها جدته الكبرى عن أمها، وقيل أنها تحمل سرًا عائليًا، أو ربما رمزًا لوفرة ورخاء. لطالما كانت قطعة غامضة، لكن قيمتها المادية، كما همس له أحد تجار التحف القديمة، كانت تفوق الخيال.
لكن بيعها كان يعني أكثر من مجرد فقدان ثروة. كان يعني التخلي عن جزء من روح العائلة، عن إرث الأجداد. كان يعني الاعتراف بالهزيمة، بالضعف، بالخطأ. وكان سليم، في قرارة نفسه، لا يزال يحمل بقايا من كبرياء القديم، كبرياء يدفعه إلى التمسك بما تبقى من هويته.
كانت العلاقة مع والدته، الشيخة فاطمة، دائمًا تمثل له مرساة الأمان. كانت هي الملجأ الذي يلجأ إليه عندما تشغله هموم الدنيا. لكنه في الآونة الأخيرة، كان يتجنبها، يخجل من رؤية خيبة الأمل في عينيها، يخجل من إخفاقاته التي لم يعد قادرًا على إخفائها.
في عصر ذلك اليوم، ومع بزوغ شمس خجولة، قصد سليم منزل والدته. كانت رائحة البخور تفوح من أرجاء البيت، ورائحة الطعام الشهي، كأنها دعوة صامتة للعودة إلى دفء العائلة. وجد والدته تجلس في الصالة، وقد احتضنت مصحفًا كبيرًا، تترنم بآيات القرآن الكريم بصوت خافت.
"السلام عليكم يا أمي."
رفعت الشيخة فاطمة رأسها، وعلى وجهها ابتسامة حزينة. "وعليكم السلام يا بني. تفضل، اجلس."
جلس سليم قبالتها، يشعر بالضيق يزداد في صدره. لم يكن يعرف كيف يبدأ، كيف يعترف بكل ما كان يدور في داخله. "أمي، هل لديك وقت لأتحدث معك في أمر هام؟"
"دائمًا يا بني. قل ما في قلبك."
تنهد سليم، وبدأ يروي قصته. لم يروِ كل شيء، لم يذكر اسم "أبو نادر"، ولا طبيعة الدين، لكنه تحدث عن ضغوط، عن أخطاء، عن الحاجة الملحة إلى مبلغ من المال. تحدث عن تلك القطعة الأثرية، وعن ما قد يعنيه بيعها.
استمعت الشيخة فاطمة بصبر، وعيناها لا تفارقان وجهه. عندما انتهى، نظرت إليه بعمق، وكأنها ترى ما وراء كلماته. "يا بني، المال يأتي ويذهب. لكن العرض لا يُشترى. سمعة العائلة، إرث الأجداد، هذه أشياء لا تقدر بثمن. هل فكرت فيما تفعله؟ هل فكرت في أميرة؟ هل كانت لترضى أن ترى جزءًا من تاريخكم يباع في سوق الأغيار؟"
كانت هذه الكلمات، التي تحمل في طياتها حكمة الأجيال، تتسلل إلى قلب سليم كسهام. لم يكن لديه إجابة. كان يشعر وكأنه يغرق في بحر من الندم، لكنه لم يكن يمتلك مجاديف النجاة.
"يا أمي، أنا لا أعرف ماذا أفعل. أشعر أنني محاصر."
"المحاصرة يا بني ليست في الظروف، بل في الروح. أنت شاب، وعندك القدرة على التغيير. هذا المال الذي تبحث عنه، ربما يكون دافعًا لك لتستيقظ، لتبدأ من جديد. هل جربت أن تطلب العون من الله؟ هل جربت أن تتصل بخالد؟"
كان ذكر خالد يثير في نفسه شعورًا متناقضًا. كان يشعر بالاستياء منه، لكنه كان يعلم أيضًا أن خالد رجل عملي، قد يجد حلًا.
"خالد... لا أعتقد أنه سيفهمني."
"كل إنسان يحتاج إلى فرصة يا بني. وخالد أخوك. حاول. واطلب العون من ربك. هو رب الخير، وهو وحده القادر على إزالة الهموم."
غادر سليم منزل والدته، يحمل في قلبه ثقلًا أكبر، لكن مع خيط رفيع من الأمل. لقد ألهمته كلمات والدته، ألهمته حكمتها. فكر مليًا في خالد. لم يكن الأمر سهلاً، الاعتراف بالضعف، طلب المساعدة، لكنه أدرك أن وحدته لم تعد خيارًا.
بأيدٍ مرتعشة، التقط هاتفه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم ضغط على رقم خالد. كان قلبه يخفق بشدة، وكأنه يقاتل معركة داخلية. ماذا سيقول؟ كيف سيبدأ؟ هل سيعود خالد ليوبخه، أم سيجد فيه الشقيق الداعم؟
بينما كان الهاتف يرن، نظر سليم إلى انعكاسه في زجاج النافذة. رأى رجلًا مرهقًا، منهكًا، لكنه رأى أيضًا بصيصًا من التصميم في عينيه. لقد حان الوقت لمواجهة أغلال الماضي، وللبحث عن طريق نحو مستقبل جديد، مهما كان صعبًا.