حب الأبرار الجزء الثالث
همسة الفجر في أروقة قصر آل الحسيني
بقلم مريم الحسن
تسللت خيوط الشمس الأولى، تلك الخيوط الذهبية التي تلوّن سماء الرياض بصباح جديد، لتداعب نوافذ قصر آل الحسيني العريق. لم يكن صوت المنبه هو ما أيقظ الأستاذة ليلى، بل ذلك النداء الخفي الذي يسكن أعماق روحها، نداء الواجب والمسؤولية الذي تضطلع به بصدر رحب. نهضت من فراشها بخفة، يداعِبُ وجهها الوديع نور الفجر المتسلل، وارتدت حجابها المطرز بخفة، لتتهيأ ليوم جديد، يومٌ حافَلٌ بالقرارات والتحديات.
كانت ليلى، الابنة الوحيدة لمالك القصر، وريثة هذا الصرح الشامخ الذي يحمل تاريخ أجيال، تمتاز بذكاء حاد، وعزيمة لا تلين، وجمال يشي بالرقة والقوة في آن واحد. عيناها السوداوان الواسعتان، كبحرٍ هادئٍ عميق، تخفي خلفها بحراً من الأفكار والتطلعات. شعرها الداكن، الذي تنسدله كشلالٍ حريري، زادها بهاءً وجاذبية، ورغم كل هذه الصفات، إلا أنها كانت تعيش حياةً بسيطة، تتسم بالجدية والاجتهاد، بعيدةً عن صخب الحياة ورياءها.
وقفت أمام المرآة، تتأمل وجهها الشاب الذي بدأ يحمل بعض آثار التفكير العميق. كانت مسؤولية إدارة أعمال والدها، الذي تعرض لوعكة صحية مفاجئة، قد ألقت بثقلها عليها، لكنها واجهت هذا العبء بإصرار، مسلحةً بعلمها الذي اكتسبته في جامعات مرموقة، وتوجيهات والدها الحكيمة. لم يكن قصر آل الحسيني مجرد بناية ضخمة، بل كان رمزاً للتقوى، والعطاء، والكرم، وهي القيم التي حرص والدها على غرسها في أبنائه، رغم افتقارها لإخوة.
في قاعة الطعام الفسيحة، حيث تتناثر أشعة الشمس على المائدة المزينة بفاكهة الموسم، كان والدها، الحاج عبد الرحمن الحسيني، ينتظرها. كان رجلاً مهيباً، تجاوز السبعين من عمره، لكنه كان لا يزال يتمتع بصحة جيدة، وعينان تقدحان ذكاءً وحكمة. استقبلها بابتسامة دافئة، تبعتها نظرة اطمئنان. "صباح الخير يا ابنتي العزيزة." قال بصوتٍ عميقٍ وراسخ. "صباح النور يا والدي الغالي." أجابت ليلى، واقتربت منه لتُقبّل يده. "كيف حالك اليوم؟" "بحمد الله، أصبحت أفضل. ولكن، هل أنتِ مستعدة لليوم؟" سألها بنبرةٍ تحمل مزيجاً من القلق والترقب. "بالتأكيد يا والدي. لقد قرأتُ الملفات أمس، ولدي بعض الأفكار حول الصفقة الجديدة."
كانت الصفقة الجديدة تمثل نقطة تحولٍ حاسمة في مستقبل استثمارات آل الحسيني. شركة عقارية واعدة، تتطلب رؤوس أموال كبيرة، ولكنها تحمل في طياتها أرباحاً واعدة. كانت ليلى قد استثمرت أياماً في دراسة الجدوى، واستشارة خبراء ماليين، قبل أن تقدم اقتراحاتها النهائية لوالدها.
بعد الإفطار، توجهت ليلى إلى مكتب والدها، المكتب الذي كان بمثابة مملكة له، تتناثر فيه الكتب والمخطوطات، وتفوح منه رائحة الجلد الفاخر والورق القديم. المكتبة الواسعة، كانت ملاذها الهادئ، ومصدر إلهامها. جلست خلف مكتب والدها، الذي سمح لها باستخدامه خلال فترة مرضه، وفتحت جهاز الحاسوب.
"هل لديكِ أي شيءٍ مهمٍ تريدين مناقشته قبل أن أبدأ اجتماعاتي؟" سأل الحاج عبد الرحمن، وهو يدخل المكتب، مستنداً على عصاه الأنيقة. "نعم يا والدي. أردتُ أن أتحدث معك عن موعد حفل تكريم المتفوقين في جمعية "النور" الخيرية. لقد تم تأجيله مرتين بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا." "آه، نعم. أتذكر. متى سيُقام؟" "إذا سمح وقتك، فقد يكون الأسبوع القادم. وأنا أرى أننا يجب أن نكون حاضرين فيه. دعم هؤلاء الشباب الطموحين واجبٌ علينا." "أوافقكِ الرأي. أنتِ دائماً على حقٍ في هذه الأمور. ولكن، هل هناك أي شيءٍ آخر؟"
ترددت ليلى قليلاً. كانت هناك قضيةٌ تشغل بالها، قضيةٌ تتعلق بمركز "دار الأمان" للأيتام. لقد تلقت تقريراً مفصلاً عن احتياجات المركز، وبدت تلك الاحتياجات ماسة. "في الواقع يا والدي، هناك أمرٌ آخر. مركز "دار الأمان" بحاجةٍ ماسةٍ للمساعدة. لقد زرتهم الأسبوع الماضي، ورأيتُ الأطفال. إنهم بحاجةٍ إلى توسيع المبنى، وتوفير مواد تعليمية جديدة. لقد كنتُ أفكر في تخصيص جزءٍ من أرباح الصفقة الجديدة لهم، كصدقةٍ جارية."
تنهد الحاج عبد الرحمن، ونظر إلى ابنته بإعجاب. "يا له من قلبٍ رحيمٍ لديكِ يا ابنتي. هذا هو الإرث الحقيقي الذي تركتُه لكم. لا تقلقي، سنتحدث مع إدارة المركز، وسنبحث أفضل السبل لمساعدتهم. ولكن، قبل كل شيء، يجب أن تكون الصفقة الجديدة مربحةً لنا. مالٌ كثيرٌ يعني عطاءً أكثر."
ابتسمت ليلى. كان هذا النقاش هو ما تحتاجه. كانت تشعر دائماً بالأمان والثقة وهي تتحدث مع والدها. "ما رأيكِ بأن ننتقل إلى مناقشة تفاصيل الصفقة؟" اقترح الحاج عبد الرحمن. "بالتأكيد يا والدي."
كانت ليلى مستعدةً تماماً. عرضت عليه الأرقام، والتحليلات، والاستراتيجيات التي وضعتها. كان والدها يستمع باهتمامٍ شديد، ويطرح أسئلةً دقيقة، تتسم بخبرةٍ واسعة. ومع كل كلمةٍ تنطق بها ليلى، كان يرى فيها صورةً واضحةً لوالدتها الراحلة، التي كانت تشبهها في ذكائها وحكمتها.
"أنا معجبٌ بمدى استعدادكِ يا ابنتي. لقد تجاوزتِ توقعاتي بكثير. أعتقد أن هذه الصفقة ستكون ناجحةً للغاية." قال الحاج عبد الرحمن، وهو يميل رأسه بالإيجاب. "شكراً لك يا والدي. ثقتك بي هي أكبر دافعٍ لي."
فجأة، طرق الباب، ودخلت الخادمة، تحمل في يديها صينيةً بها فنجان قهوةٍ عطرة. "الحاج، لديكَ اتصالٌ هاتفيٌ عاجلٌ من السيد فؤاد، مدير أعمالكم في دبي." قالت بصوتٍ هادئ. "حسناً. تفضلي يا ليلى، استمري في مراجعة الأوراق. سأعود حالاً." قال الحاج عبد الرحمن، وهو ينهض من مقعده.
وقفت ليلى، وشعرت بنبضٍ سريعٍ في قلبها. كانت تعلم أن المكالمات العاجلة من دبي غالباً ما تحمل أخباراً هامة. أدارت ظهرها لمكتب والدها، وتوجهت نحو نافذة القصر الكبيرة، لتتأمل المشهد الخلاب للحدائق الغناء. لكن عقلها لم يكن هادئاً. كانت تتساءل عن فحوى المكالمة، وعما إذا كانت ستحمل أخباراً غير متوقعة.
في تلك اللحظة، وبينما كانت الشمس ترتفع أعلى في السماء، وتُلقي بضوئها الساطع على جنبات القصر، شعرت ليلى بأن هذا اليوم، على الرغم من بدايته الهادئة، سيحمل في طياته مفاجآتٍ لا تعلم ماهيتها. لم تكن تعلم أنها على وشك أن تدخل عالماً جديداً، عالماً سيُعيد تشكيل حياتها، ويُغيّر مسارها إلى الأبد.