حب الأبرار الجزء الثالث

قلق الأم وتحدي الابن

بقلم مريم الحسن

تغلغلت خيوط الفجر الأولى في سكون الغرفة، لتوقظ الحاجة فاطمة من نومٍ مضطرب. لم تستطع أن تنام طويلاً، وصورة ليلى، تلك الفتاة التي لم تعرفها إلا من خلال حديث ابنها، كانت تتراقص أمام عينيها. كانت تحاول أن تجمع بين ما سمعته من همساتٍ وما رأته في إصرار ابنها. هل كان أحمد يتسرع؟ هل كان يقدّر عواقب اختياره؟ قامت الحاجة فاطمة وتوضأت، ثمّ صلّت صلاة الفجر. بعد الصلاة، رفعت يديها إلى السماء، داعيةً الله أن يرشدها إلى الصواب، وأن يوفق ابنها لما فيه الخير. كانت تحب أحمد حبّاً عظيماً، وتريد له السعادة، لكنّ سعادتها كانت غالباً ما ترتبط بما تراه مناسباً لعائلتها ولمكانتها.

بعد الفطور، جلست الحاجة فاطمة في الصالة، تنتظر أحمد. كان يأتيها كل صباحٍ ليطمئن عليها، ثمّ يذهب إلى عمله. حين دخل أحمد، بدا عليه الهدوء المعهود، لكنّ الحاجة فاطمة استطاعت أن تقرأ ما بين سطور وجهه. "صباح الخير يا أمي،" قال أحمد وهو يقبّل يدها. "صباح النور يا ولدي،" أجابت والدته بابتسامةٍ رقيقة. "كيف حالك؟" "بخير يا أمي، الحمد لله. هل نمتِ جيداً؟" "لا بأس،" قالت الحاجة فاطمة، وهي تنظر إليه ملياً. "كنتُ أفكر في كلامك بالأمس. عن ليلى." ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجه أحمد. "نعم يا أمي. إنها فتاةٌ رائعة." "رائعةٌ في أيّ جانب؟" سألت والدته، وهي تحاول أن تجعل صوتها يبدو طبيعياً. "في جمالها؟ في مالها؟ في نسبها؟" "بل في أخلاقها ودينها وعقلها يا أمي،" قال أحمد بهدوءٍ وثبات. "هذه هي الأشياء التي تدوم." "وهل تظنّ أن هذه الأشياء وحدها تكفي؟" سألت الحاجة فاطمة، وقد بدأت تشعر بالضيق. "الحياة لها جوانبٌ أخرى يا أحمد. المجتمع له قوانينه. لا نستطيع أن نعيش بمعزلٍ عن الناس." "يا أمي، أنا لا أعيش بمعزلٍ عن الناس. ولكنّني أختار شريكة حياتي بناءً على ما يرضي الله، وما يجعل حياتنا سعيدةً ومستقرةً. هل تريدين لي أن أتزوج بفتاةٍ جميلةٍ وثريةٍ، ولكنّها لا تملك ديناً أو خلقاً؟" "لا طبعاً! ولكنّ التوازن مطلوب. وأنا أريد لابني أن يتزوج بفتاةٍ تكون على مستوى عائلتنا، وذات سمعةٍ طيبةٍ في مجتمعنا." "وليلي لديها سمعةٌ طيبةٌ يا أمي. إنها ابنة الحاج عبد الرحمن، وهو رجلٌ يحترمه الجميع. وهذا يكفي." "الحاج عبد الرحمن رجلٌ صالحٌ، لا شك. ولكنّ عائلتهم ليست من العائلات التي نعتادها. لم أسمع بها كثيراً." "وهذا هو سبب رغبتي في أن تتعرفي عليها يا أمي. لأنّني متأكدٌ أنكِ ستعرفين قيمتها الحقيقية." "حسناً. سأفكر في الأمر. ولكنّي أريد أن أزورهم، وأن أتحدث مع والدتها، إذا كان لها والدةٌ على قيد الحياة. أريد أن أرى بنفسي." "هذا ما أتمناه يا أمي. وأنا على استعدادٍ لفعل أيّ شيءٍ لتجعلكِ سعيدةً ومرتاحةً." نظرت الحاجة فاطمة إلى ابنها، ورأت فيه رجلاًً قوياً، يعلم ما يريد. أدركت أن عليها أن تتعامل مع الأمر بحكمة، وأن تحاول أن ترى ليلى بعينٍ غير عين المجتمع.

في منزل الحاج عبد الرحمن، كانت ليلى تشعر بمزيجٍ من الترقب والقلق. بعد حديثها مع أبيها، بدأت تفكر جدياً في خطوةٍ قد تكون جريئة. قررت أن ترسل رسالةً إلى أحمد. لم تكن رسالةً عادية، بل كانت تحمل في طياتها سؤالاً مباشراً، ولكنّ بأسلوبٍ لائق. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السيد أحمد. أتمنى أن تكونوا بخير. بما أنّ الأقدار قد جمعتنا، وأنّ هناك حديثاً بيننا وبينكم، أردتُ أن أطمئن قلبي، وأن أستوضح بعض الأمور. لقد سمعتُ بعض الهمسات التي قد تكون مجرد سوء فهمٍ، أو مجرد كلامٍ عابرٍ، ولكنّي أردتُ أن أكون واضحةً معك. هل هناك أيّ ارتباطٍ سابقٍ أو حاليّ قد يعيق تواصلنا؟ وإن كان، فأنا أتفهم ذلك تماماً، وأتمنى لكم كل التوفيق." بعد إرسال الرسالة، جلست ليلى وقلبها يدقّ بسرعة. كانت قد خطت خطوةً جريئة، لكنّها شعرت بالراحة لأنها لم تعد تخبئ شيئاً. كانت تثق بأن أحمد، إن كان بالفعل كما تظنّ، فسيتعامل مع الأمر بصدقٍ واحترام.

كان أحمد في مكتبه حين وصلته رسالة ليلى. قرأها بتمعن، وشعر بتقديرٍ كبيرٍ لجرأتها وصدقها. هذه الفتاة، بحيائها الظاهر، تحمل في قلبها شجاعةً نادرة. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الأخت ليلى. أسعدتني رسالتكِ كثيراً، وأقدر لكِ صراحتكِ وثقتكِ. أما عن استفساركِ، فأؤكد لكِ بأنّي لم أرتبط بأيّ فتاةٍ قبل ذلك، ولم أكن في أيّ علاقةٍ قد تعيق تواصلنا. أنا أرى فيكِ ما يجعلني أتطلع إلى بناء مستقبلٍ مستقرٍّ معكِ، إن شاء الله. أما عن الهمسات، فقد تكون مجرد غيرةٍ أو سوء فهمٍ. لكنّ الأهم هو ما بيننا، وما نسعى إليه من خلال طريقٍ شرعيٍّ بإذن الله. سأتحدث مع أمي قريباً، وأنا على استعدادٍ تامٍّ لأيّة خطوةٍ ترونها مناسبةً." ابتسم أحمد وهو يرسل الرسالة. كان يعرف أن طريقهم لن يكون خالياً من العقبات، لكنّ الصدق والوضوح هما مفتاح النجاح.

بعد تلقي أحمد الرسالة، قرر أن يواجه والدته مباشرةً. ذهب إليها في وقتٍ متأخرٍ من الظهيرة، عندما كانت تجلس في غرفتها تقرأ القرآن. "أمي، أريد أن أتحدث معكِ بجدية،" قال أحمد بصوتٍ هادئ. نظرت إليه والدته، وقالت: "تفضل يا ولدي. ما الأمر؟" "لقد تحدثتُ مع الحاج عبد الرحمن، وأبدى موافقته على أن نتقدم لخطبة ابنته ليلى. وأنا أريد أن آخذ برأيكِ، وأعلم أنكِ قلقةٌ بشأن بعض الأمور." تنهدت الحاجة فاطمة. "قلتُ لكَ يا أحمد، إنّني أريد أن أراها، وأن أتعرف عليها. ولكنّني لم أسمع بها كثيراً، ولستُ متأكدةً من توافق عائلاتنا." "يا أمي، هل نترك المستقبل والزواج مبنياً على ما سمعناه عن الناس، أم على ما نراه بعيوننا؟ أنا اخترتُ ليلى لأنّني رأيتُ فيها الدين والخلق، وهذا ما يجب أن نبحث عنه. أما عن توافق العائلات، فهو شيءٌ يُبنى ولا يُوجد جاهزاً." "ولكنّي لا أريد أن أتعرض للانتقادات، أو أن يُقال عني أنني لم أحسن الاختيار لابني." "ومن يهتمّ بكلام الناس يا أمي، إذا كنا نحن راضين وسعداء؟ أنتِ والدتي، ورأيكِ يهمني، لكنّ قراري في حياتي، وأنا متأكدٌ من هذه الخطوة." صمتت الحاجة فاطمة قليلاً. رأت في عين ابنها إصراراً ورجاحةً. أدركت أن معارضتها قد لا تكون مفيدة. "حسناً يا أحمد. إذا كنتَ مصراً، فليكن. ولكنّني أريد أن ألتقي بوالدتها، أو بمن يقوم مقامها. أريد أن أرى هذه الفتاة بنفسي، وأن أتحدث مع من ربتها." "بالتأكيد يا أمي. سأرتب ذلك." ابتسم أحمد بارتياح. كانت هذه الخطوة الأولى في تجاوز العقبات.

في غضون ذلك، كانت ليلى تشعر بثقلٍ في صدرها. لم تستطع أن تفهم سبب صمت أحمد بعد رسالتها. هل كان صمته يعني رفضاً؟ أم أنّه كان يفكر في الأمر؟ عادت الأفكار السلبية لتتسلل إلى قلبها. هل كانت مجرد "وهمٍ" في عقله؟ "أبي،" قالت ليلى بجديةٍ في المساء، "هل أنتَ متأكدٌ مما سمعته عن السيد أحمد؟ عن ارتباطه؟" نظر إليها الحاج عبد الرحمن، وقال: "يا ابنتي، لا يمكنني أن أؤكد أو أنفي. هذه مجرد أقاويل. ولكنّي أريد منكِ شيئاً واحداً. إذا شعرتِ يوماً بأنّ هناك أمراً لا يرضي الله، أو أنّه سيسبب لكِ شقاءً، فلا تخافي من البوح به." "أنا لا أخاف يا أبي، ولكنّي أخاف على القلب." "القلب السليم، والقلب الذي يستعين بالله، لا يخشى شيئاً." كانت كلماته مطمئنةً، ولكنّها لم تزِل الشكوك تماماً.

في منزل آل الشريف، كانت السيدة زينب تتحدث إلى زوجها. "أتسمع يا صالح؟ يقولون أن أحمد بن فاطمة قد وضع عينه على فتاةٍ من آل عبد الرحمن. هل هذا يليق بعائلةٍ مثل عائلتنا؟" "وماذا تريدين أن نفعل؟" سأل زوجها بلامبالاة. "إذا كان أحمد يريد ذلك، فربما يرى فيه شيئاً يعجبنا." "لا يا صالح! لا يمكن أن نسمح بهذا. يجب أن نتحدث إلى فاطمة. ربما تكون غافلةً عن الأمر." "فاطمة؟ إنها تعرف عائلتها جيداً، وتعرف مكانتها. ربما تكون مجرد مزحةٍ أو تسليةٍ." "أتمنى ذلك. ولكنّي سأتصل بها غداً. يجب أن نوقف هذه المهزلة قبل أن تتطور."

كانت تلك الليلة تحمل في طياتها تصادم الأفكار، وتساؤلات القلوب، وبداية تحركاتٍ قد تغير مسار الأحداث. قلق الأم، وتحدي الابن، وصراحة الفتاة، ودهاء الآخرين، كلها عوامل تتفاعل لتشكل حبكةً ستكشف عن مكنوناتها في الأيام القادمة. هل ستتغلب المحبة الحلال على تحفظات المجتمع؟ أم أن الهمسات ستصبح حقائق تقف حائلاً أمام السعادة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%