حب الأبرار الجزء الثالث

نسج الخيوط وزرع الشكوك

بقلم مريم الحسن

بزغت شمس يومٍ جديد، محمّلةً بوعودٍ وتحدياتٍ. في منزل الحاج عبد الرحمن، استيقظت ليلى على صوتٍ خافتٍ للقرآن. جلست في سريرها، تتأمل أشعة الشمس الذهبية التي تتسلل عبر نافذة غرفتها. كانت تشعر بأنّها قد أصبحت أقرب إلى حسم أمرها، ولكنّ الغموض المحيط بأحمد كان لا يزال يلقي بظلاله على روحها. بعد صلاة الفجر، تناولت فطورها بصمتٍ، تفكر في خطوتها الجريئة بالرسالة. هل كانت صائبةً؟ هل ستؤدي إلى ما تريده، أم إلى تعقيد الأمور؟ "يا أبي،" قالت ليلى وهي تنظر إلى والدها الذي كان يرتشف قهوته الصباحية. "هل هناك أيّ أخبارٍ جديدةٌ بشأن السيد أحمد؟" ابتسم الحاج عبد الرحمن. "لقد تحدثتُ معه بالأمس. أبدى اهتماماً كبيراً، وقال إنه سيترتب الأمر مع والدته. يبدو أنهم بدأوا يفكرون بجدية." ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجه ليلى، لكنّها لم تخفِ قلقها تماماً. "أتمنى ذلك." "لا تقلقي يا ابنتي. ما كتبه الله سيكون. ولكنّي أشعر أن هناك من يحاول التدخل." "من تقصد يا أبي؟" "لا أدري بالضبط. ولكنّي أشعر ببعض التحركات غير المعتادة. بعض الأسئلة تأتي من جهاتٍ مختلفةٍ، وكأنّها تستطلع الأخبار." "هل تقصد أن هناك من لا يريد هذا الارتباط؟" "ربما. ولكنّنا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي. سنواجه أيّ عقبةٍ بالثبات واليقين." كانت كلمات والدها تبعث فيها الطمأنينة، ولكنّها كانت تدرك أن الصراع قد يكون أعمق مما يبدو.

في قصر آل الشريف، كانت الحاجة فاطمة في حيرةٍ من أمرها. لم تستطع أن تتخلى عن فكرة زواج ابنها من فتاةٍ تليق بهم. في هذه الأثناء، تلقت اتصالاً من السيدة زينب. "فاطمة حبيبتي، سمعتُ أخباراً مفزعة!" قالت السيدة زينب بصوتٍ فيه تضخيمٌ متعمد. "يقولون أن أحمد قد قرر الزواج من فتاةٍ من عائلةٍ بسيطة، وأنّ والدته، أي أنتِ، قد وافقت على الأمر!" شعرت الحاجة فاطمة بالضيق. "يا زينب، لا تصدقي كل ما تسمعين. أحمد يدرس الأمر، ولم يتمّ شيءٌ بعد." "لكنّي سمعتُ أنه يريد التقدم لخطبة ابنة الحاج عبد الرحمن. هل تعرفين هذه العائلة؟" "أعرف الحاج عبد الرحمن. رجلٌ صالح. أما عن ابنته، فلم ألتقِ بها بعد." "يا فاطمة! هذا ما أقلقني. أنتِ لم ترها بعد، وأحمد قد قرر. ربما يكون مخدوعاً، أو ربما يتخذ قراراً متسرعاً. يجب أن ننتبه لهذا الأمر. أنا قلقةٌ جداً على مستقبل أحمد. أريده أن يرتبط بفتاةٍ من مستوانا، تليق بعائلتنا." "أتفهم قلقكِ يا زينب. وأنا أيضاً قلقةٌ. ولكنّ أحمد رجلٌ عاقلٌ، ولن يفعل شيئاً يضرّ به." "ولكنّ الأمور تتغير يا فاطمة. وأحياناً يحتاج الشباب إلى توجيهٍ من الأكبر سناً. ماذا لو كانت هذه الفتاة لديها طموحاتٌ تفوق ما نستطيع توفيره؟ أو ربما تكون ذات طباعٍ مختلفةٍ تماماً؟" بعد إنهاء المكالمة، شعرت الحاجة فاطمة بضغوطٍ متزايدة. بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبها بقوة. هل كان ابنها يرى بعينٍ واحدة؟ هل كانت مشاعره تجاه ليلى مجرد إعجابٍ عابرٍ، سيؤدي إلى قرارٍ يندم عليه؟ قررت الحاجة فاطمة أن تتخذ خطوةً حاسمة. لم تعد تستطيع الانتظار. يجب أن ترى هذه الفتاة بنفسها، وأن تتحدث إليها. "أحمد،" قالت لابنها في ذلك المساء. "لقد قررتُ أن أزور الحاج عبد الرحمن غداً. أريد أن ألتقي بليلى، وأن أتحدث معها." نظر إليها أحمد بابتسامةٍ. "هذا جيدٌ يا أمي. سأكون معكما."

في منزل الحاج عبد الرحمن، كان الخبر قد وصل. الحاجة فاطمة، والدة أحمد، ستزورهم غداً. شعرت ليلى بمزيجٍ من الترقب والفرح. هذه هي الفرصة التي كانت تنتظرها. فرصةٌ لكي ترى والدة أحمد بنفسها، ولتترك انطباعاً جيداً. "أمي،" قالت ليلى لوالدتها، "هل يجب أن أرتدي ذلك الفستان الجديد؟" ضحكت والدتها. "بالتأكيد يا ابنتي. يجب أن تظهري بأفضل صورة." "ولكنّي قلقةٌ. ماذا لو لم تعجب بها؟" "يا ابنتي، الحبّ أمرٌ بين قلبين. ولكنّ الظاهر له دورٌ في البداية. كوني على طبيعتكِ، وبأخلاقكِ الجميلة، والله الموفق." كانت ليلى تفكر في أحمد. هل سيكون سعيداً بلقاء والدته بها؟ هل ستكون والدته على وفاقٍ معها؟

في صباح اليوم التالي، وصلت الحاجة فاطمة إلى منزل الحاج عبد الرحمن. كان المنزل بسيطاً، ولكنه يعجّ بالدفء والألفة. استقبلها الحاج عبد الرحمن بحفاوةٍ وترحيب. "أهلاً وسهلاً بكِ الحاجة فاطمة. شرفتينا بزيارتكِ." "الشرف لي يا شيخ عبد الرحمن. شكراً لكَ على حسن الاستقبال." بعد تبادل التحيات، طلبت الحاجة فاطمة أن ترى ليلى. "تفضلي يا الحاجة. إنها قادمةٌ إليكِ." دخلت ليلى، مرتديةً ثوباً أنيقاً، ووجهها يكسوه الحياء. ابتسمت للحاجة فاطمة ابتسامةً هادئة، وقالت بصوتٍ خافت: "السلام عليكم." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجابت الحاجة فاطمة، وهي تنظر إليها بعينٍ فاحصة. كانت ليلى جميلة، ذات ملامحٍ رقيقةٍ، وعينين صافيتين. ولكنّ الحاجة فاطمة لم تستطع أن تتجاهل انطباعها الأولي، الذي كان يعتمد على ما سمعته من السيدة زينب. بدأت الحاجة فاطمة بطرح أسئلةٍ، بعضها مباشرٌ وبعضها غير مباشر. كانت تسأل عن دراستها، عن اهتماماتها، وعن رؤيتها للمستقبل. "ماذا ترين في الزواج يا ابنتي؟" سألت الحاجة فاطمة. "أرى فيه السكن والمودة، وبناء أسرةٍ صالحةٍ، ورضا الله،" أجابت ليلى بثباتٍ وثقة. "وماذا عن متطلبات الحياة؟ هل أنتِ مستعدةٌ لتحمل الأعباء؟" "بالتأكيد. الإسلام يحثّ على التعاون بين الزوجين. وما يرزقنا الله به، سنقسمه ونبني به مستقبلنا." شعرت الحاجة فاطمة ببعض الإعجاب بكلمات ليلى، ولكنّها لم تستطع أن تتخلص من قلقها. "ولكنّكِ تعلمين أن عائلتنا مختلفةٌ قليلاً عن عائلتكم. لدينا مسؤولياتٌ أخرى، ولدينا مكانتنا في المجتمع." "أعلم ذلك يا الحاجة. ولكنّي أعتقد أن الاحترام المتبادل، والمحبة الصادقة، هما أساس بناء أيّ علاقةٍ قويةٍ، بغض النظر عن اختلافات البدايات." نظرت الحاجة فاطمة إلى ليلى، ورأت فيها ذكاءً وحكمةً، ولكنّها في نفس الوقت، شعرت بأنّ هذه الفتاة قد تكون قويةً جداً، وقد لا تنسجم تماماً مع رؤيتها. "أرى أنكِ فتاةٌ ذكيةٌ،" قالت الحاجة فاطمة ببطء. "ولكنّ الأمر ليس بهذه البساطة. الزواج ليس مجرد علاقةٍ بين رجلٍ وامرأةٍ. بل هو تداخلٌ بين عائلتين. وعلينا أن نكون متأكدين من هذا التداخل." "وأنا أرى ذلك يا الحاجة. ولكنّي أؤمن بأنّ الإخلاص والنوايا الطيبة، يمكن أن تجعل كلّ شيءٍ ممكناً." كانت ليلى تحاول بكلّ طاقتها أن تترك انطباعاً جيداً، ولكنّها شعرت بأنّ الحاجة فاطمة كانت تحمل في قلبها شيئاً مختلفاً.

في هذه الأثناء، كان أحمد يشعر بتوترٍ متزايد. كان يراقب ردود أفعال والدته، ويتوقع ما قد يحدث. بعد اللقاء، استقبل الحاج عبد الرحمن الحاجة فاطمة بالقهوة والشاي. "ما رأيكِ في ابنتي يا الحاجة؟" سأل الحاج عبد الرحمن بصدق. ترددت الحاجة فاطمة قليلاً، ثم قالت: "ليلى فتاةٌ طيبةٌ، وأرى فيها بعض الصفات الجيدة. ولكنّني لستُ متأكدةً تماماً من مدى توافقنا. هناك بعض الاختلافات التي قد تؤثر على مستقبلهم." "الاختلافات في الطباع والأخلاق هي ما يجب أن نقلق منه. أما الاختلافات في المستوى الاجتماعي، فهي أمورٌ يمكن تجاوزها بالمحبة والتفاهم." "أتمنى ذلك." قالت الحاجة فاطمة، وهي لا تزال غير مقتنعةٍ تماماً.

عادت الحاجة فاطمة إلى منزلها، وشعرت بثقلٍ أكبر. تحدثت إلى أحمد، وأخبرته برأيها. "يا أحمد، رأيتُ ليلى. إنها فتاةٌ لطيفةٌ، ولكنّني لستُ متأكدةً من أننا سننسجم. لديها أفكارٌ مختلفةٌ، ولا أعرف إن كانت ستكون قادرةً على التأقلم مع حياتنا." "يا أمي، ليلى تفكر بمنطقٍ وعقل. وهذا ما أحتاجه في زوجتي. أما التأقلم، فكلّ شخصٍ يحتاج للتأقلم في بداية حياته الزوجية." "ولكنّني سمعتُ أيضاً أن عائلتها لديها بعض المشاكل المالية. هل أنتَ مستعدٌّ لذلك؟" اتسعت عينا أحمد بصدمة. "من قال لكِ هذا يا أمي؟" "السيدة زينب. قالت إنّ الحاج عبد الرحمن يواجه بعض الصعوبات." شعر أحمد بالغضب. كان يعلم أن السيدة زينب تحاول زرع الفتنة. "يا أمي، هذا كلامٌ غير صحيح. الحاج عبد الرحمن رجلٌ كريمٌ، ولكنه ليس فقي

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%